قراءات ودراسات

رواية ” الإسكندرية 2050″ لصبحي فحماوي مرايا الزمان العربي المشروخ

د. محمد الوادي

تنفتح رواية ” الإسكندرية 2050 ” على العديد من التيمات، ذات الطبيعة الإشكالية. إنها رواية القضايا الكبرى، والأسئلة الاستفزازية العميقة المحرضة على إنتاج معرفة فكرية، لها أسسها المرجعية. هذا العمق تفسره الثقافة الموسوعية التي اكتسبها الروائي صبحي فحماوي، فهو ملم بالتاريخ والأحداث والعادات والتقاليد، والرموز الفكرية، والتراث الموسيقي والغنائي، وله رصيد ثقافي تم توظيفه في هذا السرد بشكل جميل، وله لغة توليدية واصفة وشفافة. كما أن له تجربة طويلة في الكتابة السردية، وقد أتت هذه الرواية بعد إصداره لأربع مجموعات قصصية، وأربع روايات هي: عذبة – الحب في زمن العولمة- حرمتان ومحرم- قصة عشق كنعانية.
– في العنونة والتصنيف:
تتقدم عنونة رواية “الإسكندرية 2050 ” كعتبة مؤشرة ودالة ومساعدة على قراءة وفهم ومقاربة وتأويل المتن السردي الداخلي. اختار الروائي صبحي فحماوي عنوانا براقا لمنجز يشي، بشكل صريح، بما يمكن أن تنطوي عليه الرواية من مضامين ودلالات، وما يمكن أن تكشف عنه وتقوله، ما لم يكن هذا العنوان مبطنا، أو ملغوما، أو مزحلقا حسب تعبير أحد الفلاسفة. كثيرة هي الأعمال الأدبية والفنية التي تبني الفخ للمتلقي من خلال العنوان فيكون معنى عنوان الغلاف غير ما هو متضمن في الصفحات الداخلية. فهل لجأ صبحي فحماوي إلى هذه التقنية / الحيلة؟

يتكون العنوان من اسم علم ” الإسكندرية” له حمولته التاريخية والعمرانية والاجتماعية والثقافية. ومن رقم “2050” كأفق مستقبلي. وبذلك يكون العنوان جامعا لزمنين( الماضي والمستقبل) يفصل بينهما زمن ثالث( الحاضر). إنها لعبة الأزمنة التي ستترجم كمسافات سردية في المتن الروائي، أحيانا بتناوب، وأحيانا أخرى بتداخل. واعتمادا على التوصيف المستقبلي الرقمي للإسكندرية ( المدينة والرواية). هل لنا أن نصنف هذا المنجز السردي ضمن رواية الخيال العلمي؟
كما هو في الإنجليزية هو نوع من الفن الأدبي الذي يعتمد على الخيال. وبرجوعنا إلى الخيال العلمي أو إلى العديد من القواميس اللغوية يعرف”الخيال العلمي” على أساس أنه شكل أدبي أو سينمائي تكون فيه القصة الخيالية مبنية على الاكتشافات العلمية التأملية والمتغيرات البيئية وارتياد الفضاء والحياة على الكواكب الأخرى حيث يخلق المؤلف عالما خياليا أو كونا ذا طبيعة جديدة بالاستعانة بتقنيات أدبية متضمنة فرضيات أو استخدام لنظريات علمية. ومن الممكن، كما تذهب إلى ذلك، بعض هذه القواميس أن يتخيل المؤلف نتائج هذه الظواهر أو النظريات محاولا استكشاف ما ستؤول إليه الحياة. وغالبا ما يكون الإطار الزماني لرواية الخيال العلمي في المستقبل القريب أو البعيد.
إن كان لا بد من التصنيف فهي رواية تمزج بين الواقعية الاجتماعية، وما يمكن أن يصبح عليه التقدم التكنولوجي. هذه المزاوجة هي التي جعلت الأحداث تسير وفق تصاعد متراوح: المستقبل بصورته التكنولوجية المتوقعة، من جهة، والماضي بجماليته من جهة ثانية. هذا الإيقاع المزدوج هو الذي يسمح لنا بالقول إن هذه الرواية يمكن أن نقسمها إلى ثلاث روايات تحتمل ثلاث قراءات. الرواية الأولى رواية الخيال العلمي بتجميع وعزل الأحداث التوقعية التي اتكأت على التطور التكنولوجي كسند، والرواية الثانية هي التي دارت أحداثها في الزمنين الماضي والآني، والرواية الثالثة هي التي صاغها المؤلف وجمع فيها أحداث الأزمنة الثلاثة. وهي أيضا سيرة ذاتية بالنظر إلى ملامستها إلى جوانب مهمة من حياة المؤلف. ويمكن أن تقرأ كل رواية( حسب تصورات) بشكل مستقل، من غير أن يضر ذلك بمعمارها الفني، أو تغيير في ملامح شخصياتها، أو أحداثها، لا أفقيا، ولا عموديا.
الحديث عن رواية ” الإسكندرية 2050 ” هو، في نفس الآن، حديث عن الرواية العربية في بعدها التجريبي. نعرف أن الأنظار، في السنوات الأخيرة، تحولت صوب الرواية بدل الشعر بالرغم من أن المنجز الشعري كميا أصبح تخمة، ولكن المنجز الروائي أصبح أكثر مقروئية، وراهن على الكيفية والمستويات التفاعلية مع القارئ النوعي . وأعتقد أن هذه االتفاعلية هي التي رسمت الخرائط الجديدة للرواية العربية.
الزمن في رواية ” الإسكندرية 2050 “:
( الزمان: 25 – 9 – 2051 …… المكان: عكا).

نحن شبكة إنتاج، متخصصة بالتجسس على عباد الله، منذ لحظة الولادة، حتى الوفاة. وبناء على معلومة تقول: ” إن المحتضر يتهالك على سريره خلال الساعة الأخيرة من عمره، فيتذكر كل الذي مضى، وسيعيد ذكرياته من المهد إلى اللحد، فتمر الأحداث كلها مضغوطة في مخيلته بسرعة مذهلة. يتذكر كل شيء، وكأنه يعيشه الآن” فإن عملنا يقم على تسجيل رقمي، ما يدور بخلد الإنسان في تلك اللحظات الفاصلة.) ص11
انطلاقا من هذا التقرير الموجز والمركز نعرف تيمة الرواية، وما يمكن أن تتناوله. وتنتهي الرواية بتقرير آخر يقول نصه:( بقلوب مؤمنة بقضاء الله، ويعتصرها الأسى، ننعي وفاة المرحوم المهندس مشهور شاهر الشهري عن عمر ناهز المائة وسنتين، قضاها في الأعمال التي دوناها أعلاه، وبعد الصلاة عليه في مسجد ظاهر العمر، تم دفنه في مقبرة عكا الجديدة، بحضور أبنائه وأحفاده وأحفاد أحفاده، وأهالي عكا الكرام، بتاريخ 25 – 9 – 2051 بعد أن أتم روايته.
( شبكة المخابرات الخاصة). ص309
هذان التقريران يؤطران الرواية ( زمنا وموضوعا). على مساحة 313 صفحة يسرد الروائي الأحداث التي دونتها لجنة استخباراتية، ضمن قرص مدمج، يمر سريعا لحظات احتضار شخصية / مشهور شاهر الشهري. كما أن الرواية جاءت طافحة بالعناوين كفواصل ومقاطع استراحة ونقلات. وجاءت عاكسة لمضامين المتون النصية تحتها. تفاوتت هذه الفواصل في عدد الصفحات التي تراوحت بين 3 في أدناها و 13 في أقصها.
الحنين والوطن في رواية ” الإسكندرية 2050 “:
في هذه الرواية يقتطع الوطن حيزا مهما من المسيرة السردية. الوطن هنا أوطان: فلسطين ( تحضر كوطن وقضية وحنين، وتحديدا مدينة عكا) ” أول أهدافك بعد النكسة هو عودتك إلى أهلك في فلسطين، التي صارت كلها محتلة، ولكن العودة إليها صارت ممنوعة بقوة السلاح” ص 280، (( وأنت أيها العجوز المنتهية صلاحيته، بقيت لك محطة واحدة. فلتوصلك إلى محطتك الأخيرة في عكا)) ص289، ويقول لابنه برهان (( برهان أنا سأعود إلى عكا، وهناك أستطيع أن أعيش في كنف عائلة أختك سمر، وأقضي وقتا ممتعا في ربوع الوطن مع أسباطي الذين هم الآن رجال فاعلون، وتجار ومهنيون . . . . في عكا)) ص 289. الحنين إلى عكا يكاد يسيطر على جسد الرواية كله (( الأم تفطم طفلها بطعم نبتة مرة، تدهن بها حلمتي ثدييها اللتين جفت عروقهما، وأما أنت، ففطموك عن بحرك الأبيض العكاوي بالرشاشات والمدافع والمتفجرات قبل أن تولد، فبقيت ولدا صحراويا تعيش بل بحر)) ص 71، ومصر( تحضر كتاريخ وسياسة وأدب وفن، وتحديدا مدينة الإسكندرية). وبما أن شخص الرواية وكاتبها، في نفس الآن، اكتوى بنيران الحرمان من موطنين، وظل يحن إليهما حتى وهو على أرض واحد منهما (( تصور أن عكا والإسكندرية يرضعهما بحر واحد، ويفطمهما بحر واحد. . ومصر وفلسطين أخوة في الرضاعة من البحر، وأخوة في اللغة والدين والعادات والتقاليد والجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة والوطن والحب….)) ص 72. ويحضر الوطن العربي الكبير بكل ثقله وهمومه وقضاياه الشائكة والمعقدة ( يحضر بكل انكساراته وهزائمه، وبالقليل من الحلم). على هذه الأضلاع الثلاثة تحركت أحداث الرواية متداخلة مع أماكن أخرى.
تحضر قضايا الوطن بقوة في هذا المتن السردي، يورد المؤلف إشارات قوية عن ثورة الضباط الأحرار/ ثورة 1952. وعن خطاب تنحي جمال عبد الناصر يورد على لسان ( أبو جرجس ) أحد شخوص الرواية خبرا غريبا(( اللي جرى يا سيدي، لا ينكتب ولا ينقرا “اللي جرى إن نسوان ملاهي وكبريهات اسكندرية، خرجن بمظاهرة عارمة، رادحات بصوت واحد: ( أحّة، أحّة، لا تتنحى” واستجابة لنداءات الولايا، قرر السيد الرئيس العودة ليحكم مصر أم الدنيا )) ص 261.
الشأن السياسي المصري حاضر بقوة في هذه الرواية، خاصة في عهد جمال عبد الناصر، ومدى ارتباط الأحداث الداخلية بالسياسة الدولية ابتداء من احتلال فلسطين سنة 1948، مرورا بنكسة 1967. (( سبحان اللهّ كل الفاشلين في بلدانهم يريدون أن يقيموا امبراطورياتهم على جسدك الذي يستعصي على أن يكون مستباحا أيها الوطن العربي الكبير)) ص 73. ولا يتردد في قول الحقيقة المرة (( وكما أن الحاكم العربي دكتاتور، فالمواطن العربي دكتاتور أيضا)) ص 274. ينتقل المؤلف من الحديث عن الوطن العربي الكبير إلى الحديث عن مصر، وبنوع من الاستهزاء من قبل أبو جرجس، الإقطاعي المؤممة ممتلكاته، الذي يقول: ((… ولا أقصد التحامل على الخديوي جمال عبد الناصر أبدا، وإنما أقول: كلهم خديوي. والفرق هو أن ذاك خديوي مدني، وهذا خديوي عسكري، ولكن الخديوي المدني أقل ضررا من العسكري. يقول لك عبد الناصر: العروبة وما أدراك ما العروبة. وحنا مالنا ومال العروبة. نحن فراعنة ولسنا عربا)) ص 275 . ولكن السارد يدافع عن عبد الناصر بقوله: (( توفي جمال عبد الناصر بطريقة غامضة، فهجم الشامتون بموته، يبحثون عن مكتنزاتهم فلم يجدوا في ثلاجته سوى كيلو واحد من لحم البتلو)) ص 280.

د. محمد الوادي

الإسكندرية كفضاء روائي:
أغلب أحداث الرواية تدور في الإسكندرية. يقودنا الروائي في جولة سياحية وتاريخية إلى معالم الإسكندرية وحاراتها انطلاقا من مطارها الحالي والمستقبلي (أنشأوا مطار الإسكندرية الدولي عام 2045) ص77 ” ما هذه الشوارع العريضة، ” يقول برهان وهو ينظر من عل إلى معالم الإسكندرية “وشبكات الري بالرش على جنبات الطرقات التي تطل من بعيد، وكأنها قطعة من هامبورغ، لم أكن أتصور أن تكون الإسكندرية جميلة بهذا الشكل” (ص91).
– الحب وبلاغة التعبير في الرواية:
قالت له جدته أنيسة:” درب البنات شوك”، ” لا تعط للبنات عينا فالبنات لا تقول لك إلا: هات. هات”ص 181. وقالت له أمه: ” لا تدع بنات ( استنكرية) تضحكن عليك”ص 112. بالرغم من أن وصايا الجدة والأم ظلت حاضرة في ذهن وفكر مشهور، حتى في أشد المواقف والحالات الأكثر إحراجا وخضوعا لسلطان الحب والنزوة، فإن مشهور عاش قصص حب، وقد برع السارد في وصف الجسد الأنثوي (فتندفع الصبية البيضاء الطويلة الممتلئة الجسد، ذات الصدر العامر، مستبقية أمها خارج الشقة، وتدخل بثوبها الفلاحي المخملي الأخضر، والمطرز ببضع رسومات، وخطوط متشابكة ترفرف على صدرها، كسياج مزخرف لشرفة مطلة على علية خضراء، لتضع الزبدة في الثلاجة وتقبض العشرين قرشا) ص 179. يتساءل مشهور عن سبب صده للفتاة الفلاحة حين همت بتقبيله فامتنع: ” ترى هل كان سبب رفضك التجاوب مع قبلة الفلاحة المحرومة، كونك ملتزما بتحذيرات جدتك المسترجلة؟ وهل وصلت إلى قناعة تامة بأن القبلة الوحيدة المسموحة لك في حياتك، هي قبلة جدتك الحنون أنيسة؟”ص183. يحفظ كلام جدته جيدا وخصوصا حينما تشتد رغبته الجنسية فوصية جدته كانت واضحة وصارمة وجريئة: ” لا تطلق العنان لشيئك. حاول أن تحاصره، وإذا قام عليك وفضحك، متوترا أكثر من قدرتك على ضبطه، فامسك به واكسره، فإن ألم الكسر سينسيك شبق اللذة، وينهي تطلعاتك من أصلها” ص182. وربما لهذا السبب كان يكتفي بالوصف ففي وصفه لتيتي كان أكثر دقة وشاعرية: (وأية أنثى هي تيتي. . إنها شعلة منقولة مباشرة من الجحيم، ومزروعة بأمان وطهارة دير، ومعجونة ببراءة راهبة، ومطلة عليك من جنان النعيم، فتغرقك في ثناياها، وتحرقك بجسدها الملتهب، بينما أنت أيها المغفل، تفكر بقول الوجودي سارتر:” إذا أردت عمل علاقة غرامية، فعليك أن تبتعد عن أقاربك وجيرانك”)ص 219.
– ما بعد القراءة:
– الرواية سرد مفتوح على كل الاحتمالات، غير مكبل بقيود محددة ( نظرية أو نوعية)
– تجاوز الروائي، في هذا السرد، ما يمكن أن نسميه المعيار الفني، الذي أطر الرواية العربية الاجتماعية التي اتخذت من نجيب محفوظ أنموذجا لها. فقد تجاوز صبحي فحماوي الإغراق في التفاصيل المملة، وعوضها بالوصف الشفاف.
– في الرواية تطوير وتنمية للسؤال كقلق وجودي ومعرفي، يعري الواقع العربي المشروخ، من أجل إعادة قراءة التاريخ بناء على رؤية واضحة.
– جاء النص ضاجا بما هو جمالي، ومعبرا عن القارات والدواخل النفسية، مشرحا للحالات النفسية لشخوص الرواية ومحيطها السوسيوثقافي.
– رواية تحقق مطلبين، على الأقل، مطلب المتعة، نظرا لأسلوبها السلس الرشيق، وبلاغة الوصف وجماليته، ومطلب العلم، فهي رواية عالمة وعارفة،….

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق