ثقافة السرد

ليلة القبض على خميس

إياس غالب الرشيد
 
كان خميس شخصاً هشَّاً ملتصقاً بالوحل، لا يفرق كثيراً عن مكونات الطبيعة التي في قريتنا. أحياناً ينتظرني ليلاً عند دكان حاتم بالقرب من تنكة الزبالة، وعند حضوري لا أشعر بوجوده حتى أقترب منه.
مرات كثيرة كنت أركله على مؤخرته، وكنت أظن أنني أركل تنكة الزبالة، لأنه لا يتحرك كأنه جماد، حتى الأنفاس لا تخرج منه.
خميس لا يعرف أي شيء، ويظن أنني أهم من إذاعة مونت كارلو؛ فهو يسألني عن كل شيء، وأنا أخترع إجابات لكل شيء، وهو ينظر إليّ معجباً بما أقول.
مرة قال لي: أنت مظلوم يا صديقي، يجب أن لا تكون في قريتنا. أنت مكانك الطبيعي في إذاعة مونت كارلو لتجيب عن أجوبة السادة المستمعين.
كانت قريتنا صغيرة، وفيها أربع عائلات، وكان منصب المختار في عائلة واحدة تتوارثه كابراً عن كابر، ولم يكن عدد سكان القرية أكثر من خمسمئة نسمة. فجأة مات المختار، وحصل شجار بينهم، فقد رفضوا أن يكون هناك توريث لمنصب المختار؛ خصوصاً أننا دخلنا في زمن العولمة، وصار الجميع يملكون موبايلات، ويستخدمون تقنية البلوتوث لنشر الرسائل بسرعة، فتشكل وعي جديد، وتصورات سياسية حول مفهوم السلطة في القرية لم تكن معروفة سابقاً؛ من مثل: علاقات المختار مع قيادات سياسية خارج البلدة؛ فبعد أن مات المختار استولى أحد أحفاده على الصور والفيديوهات التي كان يحتفظ بها جده في موبايله؛ فانتشرت صورة للمختار مع وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، وصورة مع أمين فرع الحزب، ولكنَّ الصورة الأهم التي حركت المياه الراكدة سياسياً، ونبهت الناس إلى أهمية منصب المختار، هي الصورة التي
انتشرت على البلوتوث، وكانت مع أعضاء قيادة شعبة الحزب وهم يسكرون في كازينو واحد، والطاولة تعج باللذائذ، والمختار يحضن راقصة غاية في الجمال.
كانت هذه الواقعة الفنية وبالاً على الاستقرار السياسي في قريتنا، هذا الاستقرار الذي جعلنا مضربَ مثل في التكاتف والهدوء حتى لقبتنا القرى المجاورة بقرية المقبرة كناية عن الهدوء الذي يشبه الموت.
رفض الجميع مبدأ التوريث، وقرروا إجراء انتخابات لاختيار مختار جديد؛ فدخلت القرية في استقطابات جديدة، وتفككت عُرى التكاتف بين الجميع، وتخندقت كل عائلة وحدها، وبدأت المؤامرات، ثم حدث تخندق جديد داخل كل عائلة، وانقسمت كل عائلة إلى عدة عائلات، وأصبحت القرية على شفير حرب أهلية؛ فتداعى من تبقى من العقلاء، وقرروا حلّ هذه المشكلة مهما كانت النتائج.
اتفق الجميع على إجراء الانتخابات في أسرع وقت ممكن، وقرروا تشكيل لجنة تشرف على الانتخابات، ولكن سُرعان ما دبَّ الخلاف بين الجميع لأن الثقة انعدمت، وصار هذا الجسم المتناسق شظايا لا يستطيع جمعها أحد، وخصوصاً مع تواتر تسريب الفيديوهات التي جمعت المختار القديم مع فاتنات.
ظل العقلاء أسبوعاً كاملاً يحاولون إقناع المرشحين بهذه اللجنة ولكن سدى؛ فاتفقوا على أن تكون لجنة الانتخابات محايدة وليست من القرية حتى تكون نزيهة، وبعد أخذ ورد وافق الجميع على مبدأ اللجنة المحايدة، ولكن اختلفوا من أي قرية ستكون، لأن بعض العائلات لها علاقات ممتازة مع قرى، وبعضها علاقاتها سيئة، وهذا أمر سيجعل الحياد والنزاهة أمراً صعب التحقيق.
لم تنم قريتنا منذ انتشار بلوتوث المختار في الكازينو، ثم دخلت في أرَق بعد قرار الانتخابات، ثم دخلت في تشنج بعد قرار تشكيل اللجنة التي لم تتشكل.
بحث ما تبقى من عقلاء القرية مسألة تشكيل لجنة محايدة ونزيهة؛ فكانوا يصطدمون بعقبات،
كالحياد والنزاهة والغيرة، حتى اقترح محمود اختيار خميس رئيساً لهذه اللجنة وعضواً فيها ومقرراً دون مساعدين لضمان النزاهة والشفافية وحصر المسؤولية، وخميس بسيط جداً حتى الهشاشة؛ فسيضعف أمام محمود لو أرسل له خمس بيضات أو دجاجة بلدية أو علبة حلاوة، واستطاع محمود إقناع الوجهاء باختيار خميس؛ فالرجل غريب عن هذه القرية؛ حيث جاء أبوه إليها فاراً من ثأر في قريته، وبعد أن ولدته أمه بقليل مات أبوه، وظل خميس مع أمه دون إخوة، فليس له فيها أقرباء، وفي الوقت نفسه ولد هنا فهو ابن القرية.
فرح الجميع باقتراح محمود، وكل واحد كان يدندن في سريرته بما دندن به محمود مع اختلاف التفاصيل؛ فخميس جبان يخاف من ظله، وإذا دعوته إلى مجدَّرة؛ فسيكون ممنوناً، أما إذا أرسلت له سطل لبن؛ فستصير عنده بمرتبة القديس، وفي أسوأ الأحوال فإن خميس سيفرح كثيراً إذا سلمت عليه واحترمته، ويظل سراة اليوم يحكي لمن قابلهم: اليوم مرَّ مراد وسلَّم عليَّ بحرارة؛ مراد رجل محترم. اليوم الحاجة فتحية قالت لي: كيف حالك يا خميس؟ إنها إنسانة تقية، مَنْ أنا حتى تسلَّم عليَّ الحاجة فتحية؟! هذا دليل تواضعها.. ابنة أصل.. أبناء الأصول يسلمون على الناس ويحترمونهم.
عادت القرية واجتمعت من جديد، لقد جمع عقول القرية شيطان واحد كان يدندن لهم حسنات اختيار خميس رئيساً للجنة، وكان الجميع يبتسمون ابتسامة خبث، وكأنهم خططوا لمكيدة كبيرة؛ فمنصب المختار أضحى في جيبهم، وصار الوصول إلى طاولة اللذائذ التي ظهرت في البلوتوث قاب قوسين أو أدنى.
خرج وفد من اجتماع عقلاء القرية للبحث عن خميس، لم يطل البحث لأنَّ خميس يجلس في مكان معلوم هو دكان حاتم بجانب تنكة الزبالة.
أقبل القوم على خميس بحماس، وعندما لاح من بعيد هرولوا باتجاهه حتى تفوز عائلاتهم بشرف السلام على خميس ونقله إلى غرفة المختار الرئيسية مقر الاجتماعات.
عندما أبصر خميس القوم مقبلين بهذا العدد الكثيف ينادون من بعيد: خميس.. يا خميس، تعال
يا خميس.. أوجس في نفسه خيفة وهرب؛ فبدأ القوم يركضون خلفه، وهم ينادونه بصوت عالٍ: تعال يا خميس.. انتظر يا خميس.. وهو يزيد من سرعته وصارت المسافات تتسع بينهم.
كان خميس يعرف كل تفاصيل الأزقة في القرية، والمنافذ التي تنتقل من مكان إلى مكان والاختصارات التي يحتاجها الخائف والمطارد؛ فعبر من سياج إحدى المزارع كالسهم، فعبروا خلفه، وهم ينادون: توقف يا خميس، تعال يا حبيبنا.. تعال يا غالي.. وخميس يركض بأقصى سرعة، وهم خلفه كالأسد الذي يطارد غزالاً حتى وصلوا إلى جب في ظاهر القرية؛ فقفز خميس من فوق الجب، ولاذ بالفرار.
حاول المطاردون القفز ولكنهم سقطوا في الجب.
اختفى خميس ولم يسمع به أحد من ذلك اليوم، وألغى أهل القرية الانتخابات لاستحالة تنفيذها وتم تنصيب ابن المختار القديم كما جرى العرف، وعادت القرية إلى روتينها القديم، قرية هادئة وادعة تخلو من المشاكل، ولكنها خطت خطوات واسعة في موضوع العولمة، حيث توقف الناس عن تداول الفيديو الذي يظهر فيه المختار على طاولة الكازينو، وحصل اتفاق بين المختار الجديد ووجهاء القرية على مشاركتهم الحفلة من خلال بث الحفلة مباشرة من جهاز الموبايل، وبذلك دخلت قريتنا العولمة من أوسع أبوابها بعد الاستقرار السياسي الذي حدث.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق