قراءات ودراسات

المشهد السردي: نظرة في البناء والتكوين

أ.د :حببيب مونسي*

1-تقديم:

نروم في هذا المقال معالجة المشهد في النص النثري القصصي، استنادا إلى الوصف، والسرد، والحوار. على اعتبار أنها أنماط كتابية يستعملها النثر القصصي لغرض الحكي. وليس في هذا التقسيم رؤية جديدة نضيفها إلى الرؤى التي تحاول مفصلة النص السردي للتعرف على حركاته الداخلية. بل كل ما نريده من ورائها، هو رفع أشكال مشهدية يكون فيها للوصف، أو السرد، أو الحوار صفة الهيمنة التي تجعلنا نقول عن هذا المشهد أنه مشهد وصفي، أن ذاك مشهد سردي، وأن الآخر مشهد حواري.
لقد قدم “غريماس” “J.GREIMAS” في تحليله السيميائي لأقصوصة “غي دي موبسان ” “الصديقان” “Les Deux Amis” كيفية جديدة في التعرف على مقاطع النص القصصي معتمدا على المواضع التي يلحظ فيها الاتصال والانفصال الزماني، أو المكاني، أو المتعلق بالفاعلين. يمكن تلخيصها في النقاط الأربعة التالية:

1-الانفصال أو الاتصال الزمني:

ويتوقف على النظر في حركة الأفعال في الحكي. فإذا انصرف الزمن في الفعل من الحاضر إلى الماضي، كان ذلك مؤشرا على تدخل، أو اعتراض يُقحم في الدفق السردي مقطعا جديدا، يختلف عن المقطع السابق من حيث الوظيفة. وكأن الحركة الزمنية المرتدة إلى الماضي، أو الحركة المنتقلة إلى الاستقبال، تُمَفْصِل النص عند نقطة معينة من الدفق السردي. ومن ثم قد نجد فيها مشهدا، أو عددا من المشاهد الجديدة، تطرأ على السرد فتغنيه بما تحمل إليه من خارج الرؤية التي تهيمن عليه.

2-الانفصال أو الاتصال المكاني:

وهي عين الحركة التي كانت في الأفعال، تكون في الأمكنة، فيتغير بتغيرها الإطار الذي يشتمل على الأحداث. وكلما تغير الإطار تغير الحدث تبعا لذلك. وحين نعاين انتقالا في المكان نعاين مباشرة انتقالا مماثلا في الحدث. وكأن تلازما بينهما يفرض على الحركة التي تكون للمكان، أن تكون للحدث. وهي حقيقة تجعلنا نعتقد أن التحول في الفعل: ماضيا، وحاضرا، ومستقبلا، يصاحبها إطارها الذي يناسبها. ومن ثم يكون التحول في الزمن تحولا في المكان كذلك. فالانفصال أو الاتصال الأول مرتبط بالثاني ومرهون به.

3-انفصال أو اتصال الفاعلين:

إن اصطلاح الفاعل في الدرس السيميائي يعين الشخصية القصصية التي يكون لها دور في توجيه الحدث أو تغييره. وعليه تكون الأحداث التي رأينا أنها تتصل بالزمان والمكان، تتصل بالفاعل. فظهوره أو اختفاؤه يحدد طارئا جديدا في السرد القصصي. ومنه يكون لحضور الفاعل حضور يوازيه في المقطع القصصي.

4-النمط الخطابي الجديد:”Nouvelle Catégorie Discursive“

وفيه ترصد تحولات التعبير من صيغة إلى أخرى، ومن نغمة إلى أخرى. وكأن كل تحوُّل في الوتيرة التي يكتنزها التعبير، تحوُّل في النمط الخطابي الذي يهيمن على السرد.(1)

فإذا كان التقسيم الذي يقترحه “غريماس” يلتفت إلى طبيعة الحركة التي يتأسس عليها فعل الحكي في عرضه لأحداث القصة، فإنه يلبي رغبة التعرُّف إلى التمفصلات الدقيقة التي تشد هيكل القصة في أفعالها، وأحداثها، وأشخاصها. غير أن ما نريده للمشهد من اتساع وشمولية قد يستغرق طرفا من هذه التحولات، فيدمجها في إطار المشهد الواحد الذي يتناول الزمان والمكان والحدث في آن واحد. وما يقدمه لنا التَّمَفْصُل القائم على الاتصال والانفصال يغنينا عن تلمس الحدود التي يجب أن نوقف عندها المشهد. فلا نقتطع من السرد سوى القطعة المتجانسة التي تكتمل فيها الحركة الواحدة. إما وصفا، أو سردا، أو حوارا. ومن ثم يكون لنا الإطار الذي يحد المشهد زمنيا ومكانيا.

2-الوصف؛ الطبيعة والفعل:

يقوم الوصف في الفعل السردي مقام العمود الفقري الذي يعطي لهيكل النص اعتداله واستقامته. وليس السرد في حقيقته الأولى إلا وصفا لوقائع وأحداث، تتخللها حوارات في إطار زماني ومكاني. وكأن السارد لا يفعل شيئا سوى استحضار الحادثة من خلال آلية الوصف التي تتفنن في استعراض الحدث والفاعلين والإطار المكتنف لهما. غير أن الوصف بهذه السعة، لا يمكن أن يكون مرادفا للسرد، ولا للقصة. بل سيكون فيهما عنصرا متضمنا إلى جانب عناصر أخرى تشكل حقيقة السرد. فهو من هذه الناحية، قريب الشبه بالتعبير الذي يكون الغاية التي يقوم من أجلها الأثر الأدبي والفني طورا، وطور آخر عنصرا متضمنا في الأثر نفسه. ومن ثم تكون مقاربة الوصف باعتباره صنوا للسرد، غير مقاربته وهو العنصر الماثل فيه مثول العناصر الأخرى.

والوصف في طبيعته الثانية يمكن ملاحظته مستقلا عن عرض الأحداث والأفعال التي تشكل طبيعة السرد. وقد استطاع الدرس النقدي التقليدي التمييز بين لونين من الوصف المتَضَمَّن في السرد. فسمى الأول ب”الوصف التجميلي” “description ornementale” الذي يتوقف دوره عند المعطى الجمالي فقط. والثاني ب”الوصف الدال” “description significative“. كما يكون الوصف في حد ذاته “فعلا” كما هو الشأن في الرواية الجديدة.

والذي يكشف عنه التقسيم السابق ضرب من الفهم الذي أخذ مع نهاية القرن التاسع عشر، يستثقل المقاطع الطويلة الواصفة، ويجد قراءتها مملة، مُثقَلة بالجزئيات التافهة التي لا تغني شيئا في دلالة الأثر. خاصة وأن وعي العالم لم يعد على الهيئة التي كان عليها من قبل، تحكمه الرؤية السكونية التي تجد في الأشياء ثباتا قريبا من الأزلية. فالوصف الذي يحاول اختزال العالم في نموذج مصغر ويحاكيه، لا يمكن له أبدا أن يحيط بحقيقته تلك. بل لن يقدم إلا صورة مشوهة عنه.

فالانصراف عن الوصف –انطلاقا من هذا الوعي- جعل النقد الواقعي لا يجد في مقاطع “فلوبير” “FLAUBERT” الوصفية في روايته “السيدة بوفاري” “M. BOVARY“، مجال لعاطفة، ولا لحياة.(2) وكأن ما استثقله النقد الواقعي في تلك الفترة، ليس إلا الإسهاب في عرض اللوحات البرجوازية التي اكتظ بها الأثر اكتظاظا ملحوظا. غير أن ظاهرة الوصف التي نبذها الذوق الأدبي في مطلع القرن، عادت مرة أخرى، في الرواية الجديدة سلاحا لا يمكن اعتباره ضدا للجمالية الرومنسية، بل بحثا غامضا عن شكل جديد من التعاويذ التي لا تزال تنتظر شكل شعريتها الجديدة.(3) إذ غدا الوصف فيها ضربا من الحدث الذي يمتلك شخصيته المتميزة، والتي تفضي في كثير من الأحيان إلى عرض إشكاليات الواقع الذاتي والجماعي من خلال التركيز على جزئيات تافهة في المحيط، تُحَجَّم بمقادير تسدُّ على شخصيات الرواية منافذ الرؤية السليمة للمواقع. وكأن الجزئيات التي تأخذ أحجاما شاذة، كوابيس تؤرق الذوات المعذبة في آتون الاغتراب والوحدة. لقد عرف “الوصف” تحولات تتماشى والرؤية الفكرية التي تؤطر الفن، من جهة، وتوجه التيارات التي تتلون في المناهج والأدوات. وقد يكون من السهل على متتبع حركية الوصف فيها أن يلحظ –في مقابل الحركات الأدبية- أشكال الوصف المصاحبة لها، على النحو التالي:

1-الوصف الكلاسيكي محاكاة النموذج.

2-الوصف الرومنسي محاكاة وتشخيص + عواطف وأحاسيس.

3-الوصف الواقعي. تصوير + دقة علمية.

4-الوصف الرمزي/الصوفي. تمثيل + تماهي عاطفي + تجريد.

وحركة الوصف بين هذه الرؤى لا تفارق أبدا المطلب الأولي في استحضار الموضوع إلى المعاينة الفنية التي تشف عبر الكلمات. غير أنه في كل محطة من المحطات، يتلبس من الخصائص الجمالية ما يرغمه على أن يضيف إلى أدواته شيئا جديدا يمايز بينه وبين الهيئة التي كان عليها من قبل. فالوصف الانطباعي الذي عرفته المدارس التعبيرية، قد يكون قريب الشبه من الوصف الرومنسي، ولكنه في الانطباعية يجنح إلى تغليف الرؤية بشيء من الضبابية التي تغيم معها الحدود والتفاصيل. وهي عين الظاهرة التي يحملها فن الرسم الانطباعي في عرض أشيائه. إذ ليس الغرض فيه المحاكاة، ولا الدقة، والتجريد.. بل المطلب فيه أن يوهم بوجود الموضوع على هيئة تتحسسها الذات في الشيء الماثل أمامها، حتى وإن كانت غير بيِّنة الملامح في الشيء ذاته. فالانطباع وهمٌ يرتسم على صفحة الذات في لحظة التأمل الثاقب. قد تدوم أولا تدوم، ولكنها تترك للأشياء أمثلة في غاية من الطرافة. فإذا كانت طبيعة الوصف تتحول مع تحول الرؤى الفكرية المؤطرة لها، فإن وظائفه تلازم في جميع الأحوال ثلاثة أنشطة:

1.2-الوظيفة التجميلية:

إنها الوظيفة التي استشفها النقد الحديث من المقاطع الوصفية الطويلة التي كانت تتخلل الآثار الأدبية الكلاسيكية، والتي رأى فيها ضربا من الحشو الذي يمكن للقارئ الاستغناء عنه، دون أن يغيِّر حذفه من النص شيئا. فهي مقاطع تكتظ بها النصوص من غير أن يكون وراءها هم، سوى هم التنميق، وإظهار القدرة على العرض البليغ. غير أنها ليست كذلك في عين الدارس الذي يجد فيها اليوم -وخاصة في غياب الصور والوثائق- خير معين على تصور الحقب التاريخية، والتعرف على أثاثها، ومبانيها، وألبستها، وعاداتها، وطرق تعاملها.. لأنك تجد في الوصف شريحة اجتماعية حية، تتحرك أمامك بأذواقها، وكليشيهاتها.. فالوصف –بهذه الصفة- وثيقة في غاية من الدقة والطرافة، تستحضر أمامك الغائب الذي يفتقر إلى الوثائق المصورة. بل قد يكون الوصف الذي نجده في الروايات الانسيابية، معينا على مفهم بعض ملامح اللوحات المرسومة في ذلك العصر. فنعرف منها مسميات الأشياء وقيمتها في السلم الاجتماعي والجمالي المهيمن. إن عملية استحضار الموضوع تتجاوز قيمتها الفنية إلى القيمة التاريخية التوثيقية، حين يتيح الوصف استحضار العصر بكل ملابساته الثقافية والمهنية. فالاستحضار لا يتوقف عند الموضوع الغفل، بل يتعداه إلى التصوير، والتفسير. ومن ثم كانت الوظيفة الثانية:

2.2-الوظيفة التصويرية:

تُكسب الوظيفة التصويرية الوصفَ قيمةَ الوجود الضروري في صلب العمل الفني. إذ يتعذر على القارئ تجاوزها أثناء القراءة من غير الإخلال بالنص في كليته. ذلك أن الوصف التصويري لا يمكن له أن يكون فضلة يمكن الاستغناء عنها في النص. بل يكون الوصف – وهو يكتسب صفة التصوير- بمثابة العين التي يطل منها المتلقي على عالم النص، وهو يتحرك في الزمان والمكان. وليس التصوير إلا تلك العملية التي تتولى رفع العناصر القصصية إلى حاسة التقلي، بما فيها من ترابطات تلتقي بالسمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس. لأن في التصوير من القدرة السحرية التي تجعل اللغة قادرة على توصيل هذه المحسوسات توصيلا يكاد يكون حقيقيا، إذا كان للوصف التصويري قسط من البلاغة والنفاذ. وقد رأينا في المشهد القرآني كيف تشترك الحواس جميعها في استقبال الصورة، بما يثار فيها من أصوات، وأحاسيس، ومذاق..

لا يخلو نص من النصوص القصصية من وصف تصويري. بيد أننا لا نريد من الوصف التصويري تلك الخاصية الناقلة التي تحاكي العين الزجاجية للمصوِّرة، ولكننا تريد من التصوير تلك الخاصية التي تمازج بين الشيء والعواطف التي تصاحبه. إذ ليست الأشياء في الحاسة الفنية، عاطلة من الأحاسيس. بل لكل شيء مهما كان تافها حقيرا، قسط من الأحاسيس الكامنة فيه، تستنطقها حاسة الفنان وتماهيه معه. فالعالم يكتنز معناه في أشيائه وأفعاله. وليس أمام الفن سوى الكشف عن المستكنّ وراء المظاهر الجامدة التي توحي بخلو الحياة فيها.

ولهذه الأسباب جميعها، لا يمكن الاستغناء عن الوصف التصويري، كما لا يمكن عده فضلة. بل الأحرى بنا أن نتدبر الوصف التصويري على أنه روح السرد الذي ينسج للقصة أرضيتها المعنوية والمادية التي تقوم عليها. إنه الروح الذي يُكسب الأشياء قيمتها الدلالية في النسيج العام. ومن ثم يغدو العنصر البسيط في النسيج الوصفي، عنصرا دلاليا يحبل بالخطاب الذي يرفعه نحو القصة.

3.2-الوظيفة التفسيرية:

إننا حين نقرر في الوظيفة التصويرية معنى الروح الساري في السرد، فإننا نجد في التفسير رافدا جديدا يقيمه الوصف إلى جانب التصوير الذي قد يتوقف عند مجرد العرض الشاخص، فيتولى التفسير إضفاء الحركة التي تمتد من الشيء إلى معناه، أو إلى المعاني التي يقصدها الفنان. إن المبدع –حين يصور- لا يتوقف نشاطه عند عملية العرض التي يستحضر بها موضوعه، بل يريد للموضوع أن يتبوأ موقعا فاعلا في البناء الكلي للنص. هذه الرغبة فيه، تجعل التفسير شطرا متصلا بالتصوير، قائما فيه. وكأننا حين نعزل التصوير عن التفسير، لا نفعل ذلك إلا لغرض التعرف على العناصر فقط. لأن العملية واحدة في أساسها. وكل تصوير تفسير من نوع خاص. ذلك لأننا حين نقف أمام التشبيه، أو الاستعارة.. فإننا نلاحظ وجود الشيء المستحضر ماثلا في وسط دلالي يمكِّننا من استشفاف ظلاله الممتدة بعيدا. وهو امتداد منوط بالوظيفة التفسيرية التي ترفعه إلى مصاف الإشارة، التي يتحول معها الموصوف إلى مجرد مؤشر على ما يقع وراءه من معاني ودلالات.

وقياسا على ما سبق، يمكننا أن نلمس أنواعا مقابلة للاستحضار: فالمحاكاة تكتفي بالمماثلة، بينما يكون في الاستحضار الواقعي تركيز على الدقة العلمية والموضوعية، التي تبقي للموضوع استقلاليته، ويدمج الاستحضار التعاطفي الذات في موضوعها دمجا يخلع عليه الحياة، ويحلق الاستحضار التجريدي في سماء الرمز المنفتح على التأويل. إنها الحالات التي يكون فيها التفسير على درجات متفاوتة من الحضور والفتور. غير أنه في جميع الأحوال شرط ماثل في النشاط الوصفي الإبداعي.

 

*كلية الآداب والعلوم الإنسانية – جامعة سيدي بلعباس – الجزائر

هوامش:

1-أنظر. سمير المرزوقي وجميل شاكر. مدخل إلى نظرية القصة. ص:96.95. الدار التونسية للنشر والتوزيع. (دت).

2-LAUBER.VERONIQUE.DISCRIPTION.POETIQUE.CD.UNIVERSALIS.5.

3-REY. PIERRE LOUIS. LE NOUVEAU ROMAN. CD.UNIVERSALIS 5

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق