قراءات ودراسات

غزالة قاسم عليوة تعيد تثوير المنجز الصوفي

في مراعي العشب السيموطيقي

بقلم: حاتم عبدالهادى السيد

تتوزع تجربة قاسم مسعد عليوة في روايته “الغزالة” بين ما هو فانتازي سحري، وما هو واقعي ذاتي، وما هو فلسفي صوفي، ثم تؤسس لنفسها مساحة شاسعة في برية السيموطيقا الصوفية ذات الدلالات الواقعية السحرية، حيث عالم التصوف الذي يعيد إنتاجيته بوعي شديد، وربما بحضور متعمد، يجنح بنا إلى الأيديولوجيا، إلا أنه يهرب بسرعة إلى الابستمولوجيا، ليعيد خلق تأسيس روائي قديم / جديد، له نكهة الحاضر، وصفة المعاصر، واستشرافاً لحداثة ما بعد مفاهيمية، تعيد تجديد الموروث الصوفي نحو وجهة نظر محايثة، أو ذاتية، تكشف لنا عن ثقافة روائي، أصفها بالرفيعة، والمائزة، والسامقة، قد تؤطر لنفسها إطاراً أيديولوجيا خانقاً، يحجب عنها الفنية آنا.
وببراعة شديدة، يعبر بنا عليوة دوائر الابستمولوجيا، إلى آفاق أكثر استشرافاً عبر حقول اللغة، ودراميتها، وعبر الحوار الفلسفي الروحي الميتافيزيقي الكوني، بين المعلم، وتلميذه، والغزالة، التي ترافق معلمه أينما ذهب، لتتشكل الرؤية البصرية العقلانية لسرد جديد / قديم، يصنع للموروث انزياحاً ليطرد كل غثّ في المجتمع الذي يمور بتقلّبات الحداثة الفجّة، والمفرّغة، والملتبسة لدى الكثيرين، فنراه عبر بساطة اللغة وفلسفتها، يحيلنا إلى منطق العقل، والاستدلال الرياضي، لنعبر من الفيزياء الرياضية إلى مناخ أكثر إشراقاً للذات الانسانية، وهو في هذا إنما يعيد تثوير المنجز الصوفي الروحي الفلسفي بشكل يجمع فيه بين حكمة سقراط، وخرقة ابن عربى، وفيوضات الحلاج، وعقلانية الغزالي، وسيموطيقية سارتر، وجدليات نيتشة، وتموّجات ماركس ورؤياه التاريخية، عبر فلسفة الوجود، والوجود الفلسفي… الخ.
إن هذا الهطول المتواشج يجعلنا في حيرة من التصنيف، ويوقفنا أمام نص سردي روائي وليس أمام رواية بمعناها القديم المتعارف عليه، لأنها تجمع – عبر النوعية – بين أطر دراماتية، وحداثة عبر مفاهيمية، مستشرفة أفقاً كتابياً جديداً، لإعادة إنتاجية تراث روحي، تربينا عليه جميعاً كمثقفين، عبر تموّجات الكونية، والحداثة، والعولمة، بل وعبر الاشتراكية، والنظم الرأسمالية، والحديث عن اقتصاديات السوق والجغرافيا الثقافية… الخ.
إنني إذ أسوق تلك المقدمة – ربما – لأعبر بالنص الروائي، من مساحته الفنتازية، لأحيله إلى الواقع، بغية تفكيك بناه، للاطلاع إلى رؤاه وغائياته المتوارية خلف ظاهر حقول اللغة الفلسفية الممتدة عبر نصه الأسنى، والأبهى، والبسيط كذلك، والسامق أيضا.
إن الالتباس يحيلنا إلى دهشة الميتافيزيقا، فيجعلنا مبهورين بجماليات اللغة، وعمق الفلسفة، وتجلّي الحكمة، والبرهان الصوفي، وانفتاح المدى الكوني بكشوفات، وفيوضات، وتجليات صاحب الخرقة، الذي يمتلك العالم، وناصية العلم والأفكار، والثقافة، فنراه يعيد رتق شراع سفينته التي أصابها العطب، لتنطلق للإبحار من جديد.

ولنا أن نقتطع جزءاً من هذه النصوص السردية لندلل عما نقول.
يقول قاسم مسعد عليوة في فصل “في البصر والبصيرة”:
(1)
على رأس تلةٍ، وأمام الأفق المنسرح، كنا نجلس. مُعلـِّمى يتأمل وأنا أجتهد.
بعد بُرهةٍ رأيته يلتفت نحوي ويقول:
ـ تيقظ.
ولمَّا كنتُ متيقظاً بالفعل، قلتُ:
ـ أنا يقظ ٌيا مُعلِّم.
قال:
ـ عينك يقظى، وقلبكَ يغط ُّغطيط َالساهين.
(2)
أدخلني مُعلمي كهفاً تستدعى ظُلْمَتُه نزع الرموش والأجفان.
سألني:
ـ هل ترى؟
أجبته:
ـ لا يا مُعلم.
قال:
ـ فاخرج إلى الشمس إذن وانعم بعماك.
(3)
مِن ظلمةِ الخارج برزَ إلى مجلس مُعلِّمي مُريدٌ مُنْهَكٌ وجثا أمامه وعَفَّرَ وجهه بالتراب، فأوقف مُعلمي الدرس وأقامه والتفتَ إليَّ وإلى الحاضرين، كأنما يُشهدنا على برهان ما كان يدرِّسه لنا، وسأله:
ـ ما بك؟
بوجهٍ أسيفٍ وصوت تُصفِّرُ فيه الريحُ قال المُريدُ:
ـ ما عدتُ قادراً يا مُعلِّم على تحمل مشقات ما كلَّفتنى به مِن رياضةٍ ومجاهدة.
فأقامه، وبنظرة واحدة جمعنا، ثم قال:
ـ ابصروا يا مَن أنهكتكم الرياضة والمجاهدة إلى هذا البائس المُعَنَّى، واعلموا أن التحمل يفوق الاجتهاد ويحتويه، فبدون تحمل لا يكون اجتهاد، وبدون اجتهاد لا تكون بصيرة.
(4)
استدار مُعلمي فجأة وهتف بي:
ـ هل عميت؟.. تتبعني بعينين مفتوحتين؟!
مفزوعاً أغلقتُ عينىَّ، وكانت عينا مُعلمي المفتوحتان على أقصى اتساعهما آخرَ ما أبصرتُ.
قلتُ:
ـ لكنك يا مُعلِّم تفتح عينيكَ على أقصى اتساعهما.
فتركني ومضى مُخَلِّفَاً صوتَه:
ـ كي يتقحمهما القذى فتقودني البصيرةُ وتقودكَ.
(5)
في الصحراءِ رَحَّبَ بي مُعَلمي وقالَ:
ـ أنَّي دَخَلَتَ ففي بيتِي مُتسعٌ لكَ.
أجَلَتُ ناظِرَىَّ فيما أمامي فلم أبْصِرْ سِوى الرمل والسماءِ.
قالَ:
ـ لو دقَّقْتَ لأبْصَرْتَ المطبخَ والسريرَ وبيتَ قضاءِ الحاجةِ ومصافى الضوءِ وملاقفَ الهواءِ ومزاريبَ المطرِ.
خَشِيتُ على عقل مُعلمي فقلتُ:
ـ لكن لا أسَوار أمَامي ولا جُدُر ولا أبْصِر نوافذ أو أبواب أو سُتر.. ومَا الحَاجَة إلى مزاريبٍ في صحراءٍ لا طلّ فيها ولا مَطر؟
قالَ:
ـ لا يُضَاهِي عَيَّكَ سِوى عَمَاكَ.. اغمضْ عينيكَ تُبْصِرُ كلَّ شىءٍ.
(6)
تحت سماءٍ تنيرها النجوم اللوامع، وفوق بطحاء لا تُحَرِّك سكونَها ريحٌ ولا يُعَكِّر هدوءَها صَوْتٌ، نَدَّتْ عني تنهيدةُ ارتياح ما كنتُ لأظن ـ مِن فرطِ خفوتها ـ أنها ستلفتُ انتباه مُعلمي، لكنه التفتَ وقال بخفوتٍ أشدٍّ:
ـ لا تنظر إلى الكون بغير عين النقص.
قلتُ بنفس النبرة:
ـ لكنَّ الاكتمالَ مُبْهِرٌ يا مُعلِّم؟
قال:
ـ الاكتمال يوهن الهمَّة والنقصُ يثيرها.
(7)
في السوق قال لي مُعلمي مِن تلقاء نفسه:
ـ سأقول لكَ قولاً قاله مُعلمٌ في الأزمان الخوالي.. البصيرة كالبصر يجب غضها عن مساوئ الناس.

(8)
مِن زقَاق إلى الجادةِ التي هممنا بمغادرتها خرج اثنان، مبصرٌ وكفيف. كلاهما كان يخاصرُ الآخرَ فلا ندري أيهما يقودُ رفيقَه. تفادتْ أقدامُهما عثرات الجادةِ وأوْضَارهَا، قدمٌ تنتقلُ بحذاءِ قدم. ومِن الدكاكين برزتْ عطايا الخيرين ومُدَّتْ باتجاه الكفيف واستقرتْ في مخلاةِ المبصر. لمَّا مرَّا بنا لم أميز فيهما سوى العيون، فعينا المبصر مفتوحتان، وعينا الكفيفِ مَسْمُوُلَتان، أما النعال والأسْمَال والملامح فواحدة، جلدٌ وقماشٌ وإهاب.
بعد أنْ تجاوزانا اتخذتُ سَمْتَ العارفِ وقلتُ:
ـ لا غِنى للضريرِ عن البصير.
فنظر إليَّ مُعلـِّمي، تلك النظرة التي أتمنى معها لو ساختْ الأرضُ مِن تحتي وابتلعتني، وأكملها بقوله:
ـ ما زلتَ أيها العيي بمنأى عن إشراقاتِ أهل الطريقةِ بمسافاتٍ وفواصل
لم أقدر على مخاطبته بلساني فرجَوْته بعينيَّ أنْ صَحِّحَ لي ما زلَّ به لساني، فقال:
ـ حاجات البصير موصولة ٌبحاجات الضرير.
وفي البعيدِ أبصرتُ الاثنين، وقد تماهيا في بعضيهما البعض لدرجةٍ صعبَ عليَّ معها فصل أيهما عن الآخر.
***
إن هذه المقاطع المتتابعة، أو المتوالية السردية، الفلسفية، الحوارية تجعلنا نقف متسائلين: هل نحن أمام رؤى فلسفية للواقع، والحياة، والكون، والعالم، والذات، أم أننا أمام واقع سحري، لتجليات اللغة يمزج فيها المؤلف بين: ما هو واقعي، وما هو سحري صوفي، ليعيد إنتاجية الذهنية، للنظر، والتفكير، والبحث، وإحداث الحراك أوالعراك العقلي، في المسافة بين: الفن والفلسفة، وبين التصوف والإبداع؟
كما تحيلنا النصوص إلى ميتافيزيقا سحرية، عبر معادلات موضوعية، ودلالات، ومفارقات، ودوال، تفتّت الصورة الكلاسيكية عن الرواية، وتفتح لها أفقاً ابستمولوجيا، تجاه الفلسفة والعلوم الإنسانية، والكونية، وعالم الروح، أفقاً يخرج من عباءة الأيدلوجيا، والفلسفات، ليحيلنا إلى عالم الميثولوجيا والحكايات، يربط الخيال، بالوهم، بالواقع، ليعيد إنتاجية المتخيّل الواقعى بعجائبيته، ودهشته، للخروج بالسرد إلى ما وراء حدوده الواقعية، لذا يعتمد السارد، أو الراوي، قدرات الخرافة، والحكاية الأسطورية والتراثية، التي تحتفظ في الوقت ذاته بصلات ارتباط اجتماعية قوية تمنحها ثبوتية للإدراك، وواقعية لتقبّل العقل لما هو كوني فنتازي، أو سيمولوجي / ابستمولوجي، لمحايثة تصديق الخيال، إذ تجيء الشخصيات في الواقعية السحرية بمزيج بين الواقع والخيال، فنرى قدرات الشخصيات على الطيران، أو السباحة في الهواء، والتخاطر والحركية، أي أن العادي يتحول إلى إدهاشي، أو أسطوري، مثلما نرى الغزالة التي تطير به ومعلمه، عبر صحراء العالم، لتعيد إلى فانتازيا التصوف، أبعاداً سحرية جديدة متناصّة فكأنه الخضر مع موسى عليه السلام، يعلّمه ماهيات التناقض الكوني الواقعي، لبعديّات وإحداثيات الرؤى الغيبية، أو الاستشرافية لمتناقضات: القتل، أو خرق السفينة، أو إقامة الجدار! لذا نراه يقول في الفصل الأول، أو في الباب الأول لنصه “قلت لمعلمي أتبعك”:
“رافقتنا الغزالة ونفعتنا نفعاً كثيراً، صعدت بنا كثباناً، وهبطت بنا كثبانا، دلتنا على مفازات ما كنا لنكتشفها لولاها، أنقذتنا من ثعابين، وداست على عقارب، وأوردتنا مناهل لم نرتشف ماء أعذب مما فيها؛ وإذ نتفيأ بعض العساليج مال إليَّ معلمي وسألني:
– ما رأيك في غزالتنا؟.. نذبحها؟
فتمنيت لو أنه حشى فمى رملاً ولم يسألني هذا السؤال”.
إنها الغزالة المسحورة، غزالة الصوفي، التي تشبه العنقاء في التراث الأسطوري، أو البراق في الموروث الديني الإسلامي، أو هي عصا موسى التي تقوم بالمعجزات، للتدليل على عظمة الخالق، إنها رؤى صوفية خالصة، ورؤى أسطورية لغزالة قاسم مسعد عليوة/ الراوي / السارد، ومعلّمه، وهي كذلك رمز للحلم أمام انكسارات الواقع، فهي صوفية تجنح بالخيال لترتطم بصخرة الواقع، فتضفي عليه السحر والأساطير، لتعيد إنتاجية الفضيلة، والقيم الروحية والدينية من جديد، ولتعطى – كما رأيناه يسرد – في “مدينة اللذة والانبساط” صورة أخرى لعالم واقعي مشوّه، فيه التملق للحاكم والفساد، والقسوة، والتفاهة التي تتسيّد، والحاكم المشغول عن قضايا شعبه بتأليف رواية، أو بتلحين مقطع موسيقي لمدينة اللذة والانبساط، حيث تعرض العاهرة – هناك – ثدييها وجسدها الشمعي بلا مقابل، وربما تمنح أصحاب النفوس المتعطّشة حافزاً إذا جاءوا بزبائن آخرين، لتستمر مسيرة الشبق الإيروتيكي لديها، حيث العهر سيد الأشياء، لذا نرى المعلم يخطب في الناس، فتقوم ثورة لكن الحاكم ينجح في القضاء عليها، بهراواته، وجنوده، ثم يعرض عليهم روايته الجديدة ليتلهّوا بها عنه، وهكذا يترك المعلم الغزالة خارج نطاق هذه المدينة الفاسدة، لأنها دليل الطهروالعفاف، وهي الرمز الروحي لعالم الفضيلة والمثل، والقيم الروحية؛ ومعلمنا إنما يدخل هنا، ليعلم تلميذه كيف تستمر الحياة في هذه المجتمعات التي تتلهّى بأثداء النساء وأجسادهن، وبعقول الرجال وأحلامهم، دون نظر إلى فضيلة تذكر، أو مستقبل مشرق جديد.
إن الرواية تحيلنا إلى عوالم جديدة، وشرائح مجتمعية مختلفة، لمن يدّعي العلم، والفلسفة، والطريقة، ومن يتشدق بأنه صاحب كرامات ومعجزات، ومن هو متعالم وفيلسوف، ومن هو يحارب بصدق وآخر لا يبالي بالحرب والجثث ونصرة الأوطان.
إنها صورة مصغرة لوطن غائب، وطن متشظّي غريب، الفوضى تحكمه، والأيديولوجيات تهيمن عليه، ولا مجال للفضيلة فكأننا في آخر الزمان، أو أننا أمام أهوال القيامة بفجيعتها، مؤمنيها وكفارها ومتصوفيها وعلمائها، ومثقفيها ولصوصها، وهو فوق ذلك يسرد لنا بفلسفة تشي بعلميّة تارة، وبلغة شعرية تارة، ليعيد بالشعر تلطيف الحوار الفلسفي، ربما ليقنعنا كذلك بدراماتيكية الوصف، ودينامية التنامي للسرد، وربما ليرقّق مما هو ذهني، ليعيدنا إلى ما هو حسي واقعي، وما هو مجرد متخيّل، فنقف معه مشدوهين ببلاغة السرد المكتنز، وبالشّعرية المتدفّقة، والتصوف الذي يدبّق لغة السرد المائزة والسامقة أيضاً.
وتمتد تجلياته وكشوفاته عبر سرده الهادىء المبسّط، الواقعي والرامز، والإحالي والمفارق، وعبر صوره الكونية الميتافيزيقية الجانحة نحو خيال أقرب إلى الواقعية، أو إلى واقعية أكبر من الإدراكية، كتلك التي تُحدث في التصورات الذهنية إدهاشيات المفارقة ومقاربات السيمولوجيا، لتحيلنا إلى عالم سحري واقعي فنتازي حالم جميل ورائق، وصوفي كذلك.
إنها رواية عصرية – كما نرى في مشاهداتنا – ولا أقول في تحليلنا فهي رواية التحولات الإنسانية النفسية، التي تطهّر الفرد، وتعيد تشكيله، وتحرك رؤى المجتمع من منطلق جمالي، وإن جاءت الصوفية كعبور لأيدلوجيات اجتماعية، وسياسية، واقتصادية، إلا أن الكاتب قد نجح ببراعة لالتقاط صور ذهنية فلسفية، أعاد تشكيلها بمعطى جمالي، لتندغم الفلسفة بالجمال بالسرد، في تماهٍ إدهاشي لا تشعر معه بفلسفة متشدقة، أومقحمة، ولا بصوفية ملغزة، أو مغلقة في ترميزها، بل ترى فيها، صورة صافية لسرد حداثي يعيد إنتاجية الوجود الإنساني بقضاياه ويجنح للارتفاع بالواقع القلق القبيح، إلى سماء سحرية، عبر موسيقى السرد الروحي، الذي يتعانق فيه ما هو شعري بما هو فلسفي، وما هو جمالي بما هو سحري، ليعيد رتق الواقع بالحلم، لتنتظم عجلة الوجود الإنساني.
هذا وتجىء النهاية ملغزة، لتدلّل إلى قضية فلسفية عميقة، هي قضية الحلول، أو أوهام السوق عند المناطقة، أو إعادة الإنتاجية لدى رجال الاقتصاد والمجتمع، لتعيد تتابع التجربة، وتبادل الأدوار، فها هو بعد أن هجره شيخه ومعلمه، وظنّ نفسه تائهاً، في منعطفات الحياة، لم يتعلم شيئاً، تنفتح له طاقة النور ليعيد اكتشاف ذاته، أو ليعيد تثوير رؤاه وقناعاته، وإدراكيته بثبوتية كشوفاته، إذ لم يكن يحلم، بل كان يعيد إنتاجية الذات، لتسمو إلى عالم الروحانيات فنرى النهاية التي كادت تعصف بشكّه الفلسفي العقلي، وكراماته بفعل التحوّل، والتّمحور، والمعايشة، والخلوة، والمرافقة لمعلمه والغزالة، وإذ بالمرأة التي تصادفه بعد أن فقد القدرة بنفسه وبتفكيره تسأله عمّا تعلّمه، وعن فيوضاته، فنراه يشيح عنها، إلا أنها تباغته بقولها:
ـ أرني بعض ما علمت.
آيساً قلت:
ـ ما أنا بعالم.
هزتني حتى كادت خرقتي تسقط عني.
– تواضع مع علم شيمة قد ترضي الكافة إلاي.
من فرط عيّي تركتها وانصرفت فاعترضتني:
– يمكن عمل الكثير من علم قليل.
ثم فاجأتني بشلح ثوبها، فجفلت ورجعت القهقرى، فيما أخذت تقهقه حتى رأيت الدموع تسيل من عينيها. لما توقفت سمّرت بؤبؤيها في بؤبؤى وقالت:
– يا أخرق.. لا تجفلن من موطن نجاتك.
وبرفق مدت ذراعيها وأمسكتني، وبمهل شديد راحت تدني جسدها البضّ مني، وأنا مشدود متصلّب. لمّا مستني طراوتها، استعذبت النعومة والدفء المنسربين إلى جسدي، وبكامل وعيي وإدراكي رحت أبحث في جسدها عن موطن نجاتي، وأجمل ما رأيت رشأ رشيقاً جاءني مسرعاً وراح يتمسح بساقي دون أن يعطلني عما أفعل.(تمت).
إن هذه النهاية الإدهاشية الغرائبية، تعيد تشكيل الفكر الصوفي، لتحيله إلى معاصرة كونية، يتماهى فيه الحلم، والخيال، والواقع وتتجلى الفيوضات، والفتوحات البهيّة، وتتشكّل في صورة امرأة الحلم، التي تعيد تشكيله، وتثويره، لتكون له غزالة، مثل معلمه وهو فوق كل ذلك ينهل من شهد رضاب سحري، لواقع ماثل في أفق سرمديته العقلية الروحية المتخلّقة بفعل السحر الروحي الكوني الصوفي الحالم، أو لربما دفعنا نزقنا الفلسفي لنقول: إن المعلم كان هو التلميذ بدليل عودة الغزالة إليه والخمر الروحي الذي ينسرب مع خمر الجسد المتخيل والواقعي والفنتازي السحري أيضاً.
هل ثمة نهاية أجمل من هذه، ليعيد فيها إنتاجية عالمه الذاتي، الذي ينعكس على الواقع والأشياء؟.. فلربما بالحلم تتحقق المعجزات، ولكنها تتحق في الواقع بالفعل والعمل، وبانتظار لحظة الجموح الكوني لعالم المثيولوجيا والجمال الميتافيزيقي، عالم الغزلان ومدن اللذة، مع الحبيبة السيمولوجية التي تعبر بالأفق الكوني، إلى آفاق أكثر إضاءة ونوراً لعالم جديد مشعّ، ساحر وأخّاذ، ورائع أيضاً.

*حاتم عبدالهادى السيد ـ العريش (مصر)

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق