قراءات ودراسات

الإسلام السياسي .. من فوبيا العروبة إلى فوبيا اللغة العربية

د.إدريس جنداري*

قد يتصور البعض، ممن افتقد ملكة النقد، أن ما جرى للغة العربية بالمغرب، خلال عهدتَي الإسلام السياسي، لا يعدو أن يكون تحديا فرضته الدولة العميقة على الفاعل الإسلامي من أجل ابتزازه فيما يتعلق بمقومات مشروعه السياسي الذي تحضر اللغة العربية على قائمة أولوياته ! لكن، ما يسعى هؤلاء إلى إخفائه من تحت غشاء شفاف، هو كون مشروع الحركات الإسلامية قد وُلِد في بيئة أُمَمِيَّة ( الأممية الإسلامية) فقد صاغ كل من (المودودي) و ( الخميني) أطروحتيهما من خارج التصور الثقافي و اللغوي العربي، و قد تم استنساخ هذه الأطروحة في العالم العربي بنفس الصيغة المودود-خمينية، بل إن الكثير من الأصوات السلفية الشاردة قد عثرت في هذه الأطروحة على الفرصة الملائمة لتصفية الحساب مع المشروع القومي .
هذا المنحى الأممي للإسلام السياسي أسقط رموزه في فخ الخلط بين الاتجاه الإيديولوجي القومي، و بين المقومات الحضارية المشتركة بين العرب و من بينها المشترك الثقافي و اللغوي العربي. لذلك، أعلن الاتجاه الإيديولوجي الإسلامي حربا شعواء على الرموز الفلسفية و الأدبية و العلمية العربية (طه حسين، نجيب محفوظ، نصر حامد أبو زيد …) بادعاء انحرافها عن القيم الإسلامية ! لكن هذا الاستهداف، في حقيقة الأمر، كان موجها للمُنجَز الثقافي و اللغوي العربي.
ضمن هذا السياق الإيديولوجي الملغوم، يمكن إدراك حقيقة استهداف الإيديولوجية الإسلامية للمشترك اللغوي العربي بالمغرب، خصوصا في ظل الزواج الكاثوليكي الذي يجمع بينها و بين الاتجاه الإيديولوجي الفرنكو-عرقي ( أنا أمازيغي –و ليس مغربي- قح/ تصريح العثماني). من هنا، يبدو أن ما جرى للغة العربية، خلال عهدتي الإسلام السياسي، لا يدخل في باب الصدفة، بقدر ما أنه جزء من استراتيجية متكاملة التخطيط، بدأت مع تأسيس إيديولوجية الإسلام السياسي خارج الفضاء الثقافي العربي، و امتدت مع استنساخ هذا المشروع الشُّعوبي في الداخل العربي.
• ما بين الشعوبية القديمة و الشعوبية الجديدة
جاء في كتاب ( الإسلام السياسي صوت الجنوب) للمفكر الفرنسي (فرانسوا بورغا)، أن العروبة مرت من مرحلة التمسك بها دون قيد أو شرط (..) إلى رفضها الصريح من جانب تيار الإسلام السياسي. و هذا الرأي الأكاديمي يؤكد الواقع الحقيقي، في علاقة الإسلام بالعروبة في المشروع السياسي للحركة الإسلامية، خصوصا و أن هذا المشروع ينطلق من رصيد تاريخي بدأ مع الجماعة الإسلامية، التي أسسها أبو الأعلى المودودي في الهند، و قد تم تأكيد هذا الطابع بعد نجاح الثورة الخومينية في إيران.
سواء مع المودودي أو مع الخوميني، فقد كان التوجه واضحا نحو فصل الإسلام عن امتداده الحضاري العربي، بادعاء أن الإسلام دين و أن العروبة قومية/عرق، لكن الحقيقة التي يعمل هؤلاء على محاولة مواراتها هي انطلاقهم، أنفسهم، من زاوية عرقية ضيقة تسعى إلى تزوير التاريخ، حينما تنتقل بالعروبة من تشكل حضاري ساهمت في بنائه قوميات و أعراق مختلفة إلى تشكل قومي/عرقي ضيق، في ارتباط بالمرحلة ما قبل الإسلامية قبل أن ترتبط، خلال القرن السابع الميلادي، بالإسلام و تنفصل عن بعدها العرقي .
إن هذا المسار هو الذي تحكم، في الأخير، في تشكيل اتجاه الحركة الإسلامية في العالم العربي، و قد ساعد على ذلك، أكثر، تنامي المد القومي، الذي اتخذ بعدا علمانويا حاول تهميش البعد الديني/ الإسلامي في الثقافة العربية. كل هذه العوامل ساعدت على خلق نوع من التوتر بين العروبة و الإسلام في مشروع الحركة الإسلامية، حيث حدث نوع من الخلط بين العروبة كبعد ثقافي و حضاري، و بين الإيديولوجية القومية/البعثية التي استثمرت العروبة، كرأسمال سياسي، للوصول إلى الحكم، و فرض مشروعها في الهيمنة على الشعوب العربية باعتماد شعارات تروج للأصالة العربية من منظور إيديولوجي ضيق.
يحاول شيخ جماعة العدل و الإحسان، في المغرب، أن يقيم توترا وهميا بين العروبة و الإسلام محاولا ربط محاولته بالتيار القومي، و هذه عملية تبريرية لا جدوى منها. يقول الشيخ عبد السلام ياسين: ( إن العروبة في محنتها التاريخية الحاضرة، و هي محنة المسلمين، تتشبث باللغة العربية كما يتشبث الغريق بيد منقذه، فعليها معولهم و إليها مرجعهم من كل خيبة، بها و منها النهضة، و بها الحياة و البطولة لسر عظيم يقدرونه لها، كما نؤمن نحن بالله عز و جل و تأييده)
عبد السلام ياسين – الإسلام و القومية العلمانية – دار البشير للثقافة و العلوم الإسلامية- ط2 – 1995- ص: 10

قد نستغرب لهذه المقارنة، التي يقيمها الشيخ بين العربية و بين الله، لكن الأمر يتضح، أكثر، حينما نفهم أن الشيخ يقود حربا دونكشوطية ضد العروبة محاولا فصل الإسلام عنها، و لكي يغطي على موقفه فهو يخلط بين العروبة كلغة و حضارة، و بين العروبة كقومية ضيقة، و هذا لا يستقيم إلا من منظور إيديولوجي ضيق، هو الذي قاد الشيخ في استنتاجه كما قاد تيار الحركة الإسلامية. و كنتيجة لهذا الخلط، فقد حاولت تيارات الحركة الإسلامية، في العالم العربي، خلق نوع من الشعوبية الجديدة، و خصوصا في بعض الدول التي تعرف تنوعا عرقيا، حيث عملت على ترويج بعض الأفكار المغلوطة حول انفصال الإسلام عن العروبة.
و لعل آخر حدث يمكن أن نستدل به، على هذا التشويه المقصود، هو ما وقع في اجتماع وزراء خارجية دول المغرب العربي، باعتباره أول اجتماع يضم وزراء يمثلون الحركة الإسلامية (المغرب-تونس)، و خلال هذا الاجتماع استغل الوزير المغربي (الإسلامي) فرصة اللقاء ليطرح على الطاولة مقترحا في غاية الغرابة و بشكل متسرع للغاية، و ذلك عبر اقتراح استبدال (اتحاد المغرب العربي) ب (الاتحاد المغاربي)، و هذا المقترح لا يعبر سوى عن رغبة في اغتنام أول فرصة بهدف تغيير المسار، أو بالأحرى رد الدين للتيار القومي/البعثي، و كأن الانتماء الحضاري إلى العروبة يعني الانتماء إلى هذا التيار الإيديولوجي.
إن تركيزنا على موقف الحركة الإسلامية، في المغرب، من علاقة الإسلام بالعروبة، لا يعني أن موقف باقي التيارات الإسلامية في العالم العربي كان مختلفا، بل يمكن أن نقرر أن هناك موقف واحد هو الذي تحكم في معظم، إن لم نقل كل، تيارات الحركة الإسلامية، و هو موقف لا يستجيب للتوازن و الوضوح الفكري بل تحكمت فيه، إلى أبعد الحدود، مصالح سياسية ضيقة، في علاقة بصراع حركات الإسلام السياسي ضد التيار القومي، سواء في مصر الناصرية أو في سوريا البعث، و هذا الصراع ذو بعد سياسي/إيديولوجي لا دخل للعروبة، كامتداد حضاري، فيه.

*باحث مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق