ثقافة النثر والقصيد

قسنطينة

خالد فلياشي*

ما معنى أن يكون لكَ عقلٌ خارج حدود العقل

أو يكون لكَ قلبٌ بِوادٍ غيرِ ذي زرع..

ما معنى أن أكتب لكِ والقصة على حالها..

فرحةٌ معلقةٌ على أغصان الحنين..

وخيبةٌ تكبرُني بآلاف السِّنين..

وغيومٌ سوداء ضاقت بها ذرعاً عيون السماء..

….

هناك ..

رأيتُ البياض يملأ عشّكِ الجميل ..

ولم أراكِ ..

رأيتُ الربيع  قد أتى بعد شتاءٍ طويل ..

ولم أراكِ..

فيكِ ..

ابيضّ قلبي من الحزن ..

اشتعلَ رأسي شيباً ..

وبلغتُ من الشوق عِتيّا ..


من دونكِ ..

أيّ المدن يا ترى ستُغنيني..

أيّ الجسور ستَهديني..

أيّ الأزقّة..

أيّ الشوارع..


أيّ الأحياء.. بعد هذا المواتِ سوف تُحيِيني..!!!


خلف البحر مُبحرٌ أنا في الذكريات ..

خالدٌ في الشرود..


خلف البعد القاتل  ..

خلف الشوق العارم ..

خلف الأحلام التي أتتْ عليها الخفافيشُ باكراً ..

خلف الصباحات الكئيبةِ والمساءات الغادرةِ والأغنيات الحالمة..

خلف  كل حين ..

خلف كل أنين ..

أصرخ  بِأعلى غُربتي :


قسنطينة ..

….

قسنطينة  يا سيّدة المدائن و يا عروسَ الأقلام  والنصوص..

قسنطينة يا فرحةً لم تكتمل ويا شهقةً في وادٍ سحيق ..

قسنطينة يا روح الروح ويا جرحاً لم يندمل ..

بعد الذي كان..

بعد الذي لم يكن ..

تُراودني عن نفسي مدينةٌ بحجم السّحر ..


تغلّق عليّ الأبواب كلّها .. تُوصدها ..


وفي العتمة .. أسمع همساً وكأنه من عندي..

يتلو على مسامع كلّ الدنيا معاذيرهُ القُصوى..

وعجزَه المُباح

ثم يسكبُ ندمه على الجُرح المتبقي

ويمضي في صمتٍ خانق

أعتذرُ إلى كل المدن التي عرفت ..

أعتذرُ إلى كل المدن التي لم أعرف..

أعتذرُ إلى طيفكِ القاتلِ بعد الوداع الأخير..

أيتها المدن الساحرة معاذ الله..

.. إنها قسنطينة .. قصيدتي الوحيدة

إنها قسنطينة .. أكرمت في البدء مثواي ..

بعدها ..

لا أستطيعُ أن أزرع بأرضٍ بورٍ كلماتي ..

لا أقدر أن أشرح لغةً تكتُبها نبضاتُ القلب

أو لغةً ترسُمها مَمرّات الحياة الضيقة ..

لا يمكن  أن أُغيِّرَ مجرى الدم

أو أن أخفي ضوء الشمس عند الصباح ..

لا ينبغي أن أكون أحداً آخر ..

لا ينبغي لقلمي أن ينزلَ ساحةً بالكاد تراه ..

….


كان عليَّ أن أُدرك منذ أكثرَ من عبور..

أنّ جميع الأنهار التي احتفت بها روحي ..كانت بها الأزهار خادعةً جداً ..

وكان بها الصباح ناكراً للجميل..


كان عليَّ أن أُدرك في كل عبورٍ وفي كل دمعةٍ منسيّةٍ عند الغروب ..

أنّ أشواك الورود لن تدخل الجنة أبداً..

و لن تشمّ ريحها أبداً ..

حتى يلج الجمل في سَمّ الخِياط..

____________________

قسنطينة مدينة تاريخية عريقة  تقع في شرق الجزائر، تعرف بمدينة الجسور المعلقة.

*كاتب جزائري مقيم بفرنسا .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق