ثقافة السرد

طيران العدو

عبد الجليل لعمري

كان الكابران يوقف دابته الصهباء في الجناح المخصص للدواب بالسوق الأسبوعية (مربط البهائم)، ولحظة إزالته للبردعة عن ظهر البهيمة، دوّى أزيز قوي في سماء السوق، مغطيّا كل أصوات الهرج والمرج المنبعثة من الأرض.
انقبضت نفس الكابران… إنه يعرف هذا الصوت جيدا.. صوت طائرة… ألقى بجسده الرياضي المترهل المتعب بالسنين أرضا، وزحف على مرفقيه وركبتيه نحو البردعة التي كان قد وضعها قرب جدار المربط، أخفى بعض جسده تحتها..
(طائرة العدو… طائرة العدو… انسحاب فوري… اختباء فوري… نداء رنّ في مسمعه، فجرى بكل قوة جسده الرياضي الغض، وألقى بنفسه في خندق قريب، وأخفى نفسه تحت جذع شجرة.. كان القصف عنيفا من طرف طيران العدو الذي استمر يمشط المكان ذهابا وإيابا مشعلا النيران في النبات والحجر والبشر…).
“طيران العدو… طيران العدو… اختباء فوري….”، عبارات ظلت ترن في أذنيه طيلة عقود لاحقة بعيدا عن المعركة… والكابران يلهث تحت البردعة في وضعية نعامة تخفي رأسها في الرمال، سمع صوتا: (الرجوع لله الكابران…) ميّزه.. إنه صوت المقدم أسوأ رجل بالدوار…
– هل تخاف الطائرة؟! قال المقدم متشفيا.
– “كنت أخيط ثقبا في البردعة!!”، قال الكابران محاولا الإفلات من مأزقه..
وتحركا نحو جناح الخضر والفواكه داخل السوق. وفجأة صرخ المقدم: طيارة… طيارة… فهرب الكابران نحو شاحنة ليختبئ تحتها.. ضحك المقدم، بل قهقه حتى كاد يغمى عليه… ونشر الخبر في السوق والدوار…
أول من فرح للخبر بالدوار هو “المعلم علي”، الخصم اللدود للكبران في لعبة الضاما.. فهو منذ سنوات يعاني من انتصارات الكابران، ويبحث له عن نقطة ضعف تفقده تركيزه بدون جدوى..
ها هو اليوم يملك سلاحا جديدا سيقضي به على الكابران. وفعلا بدأ العسكري يعاني من عبارة (طيران العدو… طيارة … طيارة) حين يرددها الأطفال المشاغبون أو جمهور الضاما.. فقد اتفق المعلم علي مع بعض الجلساء على أن يصرخوا بالعبارة القاتلة كلما غمز لهم، لتشتيت انتباه الكابران كي يهزمه….
وفعلاً توالت انتصارات “المعلم علي” على الكابران، فكلما نجح الكابران في نقلاته على صدر الضامة، صرخ أحد الجلساء بعبارة: “طيارة” فينزعج الكابران ويفقد تركيزه أو يهرب من المكان لتحتسب الجولة للمعلم علي.
بدأ الكابران يعيش حالة اكتئاب عنيفة، بسبب ضغط فظيع تسببت به عبارة “طيارة”، التي يسمعها في طرق الدوار، وفي السوق، وحتى داخل بيته، حين يقف بعض الأطفال المشاغبين أمام الباب أو خلف الدار ويصرخون “الطيارة… الطيارة….”.
قرر الكابران الاعتكاف داخل بيته، مستفيدا من ثقل في سمعه بدأ يغزو أذنيه، ممتنعا عن استقبال أي زائر، وقد شدّد على زوجته بعدم السماح لأي مخلوق كان بالدخول عليه، وإخبار الناس بأنه سافر لزيارة ابنته في المدينة…
حاول الكثير من رجال الدوار زيارته لإخراجه من العزلة، ووبخوا – كثيرا – الأطفال المشاغبين.. بل هددوهم بأقصى العقوبات إن عادوا إلى الصراخ بتلك العبارة المشؤومة.. وعاتبوا “المعلم علي” على ما يفعله لهزم الكابران، وتحدوه أن تنظم مواجهة فردية رأسا لرأس مع الكابران… لكن الأمر لم ينجح، وظل العسكري مختفيا بعيدا عن “طيران العدو” إلى أن سمع الناس ذات صبيحة صيفية صراخ زوجته ونحيبها، فعلموا برحيله إلى عالم قد يخلو من طيران العدو…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق