ثقافة السرد

شرف الحذاء

بشير عمري

ساق له كل المبررات، وعادته في التأخر لم تنقض، فلجأ في تلك الصبيحة المعتمة بغيمة قاتمة قادمة من الغرب إلى آخر شيء علق بخزانة مبرراته، حذائه! انقبضت ملامح قائد زمرته في الشغل وهو بعينيه كمن يتابع حواراً عمودياً في لعبة التنس، يرمي بنظرة إلى وجهه وأخرى إلى حذائه، شعر بنزق، لم يرق له أن يجعلهما في ميزان عينيه سواء، بل أكثر من ذلك، فقد شعر بأنه يشفق على حذائه من اتهامه وتخوينه له أكثر مما يشفق عليه هو كإنسان!
– هل طلع بداخله مسمار يوخز أصابعك؟
قال: لا!
– هل تسرّب إليه حجر وأنت تعبر منطقة الرمل البحري قادماً إلى الشغل؟
قال: لا!
– هل انشق كعبه العاجي العالي الصلب، وأنت تقفز من منتصف الكوبري لتختزل المسافة وتصل مبكراً؟
– قال: لا!
– فما طبيعة أزمتك الصباحية مع الحذاء عزيزي؟
ساعتها جلس ونزع الجزمة اليسرى ثم حشا يده بداخلها، ارتج أمامه إذ رآه يفعل ذلك، ولسان حاله يقول “أوتريد أن تلبس الحذاء يداك بدل قدميك؟ هل تريد أن تنقلب رأسا على عقب وتمشي على يديك وليس رجليك”، راح يرد عليه بحركات من أصابعه عسى أن يلقي في حسه بإيحاءات مؤثرة وعميقة قناعة لا تقبل المماحكة، وهي أن الجزمة قد ضاقت فجأة في قدمه ولم تعد تسعها، لأن لسانه كان قد عجز عن الحديث حينها فتكفلت حركات أطرافه وأنامله بذلك!

وقتها كفّ قائد الزمرة عن النظر إلى حذائه وقدمه العارية أمامه وارتحل بناظره كليا إلى عينيه، يفتش فيهما عن الطارئ الذي يكون قد حلّ به وهو يعود من النوم إلى اليقظة، لسان حاله يقول إن الأحذية لا تخون أصحابها في ليلة الخسوف، مرة واحدة، عكس أحذية الأنفس، التي لا نراها ولكننا نشعر بضيقها كلما سخنت الأسواق وعطست الجيوب مرة واحدة!

كان واجماً صامتاً لا يدري كيف يجيب قائده الذي سأله:
– وماذا أنت فاعل الآن، بدلا من الوقوف الطويل بالجزمة في اليد وليس في القدم؟ هل ستنشغل بحذائك الضيف هذا عن الشغل؟ أم تنشغل بحل أزمته؟ فأنا لن أرضى أن تنشغل عن العمل وتأديته كما يجب بألم قدمك!
لم يجد ما يرد له به عن أسئلته، أي الخيارات يأخذ بعد أن تورط في تهمة الحذاء، وحين افتعل الرغبة في الذهاب إلى الإسكافي، احمرّ وجه قائده بشيء من الغضب والانفعال وشخصت عيناه وأراد أن يصرخ في وجهه، “ليصلح قدمك أم جزمتك؟” لكنه تمالك بأعجوبة أعصابه وقال له اذهب إذاً الآن ولا تعد، فعطلتك اليوم حتمية وبلا أجر..
شعر بحذائه يضيق هذه المرة ليس على قدمه أو على يده بل قلبه! حين سمع كلمة عطلة بيوم من غير أجرة، يعني أن جدول ديونه قد اختل والحوانيت المقرضة ستحتج، ومن حسن حظه أن الإسكافي الذي عليه الآن أن يزوره لأنه من أقرباء قائده في الشغل، لن يأخذ شيئاً لأن الحذاء سليم معافى ومتين بالمسامير ومشدود بإحكام بالصمغ الماسك المازج للحديد والجلد مثل جزم العسكر، وحالما يمر عليه ليشهد زيارته إليه، سيقول له إن حذاءك أسلم من أحذية رجال الصاعقة التي خاضت حروباً عديدة في الصحارى المشتعلة!
وقبل أن يسأله عن ضرر الجزمة، وهو واجمٌ أمامه حافي القدم اليسرى في استقامة على نحو من الانحناء، دقق الإسكافي في فردة الحذاء بشكل كبير، راح يبحث عن مكان العطب، صوبها نحو الشمس حاشراً ناظره في جوف الحذاء، حتى إنه لم يكترث لعفن رائحة العناق الطويل بين جلد الجزمة وجلد قدمه، كي يكتشف الثقوب المحتملة في حواشي فراش الحذاء فيرقعها، أو المسامير الجامحة الصدئة التي ربما تكون قد استيقظت من سبات السنين فيقتلعها، فلم يجد شيئاً، وحين رفع الإسكافي رأسه نحوه من دون أن ينبس بنت شفة، شعر بالخجل ليس منه طبعاً بل من حذائه، أنكر ما كان في تلك اللحظة ما هو معروف حينها! وأبشع ما كان من تصرف حين استغل خرس الأشياء لاتهامها بجرم لم ترتكبه بل كان هو من ارتكبه، فالحذاء كان أوفى من

غيره في سوق الأشياء التي صارت تثقل كاهله في السنوات الأخيرة، فالمسكين لم يكلفه مذ اشتراه من سوق الأحذية المستعملة قبل ست سنين سوى علب معدودات من ملمع الأحذية الأسود، وقطع أقل عدداً من الأقمشة القديمة، ليمسح بها عليه كلما عبر المنطقة المتربة إلى الرصيف المبلط بالطريق المزفت، وهو يقاوم معه قسوة الأرض والزمن لا يئن ولا يشتكي من ركزه وقفزه الصبياني أحياناً وجريه إلى الشغل مسابقاً في كل مرة العربات القديمة والحافلات الحاملات لما يفوق طاقة استيعابها من الناس وشاحنات نقل العمال الذين يرونه من خلال زجاج نوافذها يسرع في قصده، مرة مهرولاً ومرة ماشياً، ويسخرون من عنته وبخله في عدم قبول دفع قيمة الاشتراك بمنظومة النقل العمالي، وحين ينظر إلى الساعة ويجد عقاربها قد تمردت على رقابته وفلتت من حراسته وانتباهه، يرفع من النسق ويفتح رئتيه جيداً بحركة من منخريه، ويشرع في شرب الهواء الجاف ثم إلقائه بقوة وهو كالرياضيين يجري تماما كما كان يفعل زمن المدرسة يوم كان لا يتناول فطور صباحه، كسرة خبز يابس تنقضي قبل انقضاء المسافة للمدرسة، كي لا يتأخر ويعاقب أمام الأغبياء من أبناء الأغنياء! الغريب هو أن المصنع اليوم هو تلك المدرسة القديمة اشتراها صاحب العمل حين بُنيت مدرسة جديدة!
عاد إلى وجه الإسكافي الصامت، فشعر بأنه أذل من الأشياء، أحط من حذائه وهو بين يدي الإسكافي، فقال له:
– ربما كان المشكل في قدمي!
ساعتها نظر إليه بغيظ بحركة مبهمة من شفتيه، لكنه قرأ صمته بدقة لأن أبرع ما كان فيه طيلة حياته تشريح الشكوك وقراءة الصمت في أحاديث الناس، لأنه طيلة حياته كان يلبس ما يثير، ما لا يسمع من كلام الناس، فمرة قدم إلى المدرسة بقميص أبيض ينسدل حتى منتصف ساقيه، عليه بقع من الصمغ الأسود، ويعبق بروائح الصلصال البري الأبيض، بعضهم كان يقول في صمته ربما اختلط فلك الوقت في رأسه، فقدم إلى هذه المدرسة بزي الكُتَّاب، وآخرون قالوا بخرس ساحر، أتراه في حلم اليقظة، من الفراش إلى المدرسة، إلا المعلم الذي تصيد حزناً من وجهه وتأكد أنه عرف أن لباسه الوحيد يجف ذلك الصباح تحت شمس الشتاء القاهرة بضعفها!
– عزيزي أنا أصلح الأحذية وليس الأقدام، لست كاشطاً لحوافر الخيل ولست أنت، حسبما أرى أمامي، حصاناً، بل إنسان حتى وإن مشيت إلى شغلك على قدميك مقدار ما مشته البغال والحمير والأحصنة في هذه المدينة قبل أن تمنع من شوارعها! ومن دون أن يرد سحب منه الحذاء وصيب من عرق وجهه يهطل غزيراً قد بلل جلد الحذاء العطش وفاح منه ما يشبه عطر التراب المحروق بطغوى الشمس وقتما يلثمه المطر!
وفي الصباح، أشعل الجزء الأخير المتبقي من سيجارة الأمس، ربط سير الحذاء بإحكام كمن يستعد لسباق العدو، انطلق مجدداً مسقطاً بناظره على حذائه وابتسم إذ رآه يركز على أرض فيثير غبارها القديم، فاحتار بما يعتز بجزمته أم بقدمه، فجأة توقف في منتصف الطريق قبالة باب الكوبري الواصل غرب البلدة بشرقها فوق الوادي الجاف، توقفت بمحاذاته شاحنة، وامتدت له من فوهتها يد قوية، سحبته عبر السلم إلى الداخل وسط وجوه كانت تنظر إليه بصمت على أرائك الشاحنة، فانبرى يشغل آلة تفسير الرؤية، شعر بسخونة في يده وهي تتحسس جيب سترته البارد صيفاً وشتاء، تحسس فرحة الجزمة على قدميه، وحين وصل ترك السبيل إلى ورشته واتجه مباشرة صوب مكتب الخدمات العمالية في قسم الإدارة وطرق الباب!
– أريد أن أدفع قيمة الاشتراك في النقل..
– المعذرة، رحلة اليوم كانت الأخيرة، انتهى نقل العمال!

*كاتب جزائري.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق