ثقافة المقال

توظيف الفنان ما بين الأطلال واذكرينى

رضا سليمان

فى الإخراج الإذاعى الصوت هو الأصل .. هو الكل .. لكن على الشاشة الأمر يختلف فالصورة هى الأصل ومعها باقى العناصر الصوتية والحركية. لذا لا يجد المخرج الإذاعى الكثير من العناء فى اختيار فريق عمله لأنه يبحث عن عنصر الصوت وهو عنصر من الممكن تلوينه وتغييره خاصة مع الأصوات الغير معروف بصمتها لأذن المتلقى، أما الأصوات صاحبة البصمة فلا يجب أن يجازف المخرج الإذاعى وأن يطلب تغييرها إلا فى أضيق الحدود ويُفضل ألا يفعل. فلن تأتى بصوت فنان بصمة صوته معروفة لدى الجميع ( فؤاد المهندس مثلًا) وتطلب منه أن يغير طبقة صوته فى الإذاعة ليعطيك صوت فتى فى الثانية عشرة من عمره .. !! لكن هناك أصوات بصمتها لم تعلق بأذن المتلقى وهنا ليفعل ما يشاء وخاصة إذا كان يمتلك القدرة على تغيير طبقة صوته، وهناك مَن عملت معى بالفعل واستطعنا أن يؤدى دور أسرة مكونة من أب وأم وابن .. وكانت الفنانة “يسرية الحكيم” رحمة الله عليها وحدها على المايك وتؤدى الأدوار الثلاثة فى براعة تامة بحيث تغير بين كل جملة وأخرى بحرفية عالية. هذا لا يعنى أن نجم يمتلك بصمة صوت مميزة لا يستطيع تغيير طبقة صوته .. لكن هذا بالطبع شئ أرفضه تمامًا لأننى أستعين بهذا النجم لقدراته المعلومة فى حد ذاتها ولستُ فى حاجة لأن أستقدمه كى يؤدى أحد الأدوار الأخرى بصوت آخر، وقد صادفنى ذلك بالطبع أكثر من مرة حينما يحاول فنان شهير أن يغير طبقة صوته لكنى أستوقفه وأطلب منه أن يكون هو نفسه لأنى أريده هو نفسه ولو كنتُ فى حاجة إلى صوت آخر ما تكبدتُ عناء الاتفاق معه، وهنا آخذ على بعضهم أن يبحث عن اسم النجم ولا يوظفها التوظيف الأمثل.

أما على الشاشة يجب أن يختلف الأمر فهناك أساسيات على رأسها الصورة فلا يصح أبدًا أن يتجاهل المخرج عنصر السن إلا فى أضيق الحدود و وفقًا لمتطلبات العمل الفنى لكن هناك مشكلة تواجه مخرج الصورة حينما يرغب فى التعامل مع أحد النجوم وفى نفس الوقت يكون مجبر على التعامل مع عنصر الزمن. والحل الفنى بسيط فى أن تأتى بفنان يمتلك الملامح التى تساعد على الانتقال الزمنى كأن يؤدى دور الشباب والكهولة وكان يبدع فى ذلك الفنان فاخر فاخر وقدم أيضا الفنان أحمد ماهر وهو شاب دور المسن فى مسرحية المتزوجون وإن لم يكن العمل فى حاجة إليه شابًا فلماذا لم يأتى بشخصية مسنة طالما الدور يتطلب ذلك؟!!، لكن هناك فنان ملامحه مهما تفاعل معها الماكيير لن يغير الكثير لأن هناك انطباع داخل المتلقى بالمحتوى الحقيقى لشخصية الفنان يطغى على الشخصية التى يؤديها داخل العمل.
حدث وأن كتب الروائى الكبير يوسف السباعى روايته الرائعة “بين الأطلال أذكرينى” والتى تحولت إلى أفلام سينمائية. وقبل أن أتحدث عن سبب كتابة هذه السطور ألخص قصة الفيلم فى كلمات سريعة حيث تقابل الفتاة حبيبها الذى يتقدم لخطبتها فيرفض والده وفى المقابل ترفض الأم طلب ابنتها وعند الإصرار على معرفة السبب تتحدث الأم “منى” بالقصة من البداية لنعود مع الأم إلى مرحلة الشباب وقصة الحب بينها وبين البطل “محمود” المتزوج أصلًا وفى تتابع للأحداث تتزوج هى بآخر وتنجب طفلًا بينما زوجته المريضة تحمل فى الطفلة ( الطفل والطفلة هما الحبيبان الذى بدأ بهما العمل) ثم ينقل محمود إلى المستشفى بعد حادث كبير وتعلم منى فتترك بيتها وزوجها وطفلها لزيارة الحبيب السابق ويعلم زوجها فيقرر إن ذهبت مرة أخرى لن تعود إلى البيت وسوف يطلقها، فيغلب عليها حبها الأول وتذهب لزيارة الحبيب الغائب عن الوعى وبعدها يموت وتضيع هى بين دوامة الذكرى وأسرتها التى سافرت خارج البلاد، فتعمل ممرضة وتذهب بها أحداث القصة لتمريض زوجة حبيبها الراحل التى تموت أيضًا بعد أن تلد طفلة وتتولى رعايتها وتربيتها فى بيت حبيبها السابق. هنا البطلة منى تربى ابنة حبيبها السابق وابنها سافر مع والده خارج البلاد. تمر السنوات ويتقابل ابنها الحقيقى، بعد عودته، مع ابنة محمود التى لا تعلم إلا أنها ابنة البطلة وفى النهاية تقابل منى زوجها السابق وتقنعه بالموافقة على زواج الأولاد.
فى الفيلم الأول “الأطلال” الذى أنتج عام 1959 بطولة عماد حمدى (البطل محمود) فاتن حمامة ( البطلة منى) صلاح ذو الفقار ( ابن البطلة) صفية ثروت (ابنة البطل) والإخراج لــ عز الدين ذو الفقار.
هنا طغت نجومية فاتن حمامة لتغرى المخرج على اختيارها لتقوم بدور البطلة منى وهو أمر عادى جدًا لكن اختيار شخصية الابن يجب أن تتناسب مع شخصية الأم وأيضا شخصية الابنة لأنهما ولدا فى نفس العام تقريبًا.
ماذا فعل عز الدين ذو الفقار فى هذا المأزق .. هو يريد أن يأتى بفنانة تقوم بدور الأم ثم تعود بالذكريات لتجسد دور الفتاة العاشقة .. فأتى بفاتن حمامة .. ماذا عن ابن فاتن حمامة .. أتى بالفنان صلاح ذو الفقار وهنا الجزئية التى أعترض عليها: صلاح ذو الفقار الضابط خريج كلية الشرطة وابن مدينة المحلة من مواليد 18 يناير 1926 يأتى به المخرج ليقوم بدور الابن لفاتن حمامة وهى مواليد 27 مايو 1931 أى أن الابن أكبر من الأم بخمس سنوات !! فلم يكن هناك داع على الإطلاق لاسناد مثل هذا الدور لفنان مثل صلاح ذو الفقار خاصة وأن الدور صغير ولا يحتاج لنجم.
بينما نجح عز الدين ذو الفقار فى اختيار الابنة بالرغم من أن عمرها الحقيقى يناهز عمر الأم فاتن حمامة، تصغرها بثلاث سنوات فقط، فقد أتى بصفية ثروت المولودة فى 16 يوليو 1934 والميزة فى صفية أو صوفى كما أطلقت على نفسها أن وجهها غير مألوف وأيضًا لاتظهر علامات العمر على وجهها بشكل ملحوظ فهى من رائدات الرياضة النسائية فى مصر، فقد عملت، إضافة إلى عملها كمدرسة تاريخ، بعد تخرجها من الجامعة الأمريكية كمدربة سباحة وكونت أول فريق مصرى للسباحة الإيقاعية (الباليه المائى) و وصلت إلى بطولة أفرقيا واشتركت بالفريق فى الأوليمبياد وحصلت على أول بطولة فى السباحة وفازت ببطولة الزوجى المختلط فى التنس ومارست رياضة الاسكواش والشيش وكرة اليد وكرة السلة كمحترفة وفازت فيها بالعديد من الميداليات، إذًا صوفى ثروت التى توفيت فى سبتمبر من عام 2009 كانت اختيار موفق للغاية على العكس من اختيار الفنان القدير صلاح ذو الفقار والذى أدى الدور ببراعة للحق لكنى أتحدث عن شخصية النجم الكامنة داخل المتلقى.

نأتى للفيلم الثانى ” اذكرينى” المأخوذ عن نفس الرواية (بين الأطلال اذكرينى) وهو إنتاج عام 1978 للمخرج هنرى بركات الذى كان يُفضل أن يوضع اسمه على التتر “بركات” الفيلم أتى بعد الفيلم الأول بــ 18 عامًا وبالرغم من ذلك فقد وقع بركات فى نفس الخطأ .. بل أجده قد زاد عليه الكثير .. وكنتُ أتغاضى عن اختيار صلاح ذو الفقار فى العمل الأول لأن مميزات الفيلم أكثر بكثير بحيث لا تجعلنا نقف أمام هذه الجزئية، أما وقد أتى بركات بالكثير ما جعلنا نقيم هذه المقارنة.
ماذا فعل هنرى بركات؟
سيطرت عليه شخصية نجلاء فتحى حتى تجدها تسيطر على أفيش الفيلم بشكل مبالغ فيه، وبالرغم من ملامح الفنانة القديرة نجلاء فتحى الطفولية إلا أنه أتى بها لدور البطولة لتؤدى دور السيدة الكبيرة والأم ثم تبدأ الحكاية لتعود الفتاة الصغيرة العاشقة.. قد يمر ذلك .. لكن اختيار الأبناء يجعلنا نتوقف فى حالة دهشة، فقد أتى بركات بالوجه الجديد خالد زكى ليقوم بدور الابن وفى الحقيقة اختياره كوجه جديد مع ملامح البراءة مع الدور القصير يجعل الأمر يمر، لكن الباحث المتأمل سيتوقف لحظات ليتساءل ويبحث فيجد أن نجلاء فتحى المولودة فى 21 ديسمبر 1951 تؤدى دور أم خالد زكى المولود فى 22 فبراير 1950 ويأتى بالفتاة (الابنة) الفنانة حياة قنديل المولودة فى 23 نوفمبر 1951 أى أن الابن أكبر من الأم بما يقرب العامين والابنة أكبر من الأم بشهر تقريبًا، لذا أجد أن اختيار الفنانة الكبيرة نجلاء فتحى لهذا الدور لم يكن موفقًا من هنرى بركات أو اختيار الأبناء، فهى وغيرهم أو هم وغيرها .. فإن أصر على نجلاء فكان عليه أن يأتى بوجوه تصلح للقيام بدور الأبناء، فأنت حينما تشاهد حياة قنديل تحتضن نجلاء وتناديها بـ “ماما” تشعر بعدم اتساق مهما وضعت اللون الأبيض على شعر نجلاء.
أنا من مدرسة التوظيف الحقيقى للفنان مهما كان حظه من النجومية، الأصل هو هل يناسب هذا الدور أم لا .. فإذا كان يناسب بالفعل فليكن .. وأفضل مثال لذلك ما قام به المخرج الكبير نور الدمرداش حينما أتى بالممثل الشاب سمير البنا ليقوم ببطولة مسلسل رفاعة الطهطاوى عام 1987 وقد أدى الممثل الشاب الدور بمنتهى البراعة.

*روائى وإعلامى مصرى

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق