قراءات ودراسات

من تجربة الالتزام إلى إبداعية التجريب عند الطاهر وطار

الدكتور: عميش عبد القادر

عرفت ناتالي ساروت nathalie sarraute الرواية بأنها:”عملية بحث دائم يسعى إلى تعرية واقع مجهول وأن اكتمالها وكمالها مرهونان ببحثها المستمر ،إنها مغامرة ومجازفة” في البدء وقبل التطرق لمرحلة السبعينيات التي عرفت بمرحلة الالتزام في الكتابة الإبداعية عموما والرواية على وجه الخصوص لابد منهجيا من تحديد المفهوم الاصطلاحي لـ”الالتزام”ترجع جذور مفهوم الالتزام أو “الأدب الملتزم” في ثقافتنا العربية المعاصرة إلى التأثير المباشر لتيار “الواقعية الاشتراكية”، وقد حقق هذا التيار الأدبي انتصارا جزئيا وفي مراحل متباينة زمنيا وجغرافيا.وأما على الصعيد السياسي في مرحلة كان العالم أثناءها منقسما إلى معسكرين؛ بحيث تم تقبل الواقعية الاشتراكية  بوصفها التعبير الأدبي عن المعسكر الاشتراكي .وفي الوقت نفسه كان ينظر إلى كل تيار أدبي آخر مناوئا للتيار الاشتراكي تبعا للموقف السياسي. ومن ثم وصف أنه التعبير الأدبي عن المعسكر الرأسمالي.وهكذا فقد فهم الأدب الطليعي على أنه مجرد نتاج رأسمالي يعبر عن الفكر الرأسمالي العالمي الذي ينزع إلى الهيمنة على العالم واستغلال ثروات الشعوب الضعيفة، التي كان الأدب الواقعي يعبر عن همومها وتطلعاتها.وهكذا فقد فهم الأدب الطليعي على أنه مجرد نتاج رأسمالي،ومن ثم استدعى رفضه إيجاد مصطلح عدائي له فكان مصطلح: “الرجعي أو الرجعية” فكان كل نص روائي أو أدبي أو فني يوصف بأنه :عمل رجعي مناف ومناقض للفكر التقدمي؛ أي الإشتراكي .وفي خضم هذا الصراع الفكري والسياسي كانت كتابات الأدباء الكبارفي عين النقد الواقعي المؤدلج مقبولة بل وتمثل الريادة والنموذج أمثال: “غوركي”و” شولوخوف “و” بريشت” وغيرهم.رغم خلو هذه الأعمال الروائية من أي قيمة فنية جمالية بالمفهوم النقدي الجاد والعلمي.وكانت أهميتها منحصرة في هدف واحد وهو التبشير بالفكر السياسي الاشتراكي،مثلها في ذلك مثل الجرائد والمقالات السياسية .

ومن هنا اكتسب أدب هذه المرحلة طابع الالتزام ومن ثم اصطلح عليه بـ”ألأدب الملتزم”.وكان أول ناقد عربي صاغ مفهوم “الأدب الملتزم”هو الناقد المصري” الدكتور محمد مندور ومن هذا المصطلح  اشتق مفهوم مماثل لمفهوم” الامتثال” الذي تحدث عنه “هيرمان هيسه” حين تحدث عن سلطة النص واستقلاله والالتزام .وهي إشارة منه إلى اشكالية العلاقة بين الكاتب والسلطة؛ أي بين إرادة الكاتب التي يسعى إلى تجسيدها في فعل الكتابة وتضمين نصه بأفكاره المتعارضة مع إرادة السلطة بصفتها الرقيب الجمعي المهيمن الذي يؤول إليه حق الحظر والمصادرة.

لاشك أن كل نص أدبي تكمن أهميته في قدرته على جعل سلطته المعنوية خارج الإغراء والخضوع فلا قيمة جمالية أو فكرية إلا خارج دائرة السلطة والتقنين والخضوع. وهذا شعور كل كاتب يسمو بفنه وينشد التحرر،بل التحرر هو سمة الكتابة، وهو مبدأ الإبداع والخلق. فقد كان الروائي السويسري “الألماني الأصل” “هيرمان هيسه” يردد دوما أنه يرفض الامتثال بكل أشكاله ولكل سلطة أخرى تعيق فاعلية النص

الروائي وتحد من دينامية سلطته وتحجب عنه  متلقيه.

وطبقا لذلك المفهوم” نشأت النظريات الأدبية الشمولية التي تقول بأن ما يسمى بـ”الالتزام” إنما هو نمط الامتثال لسلطة العقيدة والسياسة أو الدين، وأن ذلك أفضى في النهاية إلى ظهورأدب دعائي همّه الترويج لشعارات وأهداف وأفكار محددة. لقد طور “رولان بارت” مفهوم حرية النص هذا في الثقافة الفرنسية على نحو خلاق، لكافة المفاهيم وذلك عندما جعل من” الامتثال ” نوعا من الخيانة الأدبية للنص.

ولكن كيف كان موقف المثقف العربي تجاه هذا الاتجاه في الأدب؟ يقول محمود درويش بصراحة تامة:”كان يصعب علينا في نشاطنا الوطني العام أن نضع الفروق الواضحة بين الثقافي والسياسي، لأن زخم المشروع كان يجرفنا إلى درجة نعتبر فيها الأدب ترفا وإلى حد نقمع معه مفهوم التخصص”، وهذه إشارة واضحة من الشاعر محمود درويش إلى ذلك الالتباس القائم مابين امتثال النص لسلطته الداخلية ـ السلطة الفنيةـ وامتثاله لسلطة الخطاب السياسي،مع استحواذ هذه الأخيرة على النص الأدبي كتابة وتلق.وبامتثال النص الأدبي لسلطة المؤسسة المجسد في الخطاب السياسي الرسمي يعني أن هذا النص فاقد لحريته الأبداعية والفنية ـ وهي مرجعيته وأساسه ـ وهو بذلك فاقد من الناحية الوظيفية “لسلطته” التي يتوهمها الكاتب. هذا ما جعل الكثير من كتاب هذه المرحلة يعتقدون ـ على غير وعي صحيح ـ أن نصوصهم صادرة عن قناعة ووعي للأبعاد الفكرية والسياسية والثقافية، التي تضمنتها نصوصهم الإبداعية ، وهو ما فندته الوقائع الثقافية اليوم وما أثبتته الدراسات النقدية الموضوعية الأكاديمية التي عرّت دراسة هذه النصوص، مثبتة عدم صحة ما اعتقده هؤلاء الكتاب. وأن تلك النصوص الأدبية وخاصة منها الروائية كتبت مجردة من أي قيمة فنية وجمالية إبداعية إلا في بعضها القليل، هذه النصوص الروائية المستثناة التي اعتمدت  الترميز والتجريب وابتعدت عن التقريرية والمباشرة والأسلوب الصحفي العاري من التدبر الفني.وابتعدت عن الغلوّ الإيديولوجي (الاشتراكي) إلى درجة الشتم البذيء والأسلوب المنحط.

بتعبير آخر فإن النص الأدبي إذ يتماهى  داخل البنية المضمونية السياسية أو العقائقدية يغدو مجرد أداة لنمط أو نوع من العمل الدعائي ،وبذلك يغدو مجرد ممثل لهذا الخطاب، ينوب عنه في آداء وظائف وأغراض ليست فنية ولا إبداعية. ومن ثم فقد هذا النص الروائي أهم مميزاته الأدبية والجمالية والاستقلالية وهي عناصر مكونة في كل نص، وهي تحدد شخصية النص وهويته اللافتة المستقلة  والتي ترفع من شأنه وتميزه عن غيره من النصوص غير الأدبية أو الفنية، وتجعله متفردا بذاته ومكتفيا بكينونيته. نموذجا لغيره.وهذا ما يميز النص الأدبي الذي خاصيته البعد الإنساني والذوق الرفيع.في حين نلفي باقي النصوص:السياسية ، والعقائدية، واللا أدبية محدودة الوظيفة والهدف.

وعلى هذا النحو نرى كيف أن تغيرا حاسما طرأ على طبيعة وظائف النصوص وطرق عملها أو اشتغالها ،”فبينما ينشد النص الأدبي  أن يكون هدفا بذاته في الحالة التي يكون فيها متمتعا بسلطته الذاتية ،نراه في الحالة الثانية ـ النص الموجه ـ وقد أصبح  وسيلة تؤدي خدمات لسلطة أخرى تدفع به نحو شكل من العمل لايعدو أن يكون ثانويا،ألا وهو التبشير بمقاصد وأهداف الإيديولوجيا السياسية  أو القعائدية. وهذه أشكالية ما يزال المثقف العربي مترددا حيالها ونقصد باشكالية فهم المثقف لمفهوم الالتزام نفسه في الأدب والفن.

جاءت حركة النقد الأدبي الحديث متأثرة بعلم الاجتماع منذ الخمسينيات ملخصة في :الإيديولوجيا والمذهب الواقعي.ثم بعد ذلك ولأسباب إبداعية وفكرية مازجت الإيديولوجية والمذهب الواقعي بين أهدافها ومعاييرها المفهوماتية وتأثيرات الاتجاهات الجديدة ، عرف فيما بعد هذا المزج بعلم الاجتماع الأدبي، وكان من رواد هذا المذهب: “لوسيان غولدمان” و”روبيراسكاربيت” و” بيير زيما” وقد خفف ذلك من هيمنة الإيديولوجية  على الأدب ومعاضدا مع ما شهدته حركة النقد من تعديلات وتحولات طالت النقد الإيديولوجي لدى منظرين ماركسيين ،حيث أعادوا للشكل في العمل الأدبي قيمته واستقلاليته، أي استقلالية النص الأدبي ،ومن تلك القيم النصية الخاصة التي أعطيت لها قيمتها ودورها في بناء النص: التقليد والتناص والتاريخ والمجتمع، واللغة الفنية الإبداعية،تضافرا مع البعد الإيديولوجي للنص الروائي.

وقد ظهرت كتب نقدية عديدة  تقارب المنهج الاجتماعي في النقد سواء داخل الجزائر أو في الوطن العربي منها:

“الرواية الجزائرية بين الواقعية والالتزام”(1983) محمد مصايف(الجزائر)/”الرواية العربية الجزائرية ورؤية الواقع”(1993) لعبد الفتاح عثمان (مصر)/”الرؤية والبنية في روايات الطاهر وطار”(2000) لإدريس بوديبة(الجزائر)/”المتخيل والسلطة في علاقة الرواية الجزائرية بالسلطة السياسية”(2000) لعلال سنقوقه(الجزائر)/”والرواية المغاربية ـ الجدلية التاريخية والواقع المعيش، دراسة في بنية المضمون”(2000) لإبراهيم عباس(الجزائر)/”وتجربة الطاهر وطار الروائية بين الإيديولوجية وجمالية الرواية”(2002)للينة عوض (الأردن)/ “وعي العالم الروائي ـ دراسات في الرواية المغربية”(1990) لمحمد عزام (سورية).

يضاف إلى هذه الدراسات البحثية الأكاديمية تلك الدراسات البحثية المنشورة في الكثير من المجلات والجرائد وخاصة تلك التي اهتمت اهتماماخاصا بالأعمال الروائية للطاهر وطار.وهنا يمكننا الإشارة إلى الدراسات الأكاديمية الجامعية:رسائل الدكتوراه والماجستير،وكذلك بحوث مذكرات التخرج التي تمثل ظاهرة بحثية جامعية غزيرة العدد وكثيرة التنوع.مما جعل الطاهر وطار ظاهرة إبداعية متميزة استطاعت بفضل تجربتها الفنية الناضجة أن تجد لها حيزا واسعا في الساحة الثقافية الجزائرية.بل ـ وبلا مجاملة ـ مدرسة إبداعية لها مريدوها الكثّرمن القراء والنقاد، بل وحتى من المبدعين الناشئين الذين رأوا في تجربة الطاهر وطار نموذجا يقتدى به، ومسارا ثريا بعناصر التجربة والخبرة الفنية يمكنهم التعويل عليه والاهتداء بمعالمه الفنية.

وهكذا نلاحظ أن تلك الدراسات قد تناولت توظيف الإيديولوجية على مستوى المضمون الروائي الجزائري كما تناولت الأعمال الروائية سواء المكتوبة بالعربية أو الفرنسية.ففي النص الروائي بالفرنسية ركزت على مظاهر البؤس والحرمان والتخلف قبل الثورة  التحريرية، أما الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية فقد تناولت أحداث الثورة الوطنية ،ثم جاءت رواية ما بعد الاستقلال وتناولت ثورة البناء والتشييد وما صاحب هذه المرحلة من فكر اشتراكي  وتمحورت مواضيعها حول الفلاحين والعمال والطلبة .تقليدا لما عودتنا عليه الرواية في المعسكر الشرقي :الشيوعي والإشتراكي.وما ساد بعض الكتابات الروائية في بعض الأقطار العربية :سورية/ مصر /والعراق على وجه الخصوص.

أثبتت تلك الدراسات الأكاديمية أيضا أن بعض كتاب الرواية الإيديولوجية حققوا مستوى لافتا  على المستوى الفني والإبداعي، وهو نوع من التوفيق الإبداعي بين المضون الإيديولوجي والبنية التأليفية والجمالية.وقد اشارت الناقدة :لينة عوض(الأردن ) إلى التوفيق الذي حققه “الطاهر وطار” بين الفكر الاشتراكي وتوظيف الرمزوباقي تقنياته وأساليبه الفنية التجريبية كما هوفي: “عرس بغل” والاتجاه الرمزي في”الحوات والقصر” واستفادته من التراث الاسلامي ورواية “تجربة في العشق” ضمن الاتجاه الذهني الممثل للالتزام الإيديولوجي.وقد خرجت الدارسة بخلاصة مفادها أن وطار صوت روائي ريادي ممن ” حملوا قضيتهم الوطنية والقومية معبرين عن همومهم وواقع الوجود الجزائري”.فالقاريء لأعمال الطاهر وطاريلاحظ ولاشك أن الرواية الوطارية لم تلبث على حال واحدة من أحوال التشكل الفني، ونحسب ذلك راجع إلى عدد كبير من الأسباب ومنها( ):

القابلية الفنية والتهيء للإنتقال الفني الإبداعي من نمط كلاسيكي إلى تجريب روائي جديد تغيرت خلاله رؤيته للواقع وزاوية الرؤية (الفعل التبئيري)لهذا الواقع، التي تقع ضمن الهم العربي العام.وبذلك برهن الطاهر وطار على قدرته الإبداعية المتميزة في السبق للاشتغال على هذه القضايا المحلية والعربية.ومن ثمّ جاءت روايته “الشمعة والداهاليز” معلنة بجدية عن بداية التجريب الروائي الفعلي بالرغم من أن بداية التجريب عنده تعود إلى روايتيه السابقتين “القصر والحوات”و”عرس بغل” التي اعتمد فيها الطاهر وطار على العجائبي الذي تجسد في تركيب شخصية “الحاج كيان” التي جمعت بين الواقعي والعجائبي.إلا أن “الشمعة والدهاليز” تجريبية خالصة تحقق فيها فعل التجريب بشكل أكثر نضجا وأكثر وعيا لمفهوم التجريب وآلياته().

وخلاصة القول في هذا الباب أنه يمكننا أن نميز بين نوعين من النصوص الروائية الجزائرية: رواية اعتمد النهج المتشدد في الترويج للإيديولوجية إلى درجة التقريرية المباشرة على مستوى البنية التعبيرية وإلى استعمال أسلوب العامة والرعاع والألفاظ النابية وعلى مستوى المضمون الفكري لمّا عجزالروائي عن أن يعبر إبداعيا وفنيا وجماليا عن إيديولوجيته ونقد ايديولوجية الآخر المعادي ـ حسب اعتقاده ـ عمد إلى الشتم المباشر والتطاول على قيم المجتمع ورموزه الدينية والسياسية والعادات والتقاليد، وإصدار الأحكام الجاهزة من خارج النص أي خارج السياق وليس الاتساق الداخلي للمضمون.وهذا النوع من الكتابة مازال مستمرا في غيه، وهو ما نلاحظه في النصوص الروائية التي تحمست فرنسا لطباعتها خاصة.وهنا نلاحظ انتقال هذه الفيئة من كتابة نص الهوية إلى كتابة مسخ الواقع، و من الكتابة المحلية ـ من داخل الوطن ـ إلى الكتابة من خارج الوطن. وهو ما وسم بالنص المغترب أو المهجر طواعية. يكتب بالفرنسية داخل الجزائر ويطبع هناك في أوروبا وفي فرنسا خاصة ليترجم فيما بعد للمتلقي الجزائري. وهذا يكشف لنا مدى الاغتراب الطوعي والوعي الإبداعي المغالط، الذي جاء نتيجة الاصرار على عدم الفهم الصحيح للحياة اليومية .

ونحسب أن هذا النوع من الكتابة هو امتداد بشكل معدل لمفهوم الالتزام في كتابات السبعينيات.فهو نوع آخر من الالتزام الروائي الذي انتهج خطا معاكسا لثقافة المجتمع ،بل نراه أشدّ تطرفا وغلوا من كتابات السبعينيات لأنه يتخذ من محاربة كل أصيل ومحلي ووطني واجتماعي هدفا كتابيا.فإن كان الالتزام أهمل الجوانب الفنية والجمالية عند بعض روائيي السبعينيات فإنه ظل وفيا ملتزما بقضايا المجتمع الجزائري بكل فيئاته.  مما جسد بالفعل مفهوم  الإلتزام الذي يعني معايشة الواقع كما هو بمره وحلوه،وبذلك جسد صدق التجربة الإبداعية  كما هو الحال في الخطابات الروائية الملتزمة بواقع المجتمع الجزائري مثل :موضوع الأرض والتشييد والعمال وحقوق الكادحين والفقراءوفضح زيف الفكر البرجوازي المتعالي وما إلى ذلك من المضامين التي تتناول أمراض المجتمع السياسية والإدارية  إلخ.ومن الاسماء الروائية التي مثلت هذا الاتجاه نجد: الطاهر وطار، وعبد الحميد بن هدوقة على سبيل النموذج. فالكاتب بهذا ظل وفيا لشريحة كبيرة من المجتمع.وهو بذلك لم يخرخ عن الواقع التاريخي والاجتماعي الذي عاشته الجزائر. يضاف إلى هذين الروائيين قلّة أخرى  حاولت  أن تكون أكثر حياديا وموضوعيا، بل حاول هؤلاء كل حسب قدراته الفنية أن يكتب أبداعا لا خطابا سياسيا.بالرغم من ضعف القيمة الفنية والجمالية التي ميزت هذه الأعمال الروائية. أما روايات هذه الفترة :التسعينيات والألفية المهزوزة القلقة.فقد عرفت أعمالا روائية عبرت عن الواقع الجزائري من منظور مغالط أساسه سرد حقائق منافية لواقع المجتمع وأصالته وثوابته التاريخية بهدف التزلف  .وهي أعمال روائية لا تملك من خصائص العمل الروائي الفني غير الإجناسية المجسدة في العنوان.كتابات تصدر لحاقا وتباعا بسرعة مريبة على إيقاع  “تحضير الشطائر أو أكل خفيف في كل وقت”بعض هؤلاء الكتاب يصدرله روايات تباعا في زمن قياسي مناف لموضوعية التأليف وفعل الكتابة: كل سنة أو أقل من سنة رواية جديدة.بعضهم في ظرف قياسي صار روائيا بعدد قياسي من الروايات التي تكرر نفس التيمات :الشتم والبذاءة والتطاول على الثوابت والوطنيات.ووصف المشاهد الجنسية بشكل تقريري بعيد عن جمالية التأليف وجمال اللغة ودهشة المقول وفتنة المتخيل الآسر. لأننا نؤمن أن الرواية فن راق ودور الفن هو  انتقاء لعناصر الحياة ونظم وتنظيم لها وتجميل لتلك العناصر.ومن ثم يصير كل جميل:( متناغم متناسب ،والمتناغم المتناسب حق، وما هو جميل وحق معا هو بالنتيجة ممتع وجيد)().

التجريب في روايات الطاهر وطار:

تعد بعض روايات التسعينيات في الجزائر ظاهرة لافتة سواء من حيث الكم أو من حيث تنويعاتها التقنية وبنياتها الدلالية وتعدد موضوعاتها وانفتاحها على مجالات التجريب الفني الذي حققت روايات هذه الفترة تحولا هاما ونضجا أكيدا.وقد يعود هذا التحول في شق منه إلى التحولات العميقة التي عرفها المجتمع الجزائري سواء الاجتماعية والسياسية أو تشبع أفراده بثقافات الآخر وذلك عن طريق وسائل الإعلام، التي كانت ثورة جارفة لكل ثابت وقار.أما الشق الآخر لهذا التحول فهو الاطلاع على ما حققته الرواية العربية والغربية من تطور فني وجمالي لم يسبق له مثيل منذ أن عرف جنس الرواية،وذلك بفضل عناصر التجريب المتاحة، حتى صار التجريب هدفا فنيا في حد ذاته.يمثل أعلى درجات الغواية ومتعة النص الروائي بصفته ـ أي النص الروائي ـ تجميلا للحياة ولأنه واقع افتراضي معدل عن طريق الانتقاء والتعديل والتنظيم أو الانتظام والتجميل.ذلك لأن الواقع الفني في الرواية أجمل من الواقع الفعلي. ولأن لغة النص الروائي أجمل من اللغة غيرالإبداعية وهكذا.

لقد جاء التجريب الروائي استجابة لرغبة الروائيين الملحة في خرق صمت الثابت والراكد على مستوى النص الروائي  وهي رؤية مشروعة لكل مبدع تواق إلى البحث عن الجديد في صناعة النص القولي السردي، و البحث عن أدوات وصيغ وتراكيب لغوية وحيل سردية وكل ما يمكن ادراجه تحت اسم التدبر في فن القول.

إلا أن هذه الرغبة في التجريب أو التجديد كان لها جذور وامتدادات  عند الروائيين الغربببن وعند روائيي  العالم العربي .ففي مصر كان رائد التجريب إدوار الخراط وصنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني.أما في المغرب العربي فقد أبدع محمود المسعدي (تونس) في رواية التحفة السردية “حدّث أبو هريرة قال”ثم ترسخ هذا التوجه التجريبي في السبعينيات والثمانينيات عند الروائيين التونسيين: عز الدين المدني  وفرج الحوار وصلاح الدين بوجاه.أما في المغرب :المديني /والعروي/ وبرادة وغيرهم.وأما في الجزائر فقد تجلى التجريب بشكل واضح في روايات التسعينيات : أحلام مستغانمي في ذاكرة الجسد والطاهر وطار في “الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي”وقبلها في “القصر والحوات”و”عرس بغل” و”الشمعة والدهاليز”و”الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء” مما جعله ينفرد بمهمة التأسيس التجريبي في الجزائروذلك من حيث الكم ومن حيث التنوع الفني وابتكار آليات سردية غريبة عن تلك التي عهدتها الرواية الجزائرية.

فمن مظاهر التجريب عند الطاهر وطار توظيفه  للموروث الثقافي والفكري العربي والإسلامي محاولة منه  لإيجاد البديل السردي المغايرونظرا لما يمثله من طاقة إبداعية قادرة على إحداث البديل في الرواية سواء على مستوى المضمون أو آليات الحكي المتسمة بالعجائبي والغرائبي وعلى المدهش والطريف، وعلى هذا نحسب أن ما النص الروائي التجريبي عند وطار هو امتداد إبداعي لحركة الرواية الجديدة في الوطن العربي ،استجابة لرغبة بعض النقاد في التغيير والتجديد الذي لابد منه لإنتاج نص روائي قادر على تجسيد تطورات العصر الفكرية والثقافية والجمالية.أو ربما هي حالة من النضج الفني والإبداعي لدى الروائيين العرب وعند الطاهر وطار بالذات،كما قد يكون التجريب   نتيجة لتراكم التجربة الروائية في حد ذاتها لدى الروائيين كما هو عند الطاهر وطار.فغزارة الانتاج وتنوعه من شأنه أن يفضي بالروائي إلى سبل جديدة وأساليب مغايرة لما هو ثابت ونمطي.

فمن الدراسات التي سعت إلى التنظيرلمفهوم التجريب نلفي الكاتب التونسي: عزّ الدين المدني. في كتابه: الأدب التجريبي.الذي يمكن عده بيانا يدعو الروائيين العرب إلى مواجهة حالات الاستلاب الثقافي وهيمنة التقاليد الثقافية الغربية وإلى ابتكار البدائل العربية المناسبة من خلال استعادة ما في التراث السردي العربي من تقاليد حكائية دالة على انتمائها إلى جذرها العربي().

تقتضي موضوعية البحث وواقعية القراءة أن نصنف الروائي الطاهر وطار على رأس حركة التجريب الروائي في الجزائر،إنطالقا من روايته” القصرو الحوات “،ثم تليها فيما بعد روايات:الشمعة والدهاليز/الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء/ الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي،وروايته الأخيرة: “قصيد في التذلل” التي أعتقد أنها أحكمت التأسيس لتجربة التجريب .وهذا دال على أن فعل الكتابة الروائية التجريبية إستوى واستقر على خط أو نهج التجريب الذي يدل بصدق وموضوعية نقدية على أن الروائي الطاهر وطار كما يمثل تاريخيا أب الرواية الجزائية من حيث التأسيس والمبادرة .هاهو اليوم يحوز على تأشيرة الريادة الإبداعية في مجال الرواية التجريبية التي تظل ـ الروايةـ  كما تقول “ساروت”مجالا للبحث والتجدد . فالمتأمل في دلالة العناوين يدرك بسهولة الملامح السيميائية واللغوية(اللفظية) التي تظهر بجلاء الطابع التجريبي.ومن ثم فهي تلمح بصفتها عتبات إلى تلك المضامين التي ستحكي تجريبيا عن تيمات وأفكار سياسية وإيديولوجية وعن شخصيات صوفية وتاريخية، تحكي بطرق وتقنيات تجريبية مغايرة لما ألفناه وألفته الرواية الجزائرية.وهنا يمكن الإشارة إلى عناصر التجريب التي كتبت بها تلك الأعمال كما تجدر الإشارة إلى أن الطاهر وطارفي روايته التأسيسية للتجريب كان صوفيا في كتابته وبالتالي كان طبيعيا أن يهبه الله مولودا صوفيا بكل جينات وخصائص التصوف.سواء ما تعلق بالشخصيات (شخصية علي الحوات) أو مارافقه من تأثيث سردي صوفي لكل مكونات الخطاب الروائي (القصروالحوات ).

تعد رواية “القصروالحوات” من أكثر مصادر الدراسة تعبيرا وتجسيدا للمرجعية السياسية المعالجة عن سبيل البعد الأسطوري.هذا ما تتضمنه الرواية نفسها زيادة على ما أفصح عنه الطاهر وطار في حوار معه عن لجوئه إلى الأسطورة للتعبير عن وطأة الواقع السياسي الذي ينيخ بكلكله على أجزاء من الجغرافية العربية().فالرواية كلها حكي أسطوري رمزي وهي في بعدها وآلياتها السردية تعد باكورة التجريب في الرواية الجزائرية ،كما تعد من أول الخطابات الروائية التي تسلك هذا المسلك المغاير للأصول الروائية الجزائرية والعربية حيث عالجت الواقع برؤية رمزية أسطورية,في الوقت الذي ظل فيه الجميع ـ حسب علمنا ـ يكتبون بطرق تقليدية واقعية  :عبد الحميد بن هدوقة وغيره على قلتهم أنذاك.

تكمن أهمية “الحوات والقصر” في أنها تجسيد لصراع أبدي بين الشر والخير،وواقعيا جسدت رواية (الحوات والقصر) كما يقول الطاهر وطار في  مذكرته أو كراس همومه الموسوم بـ:”أراه”  (إنعكاسا للأزمة السياسية في 1973/1974)().وللوقوف على مظاهر التجريب في رواية :”الحوات والقصر” يمكن الإشارة إلى الكشف التالي:

فالحوات رمز للصبروالتطلع لما تأتي به شبكة القدرمن خير،وحلم الحوات البطل الأسطوري هو حلم الرعية المقهورة المتطلعة مثل الحوات بالانعتاق والتحرر.فإذا كان القصر رمزيا يشير إلى السلطة المتسلطة دوما فإن الحوات رمز للشعب الحالم بالتغير. وهناك محفزات أخرى أساسية في “الحوات والقصر” من تلك المحفزات الأسطورية الرامزة:السمك، والماء وغيرها وكلها تشتغل ضمن المتن الروائي لتعزيز البعد الأسطوري للرواية كما تعمل على رفع مستوى فعاليات القراءة والتأويل.ومن تلك المحفزات التي تنزاح إلى البعد التراثي الدال:الأعداد التي لها تفسيراتها السحرية أوالصوفية أولها بعدها الأ نثروبولوجي الذي يمثل سجل المجتمع التاريخي والثقافي والديني.وهو ما نلفيه حاضرا في رواية “القصروالحوات “.

وهكذا عودنا الطاهر وطاربأن (يخلق لنا شخصية واقعية بملامح أسطورية وكأنه يدفع بها لتحقيق ذاتها الصغرى في الذات الكلية الكبرى، والشيء الوحيد الذي يدفع لهذا الصراع ويتماشى مع جميع الروايات هو الوضع السياسي الذي هو فضاء جميع النصوص الروائية ،فالإنسان عندما يصبح في درجة الصوفي ينفصل عن المجنمع ظاهريا ليعيش آلامه التي هي نفسها آلام المجتمع إنها محاولة للتعويض عن العلاقات الروحية والصلات الحسية )().فشخصيات روايات الطاهروطار صوفية بمعايير المعنى الصوفي الذي نلمسه في تلك الشخصيات وفي تطلعاتها المتسامية المتعالية فوق تفاهات الحياة .فهي دوما سواء في “الحوات والقصر”أو في الأعمال الأخيرة السابقة الذكر.تبدو في ظاهرها شخصيات منفصلة عن مجتمعها،متأملة في خلوتها حالمة بالتغيير،منتقدة للواقع الذي لاينسجم مع تطلعاتها إلا أنها في واقع الحال مستغرقة في تشكيل رؤاها للحياة وإعادة ترتيب العلاقات التواصلية المتفككة بسبب الأنانية والتسلط والصراعات غير المتكافئة بين الفئة الضعيفة والقوى المتسلطة.

وهذا شأن الذات الصوفية التي تضاعف لديها الشعور ( بالقصوروضيق الرؤياالأمر الذي يدفع بها دائما للبحث عن ملاذها الروحي تعوض به  احباطاتها وانهزاماتها وفشلها في وصل عالمها الأرضي .وبالتالي في بحثها المستمر عن الرمز الإنساني في معناه الأسمى  ومحاولة وصل الذات في نشدانها للمتعالي والمثالي عبر جدلها الدائم مع الواقع القائم على التأمل والعيان والاستبصار..)().وهي الرؤية التنظيرية لمفهوم الشخصية الصوفية والتي نلمسها حاضرة في شخصية “القصروالحوات ” وصراعه وتفاعله مع واقعه المناقض لتطلعاته ورغبته في التغيير.وكذلك استعارشخصية”علي الحوات” من المتصوفة أيضا(عدم افشائه السرأو الحقيقة/الوصول إلى مرتبة الرؤية عبر الحجاب/والصبر على الصعاب والآلام للوصول إلى كشف الحقيقة…)().ويمكن تصنيف طبيعة الحكي الصوفي في رواية “الحوات والقصر” بالصوفية الثورية التي تهدف إلى التغييرومواجهة ظلم الواقع وذلك عن سبيل العصيان الثوري والتمرد على الواقع الإنساني المجحف،ولم تكن هذه الثورة(وليدة نزوة عابرة بل هي وليدة أزمة روحية وفكرية  شكلت  صدمة للواقع والإنسان وحركت فيه بواعث الرغبة في التغيير)()..

وما يقال عن رواية “القصروالحوات ” يقال بشكل أكثر عمقا وحضورا لعناصر التجريب في روايات الطاهر وطار الأربع الأخيرة.بل إن أعماله الأخيرة جاءت تجريبية خالصة سواء في فنياتها السردية التي استفادت من تقنيات السرود التراثية أو في محولاتها الفكرية والسياسية والفلسفية التي يزخر بها الموروث الثقافي العربي. وبالتالي فإن مفهوم التجريب الروائي تحقق بشكل أكثر نضجا على جميع مكونات الخطاب الروائي.وكأني بالطاهر وطار يؤسس لكتابة روائية مغايرة تعبر عن طموح الروائي الجزائري في تغيير وإيجاد بديلا لفن الرواية،ورغبة في إيجاد خطاب روائي يماثل رغبة القارئ في قراءة نص روائي يلبي ذوقه المعاصر،يمارس من خلاله قراءة تلامس فيه ما تراكم من معارف وثقافات تشبّع بها نتيجة اطلاعه المستمر على كل جديد.فالقارئ لايقرأ نصوص الآخرين إلا بصوص الآخرين.مثله مثل الكاتب الذي لايكتب نصه إلا من خلال نصوص الآخرين.وهكذا يتضح بجلاء كيف استطاع الطاهر وطارأن ينسجم مع الوضع الإيديولوجي الجديد والسياسات الغامضة التي لاتستقر على حال، والسّير في كل الاتجاهات،والتنافس في التزلف والتملق المقيت الذي يمارسه بعض الكتاب.ومن خلال قراءة متأنية يتضح لنا كيف حافظ وطار على اتزانه ونهجه وفكره في زمن العولمة،الذي تجرد فيه الجميع من كل القيم والمبادئ.ومن هنا نلاحظ كيف انتقل بسلاسة من تجربة الالتزام الاشتراكي الصريح إلى تجربة التجريب ،وهوانتقال فني لافكري، بحيث ظل محافظا على نهجه الفكري المناصر للحق وللمظلومين مجاهرا كما نعرفه بالكلمة الحق في كتاباته كما في واقعه المعاند.

لقد جاء التجريب الروائي عند الطاهر وطار نتيجة تضافر عدة عوامل فنية وإبداعية منها حسب اعتقادنا تراكم نصوص روائية تتقارب في الرؤية الفكرية والجمالية وتمثل هذا التراكم الإبداعي في الأعمال التالية:”القصر والحوات”و”عرس بغل”و”الشمعة والدهاليز”و”الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي”و”الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء”وأخيرا روايته الأخيرة”قصيد في التذلل”  وكلها اتسمت بمميزات التجريب وعناصر المغايرة والخروج عن السائد والنمطي سواء في جانبها الفني أوالمضموني. حتى إذا ما أحصينا عناصر التجريب فيها تحصلنا على مجموع العناصر التجريبية التالية :

1ـ تراكم الكم الروائي الذي شكل دفعا قويا للمساءلة وخلخلة الثابت والقدرة على تجاوزه (أكثر من عشرة أعمال روائية).

2ـ  ظهور النص الروائي التجريبي في مناخ  اجتماعي قلق وتراكم الأزمات الاجتماعية والسياسية والثقافية نتيجة الاستبداد والقهرأو أحيانا الهزائم أو القمع.وأحيانا أخرى نتيجة تمزق في الهوية والغربة النفسية وانسداد السبل وضبابية الرؤية وغيرها من المحبطات للعزائم.

3ـ امتلاك النص الروائي أدوات التجاوزوالتحرر من سطوة النسج على المنوال وكذا القدرة على حوارية اللغة أي أن اللغة لم تعد وسيلة أو قناة لصناعة الخطاب الروائي بل صارت هدفا فنيا يبحث له عن مكان بين مكونات النص الروائي. وهو ما أظهر اللغة في أرقى تبرجها وغوايتها على حد تعبير الجاحظ.

4ـ التخييل الذي أضحى سمة دالة على شخصية التجريب وسرد الذاكرة حتى سمّي هذا النوع من الرواية: رواية الذاكرة. ورواية الحلم والرؤيا والشطح القولي والتشظي أي تشظي النسج وتشظي الزمن وتشظي الشخصية.. .

5ـ عجايبية التأثيث السردي  وسحريته: الشخصية العجائبية والأشياء المؤنسنة واللازمن واللامكان. خاصة في:الشمعة والدهاليز/الولي الطاريعود إلى مقامه الزكي/الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء/ قصيد في التذلل/ .

6ـ التبئير الحلمي والرؤيوي على الطريقة الصوفية. حيث تجسد البئير الحلمي والرؤيوي الصوفي في:الولي الطاهر.

7ـ استغلال أسلوب الحكي الصوفي والتراثي في تشكيل البنية السردية للمحكي سواء على المستوى اللغوي ـ اللغة التراثية لفظا وجملةـ أي صيغة المقول ،أو على مستوى الفكرة(نقصد نقل المعلومة أوالمقولة التراثية وتبنيها حكائيا).

8ـ إلغاءافتراض وجود ماهية معيارية مسبقة وثابتة لجنس الرواية. أي نفي النموذج المسبق أو المتعالي.

9ـ اسقاط الحدود الفاصلة بين الرواية وباقي الأجناس الأدبية واللاأدبية قولية وغير قولية( السينما ،الوثائق،الأجهزة.الهاتف كشخصية ناطقة فاعلة…إلخ).

10ـ انصهار الذات الكاتبة (الجسد) في مادة الكتابة من خلال توظيف “ألأنا” للمكاشفة وتعريتها بالانعكاف عليها بالقول والوصف لاكتناه مضمر العلاقات الباطنية التي تحكمها المتسمة أبدا بالقلق،والتوتر،والظن،والتوجس ،وقليلا من يقين عابر،كما هو جلي في “قصيد في التذلل”.ومن هنا تصبح الذات الكاتبة شخصية متفاعلة مع باقي الشخصيات وليست راوية فقط. وهي بذلك تصنع لعبة الضمائر وتبادل الأدوار وقد يستدعى القاريء صراحة للانخراط في دائرة لعبة الضمائر،لصناعة العجيب والغريب والمدهش.

11ـ تركيب العالم التخييلي بالواقعي المستحيل وبالواقع المحتمل عن سبيل تأثيثه بالحلم والانتقاء لعناصرالواقع.فيتولد لدى الذات الكاتبة ولع عارم بفلي التفاصيل وأجزاء الأجزاء المجزءة الموغلة في التشظي والتبدد.بحثا من الكاتب عن صناعة شهوة الحكي .وحيث يصير الجسد في لحظة التجريب نصا يحكي حكايته،وهو يفعل ذلك يبقي وعيه يقظا محافظا على أصل الأصل في الرواية وهو “الحوارية” لأنها جنس الرواية وشخصيتها الثابتة أبدا.

اختصارا توظيف كل ما يمكنه تحقيق فعل التجاوز والخرق لبنية المألوف والتقليدي.وفي الأخير يمكن الإشارة إلى أن التجريب الروائي عند الطاهر وطار لم يصل إلى الشطط في النسج الحكائي المبالغ فيه من حيث الغلو في فتح المتن الروائي على فوضى الترتيب الزمني (السوابق واللواحق)،ولا إلى عبثية المحكي الذي يقول كل شيء ولايقول شيئا محددا،كما أن الطاهر وطار ظل يحافظ بوعي إبداعي على الخط الدرامي للحكي في كل أعماله التي ذكرناها.لأنه يدرك أن الحفاظ على الخط الدرامي يقي ويجنب المد السردي واستغراقه من زلل التجريب الذي قد يدخل النص الروائي في عبثية القول الفني.ومن هنا جاءت رواياته بين بين.حافظت على نهجه الواقعي وفكره الصريح وفي الوقت ذاته انفتحت على عناصر التجريب بصفته عاملا فنيا لابد منه لتطويع الحكي وتجديد السرود.

*ناقد جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق