قراءات ودراسات

آفاق التمرّد في رواية “لا تشبه ذاتها”

رزان إبراهيم

اختارت ليلى الأطرش في روايتها الجديدة “لا تشبه ذاتها” (2019) شكل المذكرات كي تنقل لنا تجربة طبيبة أفغانية هاجرت مع عائلتها إلى لندن، ومن ثم عاشت في عمان مع زوجها الفلسطيني، وقد كانت المهاجرة التي لم تعرف بؤس الاقتلاع لأنها غنية، ولم تعش معاناة اللاجئات في مخيمات النزوح وحالة الاستغلال التي عاشوها. ما يلفتنا في حكايتها أنها امرأة بدأت تظهر عليها بوادر التمرد منذ الطفولة، واستمرت معها لتزداد أكثر مع وقوعها بمرض كانت قد كتمت سره، لتبلغ قمة هذا التمرد مع قرار اتخذته بأن تكتب سيرتها الصادقة عن نفسها والوطن دون محاباة، لتسجل في النهاية حاجة الإنسان لإرادة قوية تعينه على الاستمرار في الحياة. أما عن أشكال التمرد التي عاشتها حبيبة فيمكن إجمالها عبر الآتي:

التمرد على الخوف
من قول الحقيقة
نبدأ من حيث خيار الروائية في أن تكون المذكرات وسيلة للاشتغال على طرد الخوف من قول الحقيقة، وهو ما فعلته حبيبة حين قررت أن تبوح لابنتها وطليقها بمكنوناتها الداخلية في وقت

تعيش فيه مرحلة سباق مع العمر، ليكون البوح قبل كل شيء شكلا من أشكال مقاومة شجرة تقاوم رياح الخريف، أو وسيلة للمواجهة كما اللحن أو التمثال، أو حتى فيلم أو مسرحية تسطع بالأفكار. لم تشأ الروائية لبطلتها أن تروي قصة حياتها بالترتيب كما هو المعتاد في المذكرات، فنجدها تتناقل في الأزمنة على نحو عشوائي في رحلة عكسية باتجاه الماضي وصولا للحاضر؛ “فهي ليست عمارة مشيدة بمواصفات فنية”، وإنما هي عمارة تشيدها نفس تريد أن تطلق صرخة هي بمثابة سكين تفتح جروحا قديمة، لنكون معها في الصلب من رحلة نفسية داخلية تفضح وتكشف بحرية تامة.

التمرّد على المرض والموت
وهو ما تبرزه الرواية على نحو لافت، حين تظهر بطلتها في محاولاتها القفز على حدود الجسد الضعيف باستخدام مشاعر قوية تحتج وترفض وتتحدى، أو من خلال الركون إلى سفر الروح والتحليق بعيدا كما رقص الأفارقة حين يطردون شيطان المرض، فتمارس التجلي إذ تترك

الجسد في نوم صغير وتحلق في حلم جميل لتدخل في سكينة يرضخ لها الجسد ويتلاشى الألم حين تسمو الروح، لتكون في نهاية المطاف كما الجندي يحارب في معركة فرضت عليه، فإما البقاء أو الانتهاء والاستسلام. انسجاما مع هذه الروح الرافضة للفناء، تحتفي الرواية بأشكال متنوعة بحث فيها البشر عن خلودهم، كما حين اخترعوا التحنيط، وبنوا الأهرامات والقلاع، ونحتوا التماثيل، ورسموا الصور، ونقشوا على الصخر ما أصبح شواهد أقوى من وثائق يمكن أن تضيع وتتلف، وبالمثل رفضت اقتناء الفراء بشكل قطعي، وكذلك قتل النمور للحصول على جلودها، أو إجهاض الحوامل من أغنام الكاراكول للحصول على الصوف الناعم.

التمرّد على الحب
نعيش مع حبيبة حالة من التمرد على حب حياتها الرجل الفلسطيني منذر الذي تملكتها الريبة تجاهه منذ البدايات، إلا أنها ظلت ترمم وتتنازل إلى أن أدركت أن الشرخ البسيط وإن جبر

باللاصق، فإن ترميمه يغدو صعبا. في مذكراتها تدرك حبيبة بعد فوات الأوان خطأها الكبير بتنازلها لرجل كانت غشاوة الحب قد أعمتها عن حقيقة تبينتها مؤخرا، وهي أن مصلحته وحدها كانت تقود خطواته، لتبدو لها سنواتها الأخيرة معه كما “أنين ساقية على بئر خلف الدارة، انكسر ضلعها، ترنحت وناحت، لم تتوقف ولم تعمل كما يجب”. إلى أن تمكنت بروح الصبية من مواجهة نفسها وكذلك ابنتها عن حقيقة رجل لم تمنعه مصالحه الخاصة من عقد صفقات تجارية مع يهود يعرف جيدا أنهم من أولئك الذين اشتركوا في استلاب وطنه.

التمرّد على العائلة
كان لتمرد حبيبة علامات منذ طفولة عاشتها متجاوزة مقدار ما يسمح لها باستماعه وفقا لقانون العائلة وسطوة طبقتها التي تنتمي إليها، فقد كانت تتصنت بمقدار يمنحها قدرا من المعرفة يتصاعد معه تمردها على السائد، ومن ثم الخروج على طاعة أولي الأمر، وهو ما ابتدأ معها مذ كانت تلتقي بالفقراء خلف الدارة، وتستمع إلى حكاياتهم التي اختلفت عما يقوله أصحاب الشأن في عائلتها، كما حكاية الجد الذي تمزقت صورته محسنا كبيرا على غرار الصورة المرسومة له، وتكشف لها من خلال همس الخادمات وأمسيات الفلاحين أنه كان متسلطا شغوفا بالمال والقاصرات، بما يؤكد أن للحكايات وجهين “مثل القمر مشرق يطل على الناس، وخفي مظلم لا يعرفه إلا من جرب ظلمته”، وأن المتمرد قادر على تعرية الأسرار مهما تجملت حكاية الأسلاف، ومهما ادعت أن ما ينسب إليه من رش الناس بالسم الذي أودى ببصرهم لا يعدو كونه رواية حسد عن جد كريم مؤمن جمع ثروته بالحلال وأعتق الجميع طوعا لوجه الله.

التمرّد على المكان
أن تتمرد على أرضك الأولى التي كنت فيها، فإن هذا يأخذك بالضرورة إلى خيار المنفى تعبيرا عن رفضك لحالات القمع والظلم القاهرة المفروضة عليك. وهذا ما كان مع حبيبة وعائلتها حين أحست أن أفغانستان لم تعد موئلا لحضن وأمان وفرتهما لندن التي بدت أقل مهانة وقسوة. والرواية تفتح الباب واسعا للكتابة عن الوضعية البشرية لمن اختار الرحيل عن أرضه، دون أن يكون قادرا على التخلص من حنين تستيقظ معه مدافن للروح تختفي وراءها ذاكرة ممتدة في ماض بعيد. لذلك كان هؤلاء الذين غادرت معهم حبيبة يرفضون موت أماكن عاشوها فنقلوا الأسماء إلى أماكن هجرتهم.
ولأن المنفى والذاكرة مجدولان معاً كما يقال، ولأن ما يحدد مستقبل المنفي مرتبط بما يذكره من ماضيه وكيف يذكره، نجد الرواية وقد مالت إلى استخدام تقنية الاسترجاع، تستحضر من خلالها تفاصيل الوطن الأول، فمهما بلغت درجات التمرد على الوطن، فإن الخلاص من ذكرياته بدا أمرا مستحيلا. من هنا ترتحل بنا حبيبة إلى هذا الماضي بكثير من التفاصيل، كما

حين تصف لنا الدارة وإرث الغلزانيين بكل ما فيها من لوحات وأثاث ومخطوطات ومصاحف ووثائق، وحتى الأطباق الأفغانية التي لم تغب عنها. ويبقى اللافت هنا أن المنفي يصبح قادراً على أن يتعرف على وطنه بشكل جيد وأن صلته به لن تنقطع؛ فمن أرض الحاضر في لندن كانت حبيبة تراقب من على الشاشة نساء البراقع والشادور، وأدركت كم إن الحروب تكسر عنفوان النساء وتمتهن آدمية الطفولة، ومن هناك أيضا راقبت ضياع الأمل في التعليم والعمل مع أفكار تسحب أصحابها إلى كهوف المقاتلين باسم الدين.
يبقى أن التجاذب بين مكانين أمر واقع لا محالة، لأن المهاجر في غير وطنه يحمل ماضي الوطن جنبا إلى جنب مع محيط جديد وفضاء لم يختره ولا يشبه ما اعتاد عليه. هنا تبرز معاناة المنفي الذي يشعر بالانشطار بين المكان الأول والمكان الذي ارتحل إليه. وهنا يختلف البشر في قدراتهم على استعادة التوازن بعد الهزات العنيفة، أو بعد الانتقال من مجتمعات صغيرة إلى أخرى كبيرة، لذلك ظلت أخت حبيبة فردوس تحمل البلاد مظهرا وتصرفا عجزت لندن أن تبدله، وهي في ممارساتها لم تفترق عن مهاجرين جدد يحتمون بتجمعات يقاومون فيها ما يعتقدون أنه استلاب لهويتهم ودينهم ولغتهم وعاداتهم، فيجتمعون في الكنائس أو المعابد أو المساجد، ويقيمون النوادي لضمان هويتهم، ويتبادلون حكايات الأوطان ومآثر الجدود، بما يدل على أن الجذر يبقى قابعا هناك يمنع امتصاص قيم المحيط الجديد. علما أن شيئا من الاندماج لا بد واقع للغريب في منفاه، الذي سيجد مع الوقت البوصلة لقاربه، فيتعلم المسموح والممنوع بانتظار عودة تسمح بها ظروف مختلفة لوطن جديد غير وطن الخرائب والنهب، فالوطن في نهاية الأمر هو مكان النجاح والأمان.
أخيراً، فإن الرواية تأخذنا باتجاه المقارنة بين حبيبة التي عرفت وطنها وظلت مشحونة بذكرياتها فيه، إلى أن تمردت عليه واختارت كما بقية عائلتها غربتها فيه طواعية. هنا تحضر المفارقة بين حبيبة من جهة، وبين منذر من جهة أخرى الذي لم يعرف القدس إلا من خلال ما سمع عنها من الأهل، فافترضنا كما كان يقول إنه ورث حبه وإيمانه بحقه فيه؛ “كبر الوطن المسلوب في صدور الصغار شجرا من شوق وإيمان بالحق”، إلى أن رأيناه يقدم مصلحته المالية على إيمانه في الوطن. ويبقى السؤال قائما إن كانت حكاية حبيبة مع وطنها تتقاطع فعلا مع حكاية مهجرين انتزعهم الموت من بيوتهم ومن أمانهم، كما الفلسطيني – بعيدا عن منذر- الذي تصارع الغرباء على أرض كانت له، فعاش حسرة على وطن غادره خوفا من الرصاص دون أن يغادره حنينه إليه؟!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق