ثقافة المقال

روافد الشاعر

الدكتور سالم بن رزيق بن عوض

قد يرى بعض النقاد أن موهبة الشاعر هي ذروة سنام إبداعه ، ووقود مشروعه الشعري إلى نهاية مطافه ، ومن خلالها يبدع ، ويرسم بمخيلته في مساحات الحياة وأبعادها ، قد يكون لهذا الرأي وجاهة إذا عرفنا أن الاستعداد الفطري لقول الشعر وقوته في بدايته ، أمر في غاية الأهمية ، والانطلاق الأول ، والقصيدة الأولى لها أثر في مواصلة الشاعر مشواره الشعري ، وقد قيل البدايات المحرقة لها نهايات مشرقة .
ولكن هذه الموهبة وهذا الاستعداد يحتاج إلى عدد من الروافد التي تدعمها ، وتزيد من عمرها ، وتوسع مداركها ، وتعطيها جوانب أخرى للحياة قد لا تراها ماثلة أمامها ، ومن تلك الروافد ، الجغرافيا والتأريخ ، وهما رافدان أساسيان يحملنا موهبة الشاعر ، على الأصالة والتأصيل ، والتواصل مع جذوره ، ويأتي مع ذلك ثقافة الشاعر وقدرته على الاطلاع ، والقراءة في أكثر الألوان والفنون ، ومهارة انتقاء ما يناسبه من صور ألوان ، وشعر حديث أو قديم .
كل ذلك مما يعين الشاعر على بناء شخصيته الشعرية ، وقدرته الإبداعية ، وتجعل من وجوده وحضوره مميز ، ونعني بهذا الحضور أن القوة التي يبرز بها ، ويتقدم بها أمام الجماهير ، فإذا تقدم كان له طعم ولون ورائحة .
إن التقليد لا يقدم شخصية حية لها أثرها ، تستطيع أن تغير وتحرك في مجتمع الناس ، إنه يقدم دمى مكرورة ، ويحشر الطاقات البشرية صورة واحدة يظنها الظآن أنها صور كثيرة متعددة ، ولكن الرائد في القوم يراها صورة واحدة لم ولن تتغير ، وقد يبدأ الشاعر محاكيا مقلدا ، لكن بقاءه على هذه الصورة حبس لطاقاته

وقدراته وموهبته الكامنة ،بل صدق من قال : الذي يمشي على أثار خطوات غيره ، يمحو أثار خطواته .
نقول هذا الكلام حتى يتذكر شعراؤنا روافدهم التي تمنحهم القوة والقدرة فيتصلوا بها ، ويتزودوا منها ، ويحرصوا عليها أيما حرص ، لأن في ذلك قوة دافعة تمنحهم القدرة على مواصلة الرحلة ، والخوض في غمار الحياة ، والتأثير على الناس .
وحياة موهبة الشاعر متصلة بما يغذيها من روافد حياة ؛ وقد آلمني كثيراً أن عدداً غير قليل من شعرائنا عندما تسألهم عن قراءاتهم واطلاعاتهم وتواصلهم مع الشعراء أو مع القراءات العامة فضلاً على الفكرية الفلسفية تجد الإجابة القريبة من بعضها ، قراءاتنا قليلة! ، بل بعضهم لا يكاد يقرأ إلا الصحف و يطلع على بعض المنتديات .وهذا ما يُعجّل ضمور الموهبة بل موتها وتلاشيها مع مرور عمر الشاعر ، وقد يمر الحدث والحدث والشهور ولا ترى للشاعر حتى أبياتاً محدودة تسجله في ظل الأحداث الجارية أي أن بعض شعرائنا يصل إلى البيات الشتوي والدوران خارج التغطية !

الشاعر السعودي الدكتور سالم بن رزيق بن عوض ـــ جدة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق