قراءات ودراسات

القصة القصيرة

بقلم: سيدي علي بلعمش

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن القصة القصيرة و عن ناد لها لم أحظ قط بحضور إي نشاط له مع الأسف.. و تم نشر العديد من المحاولات في وسائل الإعلام، لم يكن أي مما اطلعت عليه منها يمت إليها بكبير صلة.. كانت مجرد خواطر متواضعة تخلط بين كل الفنون الكتابية بلا وعي لأي منها. ولا شك أن القصة القصيرة من أصعب الألوان الأدبية ضبطا وأكثرها التباسا و أحيانا تلبسا.. وإغراء  أيضا،  مما يدفعنا إلى التحذير من اقتحامها  كيفما اتفق، كما نرى يوميا في وسائل إعلامنا، لا اعتراضا على تلك المحاولات الناشئة، المحقة أحيانا في تخبطها وإنما تفاديا لجعلها نماذج تتقفاها الناشئة ..

سنوات عديدة من القراءة الممنهجة و الموجهة، التهمت فيها أطنانا من الكتب و سحبا من الدخان و أنهارا من الشاي لأكتب صفحة واحدة عن هذا الفن البديع، أكتشف الآن و أنا أقرأ هذه المحاولات المتعثرة، أنها أهم ما كان يمكن أن أصنع في حياتي؟ : وسأقدم للمهتمين قصصا قصيرة لأهم عمالقتها عبر التاريخ ليكتشفوا بأنفسهم تناولاتها و فنياتها و أغراضها لتساعدهم أكثر على فهم هذا اللون الأدبي المنقطع الروعة.

القصة القصيرة

إذا كانت القصة القصيرة كلون أدبي فنا حديث الولادة ( نسبيا ) فإنها كغرض إنساني، تعود مما لا شك فيه ، إلى أبعد مراحل التخيل البشري .. و تدل ملامستها لجميع الفنون التعبيرية من شعر و نثر و حضورها في أكثر من مجال : التاريخ، علم النفس و علم الاجتماع، أنها الأقدم (شكلا) كما يدل ارتباطها بالمأساة الإنسانية أنها أقدم (مضمونا) …

لهذا كان خطأ البنيويين واضحا في محاولتهم حصر كل قصص العالم في بنية واحدة .. فليست هناك نماذج و خصائص نهائية للقصة القصيرة ، بل اتصفت بالحركة الدائمة و التنوع الشكلي المستمر ، و هذا الاختلاف ليس من قبل التفرد فحسب كما جاء في كتاب s/z  لـ”بارت” و إنما هو نتيجة الخاصية النصية نفسها ، فالبناء الفني للقصة ظل محكوما بشروط تجربة القاص و اختياره .. و انتماء القصة القصيرة إلى زمانها و مكانها ، يجعل هذه الخصوصية ولدية قدر لا تكون أصيلة دون الظهور بكامل ملامحه الخاصة ؛ فمهمة القصة هي إلى حد كبير إبراز بعض ملامح الواقع ، و هذا ما يقربها من الرواية و إن كانت الأخيرة تختلف عنها في أسلوب التداعي في الذكريات الذي يتداخل الماضي فيه بالحاضر ، الشيء الذي لا تتحمله القصة القصيرة  كحدث مشهدي.

وتفرق لنا الكاتبة التشيلية المبدعة إيزابيلا ألندي بين القصة و الرواية ـ في روايتها “باولا” ـ بروعة ممتنعة السهولة : “إن الرواية مشروع طويل النفس ولا بد أن يتمتع الكاتب بالصمود و الانضباط بصورة خاصة ، فكتابة الرواية أشبه بنسج سجادة متعددة الألوان حيث العمل يتم بالمقلوب بصبر غرزة بعد غرزة مع الانتباه إلى التفاصيل حتى لا تبقى أي عقدة ظاهرة وكل ذلك وفق تصميم غامض لا يمكن تقديره إلا في النهاية عند وضع الخيط الأخير وقلب السجادة على وجهها لرؤية الرسم مكتملا و بقليل من الحظ يحجب سحر العمل بمجمله العيوب و النواقص. أما في القصة القصيرة فكل شيء مرئي، يجب أن لا تكون هناك أي زيادة أو نقصان ، فالمجال مضبوط تماما و الوقت قليل، وإذا ما جربت فيها تصحيحات كثيرة تفقد تلك النفحة من الهواء البارد التي يحتاجها القارئ ليحلق . إن القصة القصيرة مثل إطلاق سهم حيث لا بد من توفر غريزة و ممارسة ودقة رامي القوس الجيد والقوة اللازمة للإطلاق و العين القادرة على قياس المسافة و السرعة في الرمي و الحظ الطيب لإصابة الهدف “.. ولأن القصة حدث مشهدي فانظر إلى أي زواياها أكثر إثارة لتبدأ منه كما قال محمد حسن الحربي.. والزمن فيها قصير، تنتج شريطا لغويا قصيرا، يبسط وقائع جزئية قصيرة الزمن، تركز على أزمة واحدة يعيشها الإنسان في المجتمع و ليس المجتمع بكامله ، و يراد لها أن تكشف مرحلة تاريخية والقاص الجيد هو من يمتلك الرؤية الفريدة ويحسن عملية تجسيدها الفني. وإذا كانت القصة الجديدة تخلت عن سرد الحدث فقد خلقت نظاما فنيا جديدا لا يتخلى عن الحدث و إنما يتفرد بتقديمه و توظيفه بشكل أفضل بمقاييس زمننا و هذا ما جعل القصة القصيرة تلامس الشعر و لو بحياء ؛ فالقصة بهذا التوظيف تكون فن تفجير اللحظة و لأن الشعر هو فن تفجير الكلمة أو العبارة ، تكون هذه العلاقة التفجيرية هي صلة القرابة بين الحالتين ، بل تكاد القصة ـ بالمعايير الصارمة ـ لا تتخلى إبداعيا إلا عن ما يسيء “انفجاريا” إلى الشعر ، فلغة القصة موضوعية ، حيادية ، دقيقة ، مركزة ، احتمالية ويحصل لكنه من النادر، أن تأتينا قصة قصيرة رائعة، بلغة تقريرية تماما مثل الشعر. وتكاد تكون شعرا أكثر، عند الملتزمين بفنياتها، بمفتاحها الموسيقي وهي الجملة الأولى في القصة والتي مهمتها القبض على القارئ و إعطاء القصة إيقاعها الموسيقي ، و جملتها الأخيرة المسؤولة عن حفرها في ذاكرة القارئ والتي يطلق عليها الأدباء اسم “الضربة الموباسانية” نسبة إلى القاص الفرنسي الكبير غي دي موباسان، الذي أبدع بشكل  خاص في فن التخلص من القصة والاستفادة من جميع الخصائص اللفظية للكلمة.

ومنذ ظهور القصة القصيرة لأول مرة كفن جديد في الملحق السنوي لقاموس أكسفورد الانجليزي سنة 1933 و الأدباء يحاولون عبثا إعطاءها شكلا معينا و إن كانوا يتفقون على جملة من شبه النصائح ، يلخصها بشكل جيد كتاب “عناصر الأسلوب” الذي يطلق عليه اسم “النخاع الشوكي لعباقرة آتليي الكتابة” ( بولاية أيوا الأمريكية) التي تعتبر أول كلية للقصة القصيرة و الشعر في العالم، منذ أنشأها “بول آنجيل” الذي أقسم في خطاب تسلمه مهام الحكم سنة 1895 أن يجعل من جامعة أيوا منبر إشعاع ثقافي في الغرب الأوسط الأمريكي الذي عانى طويلا من عقدة النقص الثقافي و التي أصبحت في سنة 1937 كلية بمنهجها المتكامل، المتوج بدبلوم أكاديمي رسمي، تتسابق الصحف و دور النشر للتعاقد مع حامليه من خريجي آتيليي الكتبة . ويعتمد كتاب “عناصر الأسلوب” الذي وضعه البروفسوران “سترانك و “وايت” سنة 1919 و الذي تعرض أكثر من أي كتاب آخر للتنقيح المستمر حتى تجاوزت طبعاته كل الأرقام القياسية ، بعض النصائح المهمة نذكر منها أهم ما يخص القصة القصيرة :

ـ التحذير من وضع الكاتب لنفسه في الواجهة الأمامية أو الكتابة بصفة الأنا.

ـ الحث على الإكثار من استعمال الفعل والفاعل لأنهما العنصران اللذان يعطيان الروح والحياة للجمل القصصية.

ـ الاختصار والتكثيف إلى أقصى حد ممكن.

ـ تحاشي ازدحام المواقف و الأحداث

ـ تحاشي الوقوع في الوصفية، فعناصر المشهد هي المسؤولة عن تقديم نفسها بنفسها وأنت كاتب و لست رساما.

ـ تحاشي التبرير و التفسير حيث مهمتك أن تكتب للقارئ لا أن تقرأ عنه.

ويحث الأدباء على الحبكة في مجال القصة كثيرا وإن كانت تفاسيرهم تتباين أحيانا في ماهيتها إلى حد التناقض، والتي وصفها الأديب الانجليزي الكبير مورغان فوريستر بقوله : “مات الملك فماتت الملكة .. هذه هي القصة” ثم عاد و قال : “مات الملك فماتت الملكة حزنا .. هذه هي الحبكة”.. ومن ضمن النصائح شبه المعتمدة في مجال القصة القصيرة ، نصيحة الأديب الروسي الكبير “تشيخوف” ـ الذي يعتبره الكثيرون سيد القصة بلا منازع ـ للشابة “إيفيلوفا “: “عندما تصورين الناس التعساء وغير المحظوظين وتريدين أن تثيري شفقة القارئ، حاولي أن تكوني أكثر برودة لأن هذا يعطي خلفية تستطيعين أن ترسمي عليها تلك التعاسة بشكل أكثر تجسيما ووضوحا  بدون ذلك فإن أبطالك يبكون و أنت تتنهدين و تتأوهين .. نعم كوني باردة” . وقد كانت شخصيات “تشيخوف” الذي وصفه  تولستوي  بـ”فنان الحياة” ، هي الإنسان العادي الذي يعيش حياة خالية من أي سمة بارزة.. و” مقدرة تشيخوف على الغوص في هذا الفهم العميق للواقع النفسي تعود إلى كونه قد امتلك تصوره الخاص عن الحياة فصار بذلك أعلا منها” كما قال عنه ماكسيم غوركي . وفي رسالة له إلى كولينكو قال تشيخوف : “أنا لا أستطيع الكتابة إلا من ذاكرتي الطبيعية مباشرة.. يجب على موضوع قصتي أن يمر بمصفاة عقلي حتى لا يتبقى بها إلا ما هو تمثيلي وهام”.. هكذا ظلت القصة عند تشيخوف فن الأزمة كما وصفه القاص السوري جميل حتمل، أو البنت الجمالية للواقع المأزوم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق