قراءات ودراسات

المرأة في قصيدة الشاعر العراقي حميد الحريزي:”دينُ المجانين”..

احمد فاضل
….

بداية من هو حميد الحريزي؟
أرض المشخاب العطرة بعنبرها اللذيذ وناسها الذين لاتفارقهم الطيبة أنْا رحلوا وأقاموا، كانت الهواء الذي تنسمه الشاعر وهو يلج الدنيا أول مرة عام 1953، ولأنه يتحدر من أسرة فلاحية وعمالية فقيرة ولأبوين لايعرفان فك رموز الكتابة وقرائتها، لكنهما حملا فك رموز الحياة هناك بسبب أنهما قد جلدتهما بسوط أراداه أن لا يلهب حميد فهاجرا الى المدينة هربا من الفقر والفاقة والقهر عام 1963 وهو عام الشؤم على العراق، ومع أنهما واجها ظروفا أشد قسوة نرى حميدا ينهي دراسته الإعدادية بتفوق، لكنه يصطدم بجدار المادة الذي يضطره لإكمال دراسته في المعهد الطبي الفني بدلا من كلية الهندسة والعلوم والآداب الذي كان يمني نفسه بالقبول فيهم، لكن هذا المعهد ضمن له التعيين في دوائر الدولة وهو ما كان بأمس الحاجة اليه آنذاك والتي تنقل فيها من أقصى شمال العراق حتى جنوبه وبسبب ولائه للحزب الشيوعي الذي انتمى اليه وعدم انخراطه في صفوف البعث…

فقد تعرض لشتى أنواع التعسف والحرمان والقهر زاد على كل ذلك ضياع ثلاثة عشر عاما من عمره في حروب صدام حينما خدم في الجيش بين مكلفية واحتياط، وهو في كل تلك السنين كان يجد راحته ومتنفسه بالكتابة التي بقيت حبيسة أدراج مكتبته، وبعد انهيار الحكم الشمولي انطلق شاعرنا بنشر كل ما يكتبه من مقال سياسي وقصة ورواية وشعر ونقد أدبي فهو كاتب شمولي أفسحت له الصحف والمجلات صفحاتها له وبعد دخول الانترنت البلاد شهدت مواقعه الثقافية ذياع اسمه وحضوره المتميز فيه
الشاعر وكما تقول عنه قصائده المنشورة كانت تحرك فيه تلك المواجع الراكدة في أعماق روحه فيستجيب لندائها كاشفا في نصوص عديدة له مدى مكابداته، وقد وجدتُ في ” دين ُ المجانين ” مكابدة من نوع آخر فهي قصيدة حاول فيها الشاعر نشر براءته من الحب، ممزقا معه سطورا كثيرة من دفاتر ذكرياته كما يقول:
لا أريدكِ / دعيني / أمزق دفاتر ذكرياتي / أهجر الذكرى / أعالج الشوق بالآهات / بالدمع أغسل / فناجيني / لاأريدك دعيني / ما عدت من لحم ودم / عدت الى أصل خلقي / صرت من ماء وطين / فإن شئت اسجدي على تربتي / أو أن شئت / اسحقيني .
المتلقي لتجربة حميد الحريزي باختلاف هوياتها الأجناسية قد يكون قد توقف كثيرا عند قلقه وعندما سيقع بين يديه هذا النص الشعري المفتوح فسيخرج حتما بمقصدية واحدة هي أن المرأة سبب رئيسي في ذلك القلق ما دعاه الى أن يقول لها لا أريدك، وقد يستثني الشاعر نفسه لينسب ذلك السبب الى غيره، لكنني ومن خلال العامل السردي أقرأ فيه حكيا شعريا يخص ذات الشاعر حتى وإن قال المتلقي غير ذلك، فهو يرشدنا دون أن نتعب أنفسنا أنه المقصود في كل ما قاله، فالذي كان بشرا من لحم ودم عاد الى أصله ماء وطين، هنا تظهر فلسفة خافية ضربت أطناب الصيرورة، فالعودة الى الماء والطين يعني الخلق الأول، بلا عاطفة أو أحاسيس وهو توقف بإرادة جامحة عن ذلك الحب الذي لايعود الى أصله إلا إذا سجد الحبيب مستغفرا عن كل ما جناه أو لتسحقه ليكون بلا ذكرى، هذه الصورة ذكرتني ب ” شاخ بنات ” التي أعرضت عن وصال الشاعر الإيراني الكبير حافظ الشيرازي الذي عاش في القرن الثامن الهجري والذي قال ما قال فيها حتى ذهب شعره مثالا لكرامة المحب وغدر الحبيب:
لا أريدكِ / دعيني / ما عاد تسبيح الملاك يعجبك / أغراك السراب / سحرك البريق / ورقص الشياطين / لا أريدك / دعيني / أحزمي الخصر / البسي التبر / وارقصي في دواوين / السلاطين / لا أريدك / دعيني / نذرت الروح للندى والعطر / ما عادت ” مسجات ” / العشق / و ” يوتيوبات ” الحب / تغريني / لا أحبك اتركيني /، المحب هنا قالها صراحة بوجه الحبيب أنه لا يريدها البتة، فما عاد اللهج بها يعجبها لأنها باعته وراحت تلهث وراء من يغدق عليها أكثر منه، تصورها راقصة وهو انحطاط ما بعده انحطاط لمحب يعرف ما وراء الأكمة هذه؟ تلبس الذهب لتهز خصرها في قصور السلاطين، إنها نظرة سوريالية مزج الشاعر فيها أفنان الفقر برنين الأصفر الوهاج فما عادت نذور الروح للندى والعطر مجدية، وما عادت ” مسجات ” و ” يوتيوبات ” كل أنواع الحب تغريه فاتركيه، ومع أن دخول هذين المصطلحين الغربيين معترك اللغة العربية فلا أرى أنهما يتجاوبان مع ما عرفته لغتنا من انفتاح على اللغات الأخرى، لكنهما اسقطا جماليتها المعهودة وقد كان بإمكان شاعرنا الإستعاضة بكلمات قريبة لاتشوه المعنى العام للقصيدة، فهذه الاشكالية تعب منها اللغويون ولازالت دوائرهم المختصة تبحث عن حل لها والحل كما أعتقد بيد المبدع سواء أكان شاعرا أو قاصا وحتى ناقدا فهو الوحيد القادر على تخطيها مع احترامنا لكل الجهود الرامية الى حلحلتها، وقد أدهشني كم سعى علامتنا الراحل مصطفى جواد وحده لحل هذه الإشكالية حينما تابعت برنامجه الشهير ” قل ولا تقل ” الذي أفادني وغيري في تجاوز الكثير مما ورد على لغتنا .
الحب قبلتي / الوفاء سجيتي / ما عدت من دينك / ولا صرتِ / من / ديني / ما عدت أهواك / اتركيني / ما علمني الحب قوال / ولا قرأته في كتب / الحب يا حلوتي / مخبوء / ب ” جيني ” / ما عدت معبودك / اتركيني / ما عاد فمي مكمن نهديك / فم بفم / كف بكف / مرتفع بمنخفض / اثنان بواحد ان شتتنا الشكل / ضمتنا المضامين /، فعندما يقول الشاعر: الحب قبلتي / الوفاء سجيتي / ما عدت من دينك ِ / ولا صرتِ من / ديني / فهي لغة عربية جعل خالقها ارتباطها بالأحاسيس قبل أن تكون مجرد حروفا وكلمات للدلالة فقط، فلغتنا العربية هي الوحيدة بين لغات الأرض التي تنطق بالأحاسيس فلا غرابة ان تقترب من ذات الحبيب لتقول له كل تلك الكلمات ختامها لا، فما عاد الهوى موصولا بقوال، ولا بكتب، هو مخبوء في جينات النفس، وعندما يقول لها اتركيني فهذا يعني أنه ما عادت كل حواسه النفسية والجسدية تتقبلها أبدا .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق