قراءات ودراسات

العنوان وتفاعل القارئ في رواية وعلى الرمل تبكي الرياح للكاتب عبد الحفيظ بن جلولي

د.خالدي وليد – الجزائر  

تقتضي منا الحقيقة الموضوعية الإشارة إلى أن الرواية تنهل وتمتح من تصورات ورؤى تستند إلى فكر وفلسفة ما بعد الحداثة أو ما بعد البنيوية، ويبرز هذا بجلاء انطلاقا من عنوانها الذي يطالعنا كعلامة سميوطيقية تخلقت في رحم الكتابة الطافحة بالدينامية، التي استدعت في جوها العام عملية جدلية تبادلية تقع بين القارئ والنص، باعتباره مادة خاما وليس فضلة عرضية لا تمت بأي صلة إلى النص أو الخطاب، لذا ألفينا الناص يؤثث لشعرية نصية يغلب عليها الطابع الإيحائي بانزياحاته اللغوية والدلالية والتركيبية؛ متجاوزا في ذلك ملامح وأشكال الكتابة الكلاسيكية بتقاليدها المعهودة في الصرح أو المشهد الإبداعي، حيث تتحدد معالمه في نسق إبداعي يقوم أساسا على التعالق النصي أو التناص، وفق عناصر ووحدات تجمع بين المتعة الفنية الجمالية والثقافة المرجعية شكلا ومضمونا، على اعتبار أن هذا الأخير- التناص- آلية من آليات الانفتاح التي تتقاطع من خلاله جملة من الخطابات والنقول المتضمنة والاستشهادات المتباينة فـ ” إذا كانت البنيوية الحداثية قد آمنت بفلسفة البنية والانغلاق الداخلي، وعدم الانفتاح على المعنى، والسياق الخارجي والمرجعي، فإن (ما بعد الحداثة) قد اتخذت لنفسها الانفتاح وسيلة للتفاعل والتفاهم والتعايش والتسامح. ويعد التناص آلية لهذا الانفتاح، كما أن الاهتمام بالسياق الخارجي هو دليل آخر على هذا الانفتاح الإيجابي التعددي ” على حد تعبير الناقد جميل حمداوي.
وليس هناك من شك في أن الكاتب يحتكم إلى ممارسة تجسدت من خلال ” الإنتاجية النصية ” بتعبير جوليا كريستيفا Julia Kristeva، وعلى هذا الأساس، يطالعنا العمل التناصي في انبنائه المونولوجي الخصب مع القول أو الحكمة المشهورة التي تتداولها الألسن داخل شريحة المجتمع على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم عبر الزمن، ويتعلق الأمر بـالحكمة القائلة ” دموع التماسيح ” وفي ضوء ذلك، ينكشف العنوان في بنياته اللسانية وأنظمته الدلالية وأنساقه التعبيرية كطاقة جوانية انفعالية؛ انعكست صورتها العلائقية في بناء رمزي يعبر عن تجربة إنسانية استوعبت قطاعا من الحياة في جوانبها الروحية والفكرية، وتبعا لذلك، فـ “الظواهر دالة من خلال موقعها الرمزي في الوعي الإنساني لا خارجه ” بحسب تعبير الناقد سعيد بنكراد، وتأسيسا على ذلك، فمفردة الرمل رمز يوحي إلى القصر فيكشف عن جغرافيته ومعماريته وروحانيته، وبكاء الرياح رمز يشير ضمنيا إلى دموع التماسيح التي هي في حقيقة الأمر مشاعر وأحاسيس كاذبة كما هو شائع، والشيء الذي يستوقفنا في هذا المقام ويطرح العديد من التساؤلات، كون لفظة الرياح في عرفنا السائد توحي إلى التجديد والتغيير الذي بإمكانه أن يبعث الحياة على ما كانت عليه من ذي قبل في مسالك ودروب تتلاءم مع التركيبة والرؤيا الكامنة للعالم، وبالتالي، يمكننا تلمس خطوطها العريضة بالوقوف على العنوان الذي يراهن على تخييب أفق توقع القارئ، وتتحدد مظاهره تحت مظلة الرؤية الجمالية والفنية للعمل، كما تكمن خصوصيته على مستوى التأليف والكتابة العمودية، بما تحظى به اللغة الشعرية حينما تضطلع بمهمة المراوغة الدلالية، والمسوغ في ذلك أن أصل الكلام في بنيته العميقة ” وتبكي الرياح على الرمل ” والفاعلية هنا من خلال ملفوظ الرياح اتسمت في طابعها بالثبات والاستقرار؛ لأنها جاءت في موضع الاسم التي هي من خصائصه وسماته، والفعل تبكي يدل على الحدوث والتجدد المقترن بالصيغة الاسمية في سيرورتها التي تتناسب مع الفعل القار والثابت، من هنا، فالتجديد والتغيير أضحى يحمل شحنة دلالية تتسم في عمقها بالسلب الذي يمارس فعل المحو في طمسه للأثر عن آخره في طابعه المادي والمعنوي، وهو أمر يبدد من معايير القيم والعادات والتقاليد، لذا فاللغة السردية في صورتها الشعرية ذات الطابع الاستعاري والمجازي تضعنا أمام مساءلة الذاكرة والتاريخ كقضية مركزية ومحورية تستنطق تفاصيل الحياة الإنسانية المعاصرة من منطلق السجال الحضاري، وفي سياق هذا الوعي الذي يضرب بأبعاده في عمق الوجود الهيوماني أو الإنساني، نجده يتموضع في حيز الغربة الوحشية التي ترصد حالة الكينونة وما يعتورها من إرهاق وتعب ضمن مقاصدها الموضوعية، ومن الأمثلة التي نقف عندها في هذا المجال، قول السارد ” نائم في غربة السّكون، مسترخٍ فوق أحلام الطّفولة، يسترجع أشكال هندسة سحرية لمكان أصبح أقرب إلى المتاهة منه إلى الحي، لكن مع ذلك ما زال يحتفظ بتألقه.القصر ذاكرة منسية في جسد المدينة العائمة في الفوضى والحضور المُلمَّع برتوشات الذّاكرة.. يتململ في متّكئه الدّافئ بأنفاس “الدّا صافية” وطوب قصره وجدران وسقوف وسواري تتراشق في فضاء لانهائي.. يتململ، يجلده سوط الصّقيع في أغوار النّسيان، تنهال الأشياء على ذاكرته المتعبة بالبقايا الصّدئة، اللذيذة، المُرّة، ليس يدري كيف هي..؟! “
وتجدر الإشارة إلى أن الأهمية التي يوليها العنوان كونه قراءة تجسد مشهدا بانوراميا يحاكم الخصوصية الثقافية أو الحضارية، ويدين الضمير الجمعي بحس نقدي مرهف يلقي على عاتقهم هذه المسئولية، نظرا لما يكتسيه التراث من حضور قوي في وجدان الأمة، ومن ناحية أخرى، يدق ناقوس الخطر بما سينجر عنه من تبعات ندفع على إثرها ضريبة تقوض المقومات والعناصر المكونة للهوية إلى درجة تقضي على المخيال الثقافي؛ انطلاقا من استبطان الوعي لأدوار جديدة في ظل المدنية ذات الإيقاع المتسارع، الذي فرضته العولمة بوسائلها الإعلامية والتكنولوجية، والتي أضحت تؤثر في مجريات التاريخ بتغلغلها في كل أنشطة الحياة، ومن ثم، تصبح المسألة من منظور الكاتب، تؤكد على كسر حاجز الصمت معلنة الذات عن سوداوية الواقع المعيش، وبجفاف الحياة وتعقيداتها في صورتها الراهنة، حيث تصدر عن قناعة تضرب بجذورها في عمق الأصالة. يقول في هذا الصدد ” كان كل شيء يعلن جنازة القصر، بدءًا من الهدم إلى فقدان عبق الأكلات القصراوية المُتَبّلة ” فالمدينة فرضت إيقاعا جديدا للحياة، أعلنت بطريقة لا شعورية عن إفلاس القصر وجعله في طي النسيان، والملمح الجوهري في هذه الصورة أيضا يكشف في أحشائه عن حالة انكسار الذات واغترابها، ويظهر هذا جليا على النحو الذي تكون فيه الأنا في جهة، والذوات الأخرى في جهة أخرى، ولعل ما يفسر هذا الإحساس ما جاء على لسان السارد ” شعر خالد بضيق في صدره، أحسّ الحلاق بانقباضه المفاجئ المنفرج على وقع سعلات حادّة وشرقات جافّة.. لقد جالت بخاطره أندلس… سارع إلى إخفاء انفعاله الظّاهر والمفاجئ قائلا:
_ لقد تغرّبت لمدّة عشرين سنة بفرنسا، كان يحملني صحو الأيّام وغيمها إلى أزقّة القصر ودروبه وأناسيه .. آ.. آ.. آه، ما وقع عليه بصري خرّب مشيي القديم في الصّمت المنتج لعوافي الطفولة النّضرة.. _ يا صديقي، أصبح القصر مأوى للصعاليك.. مافيا الحشيش.. وكر للرّذيلة “
واستنادا إلى ذلك، فالمقطع السردي بحمولته الدلالية المشحونة وجدانيا وحضاريا، يعكس لحظات تعزيز روح الانتماء الأنطولوجي المتشبع بالثقافة المحلية بما يتساوق مع الرؤيا المصاحبة للروائي، والخلاصة التي يمكن تسجيلها هنا توطيد العلاقة بين الإنسان ومعالمه الشخصية ومحدداته المرجعية والإيديولوجية، وكأداة تتجاوز الكونية وتعتد وتراعي الخصوصية المعرفية والثقافية، وهذا لا يعني من منظور الكاتب الانغلاق على الذات، ورفع راية التقديس، وتمجيد الماضي في حدود النسق الجامد، والحنين الرومانسي الذي يعزف على وتر الأمل؛ بأن تعود الحياة إلى مجاريها ومنابعها الأولى، بل لمساءلة الذات من خلال الحاضر في مجالاته الواسعة من أجل فك قيودها من أغلال التطور العشوائي الذي يعمل على استزراع ملامح ثقافة حداثية في جزئياتها المختلفة والمتنوعة، وفي هذا المعنى يستوقفنا المثال القائل” الإنسان عجينة طيعية يفعل بها ما يشاء ” وبناء على هذا، كان لزاما على الكينونة بشكل أو بآخر أن تأخذ مبدأ المسافة مع الآخر المختلف في نطاق معادلة؛ يكشف جانبا من جوانب التوازن النفسي الذي ينطوي على ميكانيزمات النضج والاكتمال، بحيث تجد ضماناتها بما تتوفر عليه من أمن وأمان، وكمسوغ لوجودها يخلصها من ربقة الذهنيات المتماهية والمنساقة، والالتفات إلى الخصائص المميزة لتراثها العريق بوصفه مظهرا من مظاهر الثقافة، وتزداد هذه الفكرة إيضاحا حينما نعتلي سقف التعايش الذي يسترشد بمعالم البناء الحضاري بوصفه البوابة التي تعقد صلة ترابط بين المحلي والعالمي، ويشق طريقه في صورته الإيجابية المثمرة.
2

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق