ثقافة المقال

لا أحب المدرسة! 1

ترجمة رضا الأبيض . تونس

لا يحبّ بعضُ التلاميذ المدرسة. فهل يمثل ذلك صعوبة ظرفية أم هو كرهٌ عميق؟ إنّ هذا الشعورَ مصدر قلق للأبوين. وليس من اليسير دائمًا معرفة ما هو أبعدُ من ظاهر الأمور.
“لا أرغبُ في الذهاب إلى المدرسة” . جملة نسمعها جميعًا ، ونتظاهر أحيانا بأننا لم نسمعها في الصباح، في بيت الاستحمام أو على مائدةِ الفطور أو في الطريقِ إلى المدرسة.
يحرص طفل الروضة على ألاّ يذهبَ إلى روضته بسبب الآلام التي يواجهُها حين يفارق أمه. وتقول طفلة صغيرة في مستوى دروسِ التحضيري إنّ ” المدرسة سيئة ” لأن ملاحظةً من معلمتها سببت لها أذًى. وغالبا ما يشعر تلميذٌ في الصفِّ السادسة بآلام في المعدة قبل حصة السباحة صباح يوم الاثنين. ويضاعفُ مراهق عمره ثلاث عشرة سنة الجهدَ خوفا من عدم النجاحِ بعد أنْ تحصّل على تقديرات سيئة.
كلّ هذه المواقفِ والوضعياتِ ممكنة. في حين يجد الآباءُ صعوبة في فكّ رموزها. فهل هي مواقفُ ظرفية عابرة أم هي ظواهرُ أعمقُ من ذلك يمكن أن تؤديَّ في النهاية إلى فوبيا المدرسة؟
بالنسبة إلينا نحن الراشدين يعني حبّ المدرسة حبَّ المعرفة والمهارات والمعلمين، أمّا بالنسبة إلى الأطفال فإنّ ذلكَ يعني أيضًا احترام المعلمة وحبَّ لصق الملصقاتِ والفرح بلقاء الرفاق..
يقول جيلبير لونغي Gilbert Longhi أستاذٌ باحثٌ في علوم التربية : ” الأطفالُ لا يحبّون الشيءَ نفسَه في المدرسة. ثمة مستوياتٌ وطبقات يختلف الشعورُ إزاءها باختلاف الوقتِ” .

إنهم يحبّون هذا المكوّنَ من مكوّنات المدرسة أو ذاك بحسب نموهم النفسيّ والمعرفي. ففي مستوى الدروسِ التحضيرية يحبُّ الأطفال الفريقَ ، ويحبّ آخرون المعلمة. وفي مستوى الدروسِ المتوسطة الثانية يحبّون أوقاتَ الراحة والأصدقاء. وفي مستوى الإعداديّ تتقاطع هذه المكوناتُ كلّها مع المواد الدراسية. البعضُ من التلاميذ يعتني بمادة التاريخ أكثر من الرياضيات، وآخرون يشعرون بالانسجامِ مع هذا الأستاذ أو ذاك. ولكن، رفض مكوّن مَا يمكن أن ينمّي الشعورَ بكراهية المدرسة عامة.
ويضيف ج لونغي: ” إنها مجموعة من العناصرِ المركّبَة التي بإمكانها أنْ تغيّر اتجاهَ بعضِ الأحداث في حياة الطفل”.
إنّ مراهقا زاد طولُه اثني عشرة صم في عام واحدٍ يمكن أنْ ينعكسَ ارهاقه في نهاية السّداسية على مسار تعليمه بأكمله، رغم أنّ الصعوبة كانت في البداية صعوبة جزئية. وعلى كل حال ، يجبُ على المرء أنْ يدرك المعنى العميقَ في قول الطفلة أنتيان ” أنا لا أحبّ المدرسة”، وأنْ يسألها الأسئلة الوجيهة التالية: ما الذي يعجبك؟ ما الذي لا يعجبك؟ هل تشعرين بذلك دائما؟ في أي وقتٍ؟
وذلك من أجلِ أنْ نتأكد من أننا نولي هذا التعبيرَ عن المعاناة ما يستحق من اهتمامٍ. أفلاَ يمكن أنْ يكون الطفل ضحية تحرّشٍ أو كبشَ فداء أو ضحية تلميذٍ أكبر منه أو شخصٍ بالغٍ؟
إن عبارة ” المعلّم سيّءٌ ” لا تعني فعلا أنّ ذلك صحيحٌ. قد تكون صورةُ المعلّم في ذهنه مشوّهة. فالمعلّم في الواقعِ شخصٌ لطيف، ولكنه لم يعد كذلك بالنسبة إلى هذا الطفلِ الذي يرغبُ في أنْ ينظر إليه معلّمُه باعتباره شخصيّة مفردةً، أو أن يُظهر نحوه عاطفة الحبِّ. فهذا الطفلُ حين يكبر سيكون شخصًا غبيّا أو مرحا أو نجيبا فيكون بذلك مركز اهتمامِ الآخرين.
ثمة احتمالٌ آخر وهو أنّ الطفلَ يقول: ” أنا لا أحبُّ المدرسة” ليستفزّ والديه. ويوضح جيلبار لونغي قائلا :” يدرك الطفلُ منذ أن يكون صغيرا أهمية المراهنة العائلية على المدرسة. فيحاولُ استخدام كلمات مثل ” لا أحب المدرسة” ليرى الأثرَ الناتج عن ذلك وليؤكد احترامَه لنفسه. إنه كَمَنْ يرسلُ منطادَ رصدٍ”. ولذلك فإنّ الرسالة الموجهة إلى الآباء قد تكون في بعض الأحيان خادعةً.

في الواقعِ، قد يشعر الطفلُ بحزن بسببٍ حدثٍ عائليٍّ مثل ولادة الأم غير المنتظرة، أو بسببِ مخاطر الانفصالِ عن الأبوين، أو بسبب فقدانِ حيوان أليفٍ.
يمكن له أنْ يضعَ الإصبع على موضع حسّاسٍ، لأن التعليمَ يحظى في بعض الأوساط الاجتماعية بقيمةٍ، وكذلك النجاح الدراسيّ. إنّ المدرسة مكانٌ مهمّ يُرْسَمُ فيه مستقبلُ الأبناءِ.
رغم ذلك، يجب على الآباء أيضًا أن يعزّزوا ثقة الأبناء في أنفسهم. ولكن ما نلاحظه هو أنّ الأخ الكبير قد يسْخر من أخيه، والأمّ قد تتهمه بالتظاهر، ويوبخه الأبُ قائلا: ” اكتشفنا ذلك ، سننهي الأمر ، انصرف، وقمْ بواجباتك”. لكن في أغلب الأحيانِ ، ومهما كان ردُّ الفعل، يجهل الأباءُ الأمرَ.
من المهم إذن أنْ نفهم أسبابَ هذه الرغبةِ في الانقطاعِ، لنرى كيف يمكن مواجهتُها معًا بجعلها قضية رأي عام.
ويوصي ج لونغي قائلا : ” إنّ عَقْدا مع المعلم يمكن أنْ يكون مفيدًا. لا يجبُ أن نجعل الأمر مأساويًّا. فلا نعتدي على الحياةِ الخاصة وعلى الألفة العائلية ، من أجل أنْ نفكّ رموز كلماتِ الطفل وسلوكه “. إنّ المدرسة مؤشرٌ وليست مجرد وصفةٍ. إنها تقعُ في القلبِ من حياة الطفل، فهي فضاءٌ لتحقق الذات وللتنشئة الاجتماعيةِ، وهي قاعدة انطلاقٍ نحو المستقبل.
وتؤكد جوليات سيود-فاكشن J. Siaud-Facchin عالمة نفس سريريّ ” إنّ طفلاً لا يحبّ المدرسة يمكن أنْ يصبح متمردًا أو مقاوما. وطالما هو يذهبُ إليها على كلّ حالٍ فليس ثمة داع لدق ناقوسِ الخطر. أمّا عدمُ الرغبة مطلقا في الذهاب فتعتبر مرحلة متقدمة؛ إنها تعني وجودَ مشكلٍ. لقد صار يَنظر إلى المدرسة باعتبارها بيئة معادية.”
وفي رأيها ، فإنّ هذا السلوكَ يولّد شعورا كبيرا بالقلق عند الوالدين، ويمكن أنْ يخلقَ صراعاتٍ داخل العائلة.
ثمة إذن مخاطرُ تتمثل في أنْ يصبح الطفل مهمّشا، وأن يختار العزلة التي تؤثر سلبا على تقديره لنفسه، وبالتالي تساهم في انفصاله عن المدرسة.
إنّ عدم حبِّ المدرسة في رأي المختصين هو رسالة تحتاج إلى أن نفك شفراتها، إذْ قد يكون هناك سببٌ نفسيٌّ أو عاطفي يجب علينا أنْ نحدّده.
وعلينا أنْ نتساءل: هل السّبب ظرفي أم هو دائم ؟ هل حدثَ مشكلٌ مع زميلٍ في القسم ؟ هل يشعر الطفلُ بالخوفِ من خيبة الأمل في ألاّ يكون في مستوى انتظاراتِ عائلته؟
لقد نشأ بعضُ الأطفال في أجواء النجاحاتِ والتميّز فلا يقبلون الخسارة، ويقلقون للغاية في حالاتِ الفشلِ. ولذلك فإنّه من المهمّ بالنسبة إلى والديهم أنْ يساعدوهم على الوقوفِ من جديد على أقدامهم.
وبشكل عام، من الضروري تشجيعُ الطفلِ في نجاحاته حتى تلك التي نراها بسيطة. فبقدر ما نشِيدُ بالنجاحات نجعل الطفلَ يرغب في أنْ يحققها مرة أخرى.
إنّ الفرح بالنجاحِ يمنحُ الطفلَ رغبةً في التّعلم. ولذلك يجبُ أنْ نمنح الثقة في المدرسة وفي ما يمكن أنْ تحققه من أجل أن تنمّي في الطفلِ الثقةَ في نفسِه وتمنحه متعةً الذهابِ إليها.
ختاما لما ذكرنا، لا يمكن أنْ ننسى أنّ الذهابَ إلى المدرسة يحتاج إلى استعدادٍ: النهوضُ باكرا وتفقّد المحفظة المدرسية.
إنّ طفلا يستيقظ في اللحظاتِ الأخيرة ، فلا يدخلُ بيت الاستحمام ، ويتناولُ المعجناتِ في الطريق، هو في الحقيقة طفل ينقصه كثيرٌ من التحفيز . ولذلك فإنّ أخذَ وقتٍ كاف لتتناول فطورٍ صحيّ على الطاولة مع العائلة هو علامة البداية الجيّدة.


1- France Lebreton https://www.la-croix.com/Famille/Parents-Enfants/Dossiers/J-aime-pas-l-ecole-2015-01-13-1266624

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق