ثقافة المقال

في مديح اليساري الأخير

(إلى الطاهر وطار ذلك الصوت الذي بح وركن إلى صمته الأبدي)

سمير بوسلحة

في صمت مرادف للنسيان، النسيان المر الذي تسرب إلى كل شيء جميل في هذا الوطن، مرت الذكرى التاسعة لرحيل أحد آباء الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية، تسعة سنوات مرت على آخر إغفاءة لعمي الطاهر ومازال صوته الهادر يملأ سماء الأدب وبوصلة للكثيرين ممن اختاروا السير حفاة في دروب الإبداع الوعرة، << إيه إيه الله يرحمك يا السبع كنت وحدك عشرة رجال >>.
الطاهر وطار رافد من روافد الثقافة العربية بالجزائر، وواحد من أولئك الذين صنعوا مجد الأدب الجزائري ورفعوا رايته عاليا، << بولزمان >> الرواية الجزائرية وعرابها الذي ظل حاملا شمعته يضيء بها دهاليز الخوف وسراديب الزمن الموحش، الموحش المظلم، المظلم الغامض، الغامض المخيف، في هذا الوطن الموبوء بعداوة المفكرين والمبدعين.
نذر الولي الطاهر حياته للحرف والكلمة والفكرة، فعمل في عديد الصحف التونسية ثم أسس غداة الاستقلال جريدة الأحرار ثم الجماهير ثم ملحق الشعب الثقافي إلا أن حلمه لم يعمر طويلا وكان مصير هذه التجارب الغلق في كل مرة لأنه حاول جعلها منبرا لمثقفي اليسار الذي إليه انتسب في وقت كان الوطن يأن تحت وطأة الصوت الواحد والحزب الواحد والزعيم الواحد والفكرة الواحدة.
الطاهر وطار المناضل الشقي المعادي للرأسمالية المتوحشة الذي اختار الأدب لينفث فيه همومه السياسية والفكرية وأحلامه الثورية وأسئلته البريئة وغير البريئة وزفراته وآهاته وأوجاعه، فجاء أدبه مثقلا بجراح وطن أنهكته تساؤلات أجيال باحثة عن الحقيقة وفقط، فتناول قضايا الثورة والنضال والوصولية والفساد وخيانة المثقفين والإقطاعية والثورة الزراعية، وكتب عن جزائر ما قبل الاستقلال وجزائر ما بعد الاستقلال وجزائر العشرية السوداء، ولم يكن الاستقلال في نظره إلا بداية لطريق طويل وشاق، محفوف بالمخاوف والخيبات.
وبواقعية استثنائية تحدث عن الثورة دون الوقوع في فخ الرومانسية ودون أن يلبس عباءة الشوفينية المتطرفة فنزع عنها غطاء القداسة وهي المقدسة دائما وأبدا، فتناولها بأخطائها حينا وتطرفها وانسانيتها حينا آخر، فكان من أوائل من تناول قضية المجاهدين المزيفين من خلال كتاباته، وكيف تحول القواد والحركى إلى مجاهدين وكيف كان أبناء الشهداء وأراملهم يتضورون جوعا غداة الاستقلال، والكثير الكثير من المسكوت عنه حتى اليوم من تاريخ الجزائر المجاهدة والجزائر المستقلة، ودخل أقاليما من الخوف لم يدخلها أحد قبله.
الطاهر وطار ماركسي خريج المدارس الدينية، بربري يتحدث العربية ويعشقها ويدافع عنها، متصوف زاهد، شيوعي لا ينفي وجود الله، رجل جمع الكثير من المتناقضات فجاءت حياته تجربة في العشق والعطاء. ورغم أن الزمن خط على وجهه ندوب سبعين عاما أو يزيد ظل يملأ الدنيا ضجيجا جميلا وينثر كتاباته كلما امتلأ حبا، فظل يصنع الكثير من الدهشة والفرح لدى عشاق الأدب من خلال كتاباته ومن خلال جاحظيته التي كانت مزارا ومحجا للمبدعين والمفكرين من مختلف التيارات والإيديولوجيات، اليمينية واليسارية والعلمانية والاسلامية، من الطاهر بن عيشة إلى الحلزون العنيد رشيد يوجدرة وبينهما أجيال من المبدعين قطعوا شارع رضا حوحو إلى الجاحظية ليتداولو على منبرها في حضرة الولي الطاهر في زمن أوصدت فيه كل الأبواب واستوطن الخوف فيه القلوب والحناجر، وحتى في أحلك أيام الجزائر ظلاما ظل هذا المنبر يشع نورا وينشر بياض الثقافة ويعيد للحياة وهجها وبهجتها. ومن خلال مجلات التبيين والقصة والقصيدة وجائزة مفدي زكريا، هذه المشاريع التي لم تبقى على قيد الحلم طويلا وامتدت إليها يد النسيان المر اللعين.
رحل الطاهر وطار ذات أوت من عام ألفين وعشرة ليلتحق برفاقه في الجهاد أولئك الشهداء الذين أعادهم ذات أسبوع، رحل وفي عينيه دمعة على جزائر لم يعشها كما اشتهى، رحل ليترك الجاحظية يتيمة إلا من طيفه الذي لازال يحرس المارين بشارع رضا حوحو ويمسح عن الجاحظية غبار الزمن الموجع، رحل مرددا شعاره لا إكراه في الرأي ليرد عليه الصدى ما يبقى في الواد غير حجاره.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق