ثقافة السرد

خطف الموت هـديّتي

بن حليمة امحمد

– اِسـم الشّيخ. عُـمـر.يُنادى به منذ الصّغـر. إلى أن حلّ الضّرر عـند الكِـبر .
فغـيّره بالطّارئ عـمّار .

– هوايتُه حُبُّ هـديّتِه . شاء القدر أن تكون هـاويته .. نسجتُ على إثرها قصّتي.

مطلعها . رائية. رثائية . سريالية (1) . للإنسانية مثالية .

– شاء الـقدر بعـد حلول الضّرر. مـنه . لا مفر بالشّيخ عُـمر أن يسـتـقـرّ بشِـبه الـقـفَـر

بعـدما نـفـر . ما بـقـلـبه سَـر.

– نعـم . شاء الـقـدر .لهـوْل الـكَـدَر . خُـيّـل لـه . عـلـيه اقـتـصر فخـسـر.

شعار الشّيخ :الآلام و التّشاؤم . لسـان حـاله :

– الحلـوُ مُـرُّ المَـذاق . تـداعـى الصّدر فـضاق. أنا الضّحيّة و الجاني اشْتِـيـاق .

أرجوكِ يا سـهـام . كـفى اجتياح المنام .

عـناءٌ ألمّ فنغـصّ بالي ** جديـد أشـدّ أُضيفَ لِـبالي.
– لو كانتِ الخنساء حيّة لأنـساها صخرًا حالي . تشقّ الجبال و الفيافي نهارا و

ليالي .

. تزورُ بيتي و تـرثي . تـراه للحـزن مـثالي .

-أيا دارُ ..حلّ الدّمار. الـحـداد أغـار . ما اهْـتـزَّ إزار .و بالأمس .كنتِ شعارَ المَزار
نـارٌ و نـار . جـنْـيُ ثمار القـرار .

من أجل بنتي .هـجرتكَ بيتي ** لـتُـفـرِغَ هـمّا مَـخـارجُ صَـوتي .
وداعا و عُـذرا . عُـذرا يا دار .

-الشّيخ عُـمـر.. يجـوب الدّيار .مُـردّدا :خطف الموت هـديّتي . خطف الـموت
أمنيتي . بِمُـنعـرج حـدودِ ولايتي . فَـتَـك الموت بهديّتي .

. لي . و ليست لي دار . عـنواني الهـيام . أنام حيث ما حلّ الظّلام .وحيدا

بين أهالي الصّيام . قـشّـي فـراشي. وجـفاءُ العـطاءِ (2) غـطائي.
أَنَا الْحَـيُّ قَـبْـرِي بـهِ سَـائِـرا ** فَـذلِكَ لُـغْـزِي الْـجَـمِـيـعَ أَحَـارَ 3
ومَـا سَـارَ قَـبْـرٌ فَـذَانِـكَ حَـالِـي **عَـلِـيـلٌ وَ بُــرْئِـي لِـظَـهَـريٍ أَدَارَ 4

أبكي هـنا . و هناك . وأشَـدّ هنالك . بالمنعـرَج أبكي و أرثي من بكـتْـني بالمُـدرّج .
– أيا باعة .. ذي ساعة . لنِسياني مـناعة .سرّهـا . بذاتي شاع . حبـيـسة إلى يوم
قيام السّاعة . وزنها حبّا استحال كاستحالة كيْلِ حِسّي وحواسي .
.ضممتها . شممتها فما ارتوى شوقي بل . تنامت حروقي من رائحة الّتي راحت

و لشيخوختي أسـاءت .

– ساعة .نظراتي إليها تـغـيّـر الضّيق إلى فَـسـاحـة و الجـبـن إلى شجاعة .

يُـقـرّبهـا عـمّـار لعـيـنه متوسّـلَ البصمات .
– يا بـصمـة اظْهَـري لـيُـرحمَ ضُعـفُ بصَري .
– أيّامي سـتّة . لا تسأل عن الدّسيس المنفي الأحاسيس . ذاك الّذي حُوصر
– بين الأربعاء والـيـوم الّذي اصطفاه باعـث المصطفى . عـدوّي النّفـيس .
لساني عـلـى تـجاهـلـه حـريـص . أيا صبرُ. عـذرا و عـذرا على

ذِكـرِه بالحروف . إنّه الخاء (خيبة ) و الميم (مأتم) الياء(يأس) ختامه سين .

(سجن ) بصوت خافت . خصمي ( الخميس) عـدوّي الشّـرس .

– ما شاء فعـلْ … ما شاء فعـلْ .
فـلا لـوْم لـمـنِ اِنْـزوى مـا دام الـفـؤاد من الـحـزن ارْتـوى .

يردّد ما جرى على لسان هديّته : أبي .. أنت صوابي .أنت لكلّ استفهام جوابي.

خيالكَ مصدر فـرحِـي ** و مـرهَـمُ جُـرحي و قـرحي .

أيا مِـنحة . إذا بخـلـتِ . عـدتِ محـنـة . سـمـوم بحـقـنـة .

– الشّيخ : بكتْ و لا أدري هـديّـتي بهـديّـتي . شتّـان بـين الدّموع الباردة و السّاخـنة .

أيّـتـهـا السّاكـنة .

خطف الموت هـديّـتي. أبـتْ نسـيانها ذاكرتـي .

فِكْري بِبِكْري انْشَغـلْ ** و بالشّيْبِ رأسي اشْـتعـلْ

. فؤادي .. عـليها سألْ ** أيا حـزنُ صحِّ المُقـلْ
عاديتُ معاني الغـزلْ ** لمّا غـزالي أَفَـلْ 5

صبْري بذِكرِ الأجلْ ** ولمْ أُبْـدِ أمْـلَى الخجلْ

جرحـي عميقٌ فما اِنْــدملْ ** تـداعى الـمُـحِـبُّ بما قـد أخـلْ

​خطف الموت هـديّتي. خطف الـموت أمنيتي .

– يقتاتُ بما تكرّم به المحسـنـون على الرّصيف مـنْـشدا :
ليتكَ قُـوتي صُنِعْـتَ بِزيْـتي ** وليتكَ بيْتي نُطِـقـتَ بِـبـيْـتي

ربَّتُّ عـلى قـبرِكِ ** فـشعـرتُ بـلـمـسِ ظهـرِكِ

أحْسَسْتُ بـشَـدِّ شَعْـرِكِ ** بِنُطْـقِ شِـعْـري شِـعْـرُكِ

– هذه الأبيات . بدّدت نوعـا ما لُغـز الشّيخ . حيث تقـرّب إليه العـديد ممّن

اِستحـسنـوا بلاغـتَه ابـتـغـاء كشف المستـور.فلم يجْدِ الإلحاح المتكرّر.
– فقاموا بإشهار بلاغ في فائدة العائلات عـبر الفيسبوك مرفوقا بصورته . وبعد

مُضي ثلاثة أيّام . حلّ بعض الجيران بإقامته . بعدما سألوا عـنه . فـفـوجـئـوا
بـرثِّ حاله .

ماكثـا بإحدى زوايا مقبرة . فالتفّ حولهم مجموعة من الفضوليين. مستفسـرين عـن

سرّ التّجمّـع. حكـى الجيران حياة الشّيخ موضّحين دواعي الـتّـشرّد . فتبيّن لهم أنّه
– مصدوم لفاجعة رحيل ابنته الوحيدة الّتي كان يناديها بهديّة اللّه إليه .بعد

وفـاة الأبناء الأربعة و الوالدة . وبما أنّه وحيد و ميسور الحال. اِقترحت

التّخلي عن الدّراسة الجامعية البعيدة عنه للعـناية به . إلاّ أنّه أبى مذكّرا :

للكعبة ربّ يحميها . اِستسلمت للأمر على مَضَض( 6) . وواصلت الدّراسة .
وخريفُ العمر قد أزاح ربيعَها . صورة الوالد .صوته . حركاته كظلّها أينما

رحلت . بالمدرّج .بالمطعم . بالمرقد .و يزداد قلقها بسوء أحوال الطّقس .تحسّ

بالبرودة و هي ساخنة . الطّعام كثير و تأكل القليل . حيث يراودها جوع

الوالد. و لسان حالها : كيف أشبع و هو جائع؟ كيف أنام و هو مستيقظ ؟

لطالما أفرغتْ همومها لصاحبتها . تخبرها باستحالة العيش بغياب الواحد عن

الآخر حيث تمنّت الموت معه . تزوره كلّ خميس . تُكرمه بالمنحة القليلة

حيث تعتبرها محنة إن بخلتْ و ما بخلتْ.

-قـبل يوم بحلول اليوم المشؤوم . اِشترت ساعة جَـيْـبِـيـة وهاتفته .كادت

تطير من امتزاج الفرحتين . فرحة اللّقاء و الإهـداء .

ردّ كعادته بعبارات الأبوّة الحافلة بالحنان. رسالة اطمئنان مختومة بالدّعاء لها

ولرفيقتها. طالت تلك اللّيلة على غير عادتها. فلم ينمْ .

سمع صوت الآذان . توضّأ ثمّ صلّى . نظّف البيت ورتّب ما كان مبعثرا

كي لا يظيف همّا لهمّها و هي تجتاز عتبة الدّار . حلّ المساء فقام بتحضير

الشّاي عازما على عدم الشّرب منه إلاّ بحضورها . حلّ الغـروب و

برُدَ الشّـروب و البنت ما شاء فعل عالم الغيوب.لقد توفّيت بأحد المنعـرجات إثر

حادث مرور أليم رفقة مجموعة من المسافرين لم ينجَ منه إلاّ القليل .

تلقّى النّبـأ باكيا و مُبكيا . مرّت الأيّام بازدياد الآلام . ساهرا و النّاس نِيام. ومن

حين لآخـر.. تقوم بزيارته الصّديقة النّاجية . تبوح بما كتمت اِبنته

من محبّة و حيرة . فما زاده ذاك إلاّ حسرة لحسراته .مقدّمة له الهدية الّتي لم

تُهـدَ . ضمّها وشمّها باكيا. ناطقا . بحلول رائحة هديّتي بهديّتي. هذه اللّيلة سأنام

نوم الصّبيّ بين أحضان أمّـه .بالإضافة إلى محفظتها و الّتي دوّنتْ بداخلها ما

يلي : أيـا هـاذي .. لولا وُدِّي لِـوالدي ما حملَـتْـكِ يـدي .

– قاوم الشّيخ الوحدة بالفرار إلى اللّه سـتّـة أشهـر . مُـعذّبا في اليقظة و

المنام . فكلّما استيقظ . توسّل للأذى : أرجوكِ يا سـهـام ** كفى اجتياح

المنام . إلاّ أنّ الاِنهيار كان سـيّـدَ القـرار.

– لِـم لاَ ؟ و هو يرى الدّار دمارا و الضّياءَ ظلاما . صمّم على الرّحيل حاملا

هديّته يشمّها من حين لآخـر. تاركا صُوَرها ضمن وثائقه حفاظا عليها.كونها
حاضرة. يراها على الدّوام .في الخلف و الأمام . في الضّياء و الظّلام.في

اليقظة و المنام . زار قبرها آخـر يوم مُربّتا عـلى سطحه.

شارد الذّهن لماضٍ قريب حيث كان يُربّت على كتفيها و يمرّر يده على شَعرها

كلّما نطقت بخاطرة عابرة أو بِبيت ٍ شِعريّ فيستحـسنه .

قبل مغادرة المقبرة .اتّخذ قبرا بجوارها ليُدفَـن فيه حيث أحاطه بالحجارة

كتب عليه : هذا قبر الحيّ الميّت بجوار قبر الميّتة الحيّة . أرجوكم . لا

تحرمونني من مجاورة هديّتي .

. ودّعها باكيا وعيناه صوب الضّريح معتذرا عـن الهجرة الإضطرارية

مردّدا : يا قُـرّة عـيـنـي . نَمي قـريرة العـين .

– أُعـيد عـمّـار للـدُّوار . اِجتمع الأعيان للنّظر في وضعه المأساوي .

اِقترح أحد الجيران ضمّـه للعائلة . فباركوا العمل النّبيل . و مع مرور

الأيّام. اِندمج في المجتمع شاكرا العـليّ القدير مُـردّدا :

حـمْـدًا عـلى مَنْ لِحالي سألْ بعـدما الـكُـلّ عـنّي غـفـلْ .

صنِيعي بـريءٌ فحسبي لمنْ ** تـطاولَ عـنّـي فـقال افـتعـلْ

الهامش
1) سريالية : تـدعو للدّهشة 2) جـفاءُ العـطاءِ : الـبـخـل .

3/4) بيتان لقصيدتي المنشورة ( الأعـمى )

5) أَفَـلَ : غاب و اسـتتر . 6) على مَضَض : على كُـره .

– مُهـداة لـروح الطّـالـبـة الـجامـعـيـة من مدينة بـوقـطـب ولايـة الـبـيـض. الـمـتـوفاة

يوم خميس من شـهـر يـنـايـر سـنـة 2018 م إثـر الحادث المذكور .

حيث هـزّ مشاعـري فحرّرت هذه القصّة الفقيرة حُسنًا و الغنية حُـزنًا .

 
*- رباحية – سعيدة أوت 2019م

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق