إصدارات

“في خدمة العهدَين” لفايز الطراونة.. شهادات للتاريخ

عمّان- يتناول كتاب “في خدمة العهدَين”، الصادر حديثاً عن “الآن ناشرون وموزعون” لدولة د.فايز الطراونة، رئيس الوزراء الأردني الأسبق ورئيس الديوان الملكي السابق، مسيرة الرجل الذي تسلم الكثير من المناصب الرسمية على مدار نصف قرن، وساهم في عدد من المحطات المهمة في تاريخ الأردن المعاصر.
والكتاب الذي يقع في نحو 530 صفحة من القطع الكبير وإن كان يمثل مذكرات لحياة رجل تقلّد مناصب عدة في الدولة الأردنية، إلا أنه في مثابة شهادة على حقبة مهمة من تاريخ السياسة الأردنية التي خبرها من خلال رفقة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وجلالة الملك الراحل الحسين بن طلال.
ويقول د.الطراونة أن حرصه على كتابة المذكرات يتأتى من قناعته “بأنّه كلما طال الزمن وطُويت صفحاته، تعذّر التدقيق في سطور الحكايات وتفحُّص التحليلات والكتابات التي تسمّى تاريخاً. فكلمة «التاريخ» رديفة لكلمة «الماضي» بمعنى من المعاني”.
ويقول “هأَنَذا وقد أصبحت في السبعين من عمري، أرى نفسي تلميذاً في مدرسة التاريخ، لكنني لست بمؤرخ. وكلّ مبتغاي من هذا الكتاب الذي أصبح بين أيديكم، أن أوضح أنّ الحكم على التاريخ البعيد، وبالرغم من شواهده القائمة، أمرٌ جدليّ للغاية، بل يزداد جدليةً كلما ذهبنا بعيداً في أغوار الزمن. ولكن، ماذا عن التاريخ المعاصر ونحن شهود عليه وشركاء فيه؛ عشنا أحداثه، وصنعنا وقائعه، وشاهدنا مجرياته، وتفاعلنا مع تفاصيله، وما نزال نكتوي بناره أو ننعم بحلوه حتى لحظتنا هذه؟! لا شكّ في أنّ الجدل سيبقى هنا أيضاً، لأنّ قراءة التاريخ ليس بالضرورة أن تكون موضوعيّة، وكذلك الحديث عنه. فهناك مَن يهتمّ بنتائج الأحداث فيكون واقعياً، وهناك مَن يتمسّك بحبال الهواء فيكون رومانسياً”.

ويتابع د.الطراونة “حين توجّهت للعمل في القطاع العام، بعد تخرجي في الجامعة الأردنية، كان هدفي خوض المعترك السياسي. وقد أتاحت لي الدولة الأردنية، في ظلّ المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال طيّب الله ثراه، ثم في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله، الفرصةَ تلو الفرصة في هذا المضمار، فتولّيتُ مناصب عدة، في تدرُّج، وشهدتُ محطاتٍ مفصلية في تاريخ الأردن المعاصر، وأرى أنّ ما تجمّع لديّ من معلومات وما تحصّلته من معارف تجاه قضايا ومسائل متنوعة، وما تبلورَ في معتقدي من فكر سياسي عبر سنوات العمل، لم يكن ليتحقق لولا إشغالي هذه المناصب. فهل أحتفظ بهذا المخزون والفكر لنفسي، أم أشارك به -ما استطعت- أبناء جلدتي وأولئك المهتمين في الشأن الأردني من خارج حدود الوطن؟!”
ويقول د.فايز الطراونة ” قرّرت الكتابة والعودة إلى الماضي. فمن واجبي أن أضع بين يدَي الحقيقة والتاريخ ما حدث من وقائع كنت طرفاً أو مساهماً فيها، وخلال ذلك لا بدّ أن أبديَ تفسيري لها ووجهة نظري إزاءها. وللقارئ أن يقبل التحليل أو يرفضه، فهذا حقّه لا ينازعه فيه أحد. ولعل في القبول تصحيحاً لانطباعٍ خاطئ أو مشوَّه تولَّد لديه، ولعل في الرفض أرضيةً لنقاشٍ مستقبليّ يتوق إلى الحقيقة لا إلى سواها.”
ويؤكد د.الطراونة أنه «ابنُ مدرسة الهاشميين، ولا يساورني شكٌّ في أنّ ما أنجزه الهاشميون عبر عقود يمثل ثورةً نهضويةً مستلهَمة من الثورة العربية الكبرى ومبادئها السامية، وأن قيادتهم الحكيمة منذ نشوء الدولة الحديثة في الأردن تمثّل صمّامَ الأمان للمملكة الأردنية الهاشمية، وبوصلةً للأردنيين في عبورهم نحو المستقبل الواعد».
إلى ذلك يشتمل الكتاب على ستة عشر فصلاً تتناول، البدايات ومصادر الوعي الأولى، ثم خطوات على درب المستقبل، ويتعرض الكتاب إلى انتقال د.الطراونة من الديوان إلى العمل الحكومي، ثم عضوية مجلس الوزراء، والقضايا العربية من غزو الكويت إلى تحريرها والطريق إلى السلام، ومعركة المفاوضات الثنائية والمباحثات متعددة الأطراف، وكيف جرى التعامل مع “أوسلو” والوصول إلى اتفاقية “وادي عربة”، ويتناول د.الطراونة انتقاله من السفارة في واشنطن إلى وزارة الخارجية، ثم العودة إلى الديوان الملكي رئيساً وتشكيل حكومته الأولى، ويتوقف عند لحظة حاسمة من تاريخ الأردن عند عودة الحسين ووفاته، ويلقي الضوء على أحداث دراماتيكية تهز المنطقة والعالم، ويناقش د.الطراونة في الكتاب عدداً آخر من القضايا تحت عناوين منها: «بعيد عن المسؤولية.. قريب من الحدث»، و«الربيع العربي.. خلط الأوراق والنسخة الأردنية»، و«التعديلات الدستورية وتشكيل حكومتي الثانية»، ثم يعود للكتابة عن عمله في رئاسة الديوان الملكي للمرة الثالثة، ومسيرة الإصلاح والتحديث في عهد الملك عبدالله الثاني .
ويختتم د.الطراونة الكتاب الذي اشتمل على عدد من الصور بالقول:” ملِكان من ملوك آل هاشم، الحسين بن طلال وعبدالله الثاني ابن الحسين، سكنا مهجتي وضميري وعقلي، وأقاما في سويداء القلب مني. ملكان عشت معهما أكثر من ثلثَي عمري في الصفوف الخلفية ثم الصفوف الأمامية، وواجهنا خلال ذلك الهينَ والصعب، والحلو والمر، والسمين والغثّ، والخفيف والشديد، والصديق والعدو، والموالي والمعارض، والصادق والكاذب، والأمين والمنافق، والشجاع والجبان، والكريم والبخيل، والوطني والمدّعي، وانهارت عروشٌ من حولنا، وتبدّلت أنظمة، وشهدنا حروباً وقلاقل ومؤامرات ودسائس، وعشنا الازدهار والتراجع، والابتسامات والدموع، والربيع والخريف، وما هانت عزيمة الملكين ولا خبَت ابتسامة التفاؤل عن وجهيهما ولا غابت النظرة الثاقبة الواثقة عن عيونهما، وما انحنى الأردنيّون إلّا لله وظلوا كالرواسي الشامخات».
ويضيف د.الطراونة في خاتمة كتابه في منتدى شومان:
“ليس هناك صفة تمنح الإنسانَ إنسانيته أكثر من التواضع. فالتواضع مؤشر على الخلق الرفيع قبل أيّ شيء آخر. وهذه الصفة أصيلة، تُجبَل في شخصية الإنسان وجوهره، ولا يمكن اكتسابها أو ادّعاؤها أو اصطناعها. وقد تحلّى الحسين الأب، ونجله عبدالله، بهذه الخصلة، حتى إنك تنسى في حضرة أيّ منهما أنه ملك، ولا ترى فيه سوى الإنسان بأرقى صوره وتجلّياته.”
يذكر أن د. فايز الطراونة وُلد يوم 1 أيار 1949 في عمّان، وفيها نشأ وترعرع، حصل على شهادة الدراسة الثانوية العامة/ الفرع العلمي من مدرسة المطران في عام 1967، ثم التحق بالجامعة الأردنية وحصل منها على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد (1971).
عمل في الديوان الملكي الهاشمي؛ مساعداً لرئيس التشريفات الملكية ومديراً لمكتب الملكة علياء الحسين (1971-1980). وخلال ذلك تابع دراسته العليا في الاقتصاد في جامعة جنوب كاليفورنيا الأميركية، فحصل منها على شهادة الماجستير (1974)، ثم شهادة الدكتوراه (1980).
عمل سكرتيراً اقتصادياً لرئيس الوزراء (1980-1984)، ومستشاراً اقتصادياً لرئيس الوزراء (1984-1987)، ووزيرَ دولة لشؤون رئاسة الوزراء (9/1-19/12/1988)، فوزيراً للتموين حتى 24/4/1989، وعضواً في الوفد الأردني لمفاوضات السلام (14/11/1991-15/6/1993)، وسفيراً للأردن في الولايات المتحدة الأميركية (2/1/1993-18/3/1997)، ورئيساً للوفد الأردني لمفاوضات السلام (15/6/1993-25/10/1994)، ووزيراً للخارجية (19/3/1997-17/2/1998)، ورئيساً للديوان الملكي الهاشمي العامر (17/2/1998-20/8/1998)، ورئيساً للوزراء (20/8/1998-4/3/1999).
تولّى رئاسة الديوان الملكي الهاشمي العامر للمرة الثانية (13/1/2000-9/3/2003)، وعُين عضواً في المجلس العالي لتفسير الدستور (4/12/2003-27/12/2004)، ثم أصبح رئيساً للوزراء للمرة الثانية (2/5/2012-10/10/2012)، ثم رئيساً للديوان الملكي الهاشمي العامر للمرة الثالثة (28/1/2013-19/6/2018).
عُيّن عضواً في مجلس الأعيان الثامن عشر، والتاسع عشر، والعشرين، والحادي والعشرين، والثاني والعشرين، والثالث والعشرين، والرابع والعشرين، والخامس والعشرين. وهو عضو في مجلس الأعيان السابع والعشرين منذ 20/6/2018.
رأس مجلس أمناء جامعة الحسين بن طلال (1999-2009)، ومجلس أمناء جامعة آل البيت (2009-2011)، والنادي الدبلوماسي الأردني (5/12/1999-1/12/2003)، والجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط (2011-2012).
يتولّى الرئاسة الفخرية للجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط منذ عام 2012، وهو نائب سموّ رئيس مجلس الأمناء لجائزة الملك عبدالله الثاني لتميُّز الأداء الحكومي والشفافيّة منذ عام 2002 (مركز الملك عبدالله الثاني للتميُّز منذ عام 2006).
يحمل العديد من الأوسمة الأردنية والأجنبية، من بينها: وسام النهضة الأردني من الدرجة الأولى، ووسام الكوكب الأردني من الدرجة الأولى، ووسام الاستقلال الأردني من الدرجة الأولى، وغيرها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق