ثقافة المقال

المشعل الذي تعطّل نصف قـرن

بقلم: بلكبير بومدين

خمسون سنة كاملة مرت على استقلال الجزائر، مليئة بالأحلام المعطّلة والخيبات المتكررة، ولازالت الكثير من الأسئلة القديمة تنتظر منا الإجابة، بقينا نراوح المكان ذاته، كأنه ضرب على أذاننا في الكهف نصف قرن من الزمن، ثم بعثنا لنتساءل من جديد عن دائرة من يحكمنا ومن نحن؟ أظن أن مغامرة البحث في هذا المسار تساهم على الأقل في وضع نقاط الأزمة الجزائرية على حروف من وقف في وجه التغيير· هذا الوضع الستاتيكي أرجع ذاكرتي إلى مساهمات كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، واختلاف مفهوم التغيير بينهما، فكان الأفغاني ينظر إلى منطلق التغيير من باب من يحكم آنذاك وهو المستعمر، أي التغيير السياسي. أما الشيخ محمد عبده، فكان يشك في جدوى التغيير بمفهومه السياسي، وهو ما جعله يؤمن بالتغيير على مستوى أفراد المجتمع، أي المحكومين.

نصف قرن يمضي بينما لا نزال نسمع أصوات تتعالى من هنا وهناك، واحدة ترمي الكرة في مرمى من يحكمنا، والأخرى تقذفها في اتجاه المحكومين، ما زاد في خلق جو من الحيرة وعدم اليقين، وهذا ما يدفعنا في البداية إلى محاولة تفكيك هذا الالتباس من خلال تحليل ملامح الأقلية الحاكمة وسمات الأغلبية المحكومة، خاصة وهناك من يغرد خارج سرب الدروس المستفادة من الإخفاق، ويختصر لحظة التقييم والتقويم بمجرد احتفالات فلكلورية وفنتازية ولقاءات روتينية وبروتوكولية متكررة. إن الاختفاء خلف أمجاد وبطولات الشهداء والمجاهدين الصادقين (الذين تحمّلوا مسؤولياتهم في زمانهم) لا يعني التهرب والتملص من مسؤولية المأزق والأزمة الراهنة في الجزائر. أسوأ ما يصيب الأمم والدول هو طمس الحقائق وتزييف التجارب والكذب على الناس في وضح النهار، إن أغلب الأمم والدول التي نهضت من كبوتها وتقدمت من تخلفها اعتمدت على المصارحة والمكاشفة وكانت صادقة مع تجربتها التنموية. أتذكر لما كنت في إحدى المكتبات المشهورة بكوالالمبور لفت انتباهي كتاب بعنوان ”المعضلة المالايوية”، كتبه محمد مهاتير ينتقد فيه بحدة ودون مجاملة سلوكيات وطباع وأوضاع المواطنين الذين يحملون نفس أصوله، والتي قد تعوق ارتقائهم إلى مستوى التغيير الذي تصبو إليه الحكومة الرشيدة، مما يساهم في تعطيل التنمية في البلد. كما قام اليابانيون دون مواربة أو خيانة ذاتية بدراسة عوامل إخفاق تجربة التحديث في عهد ميجي، حيث تبين لهم أن أسباب الاحتلال الأمريكي لليابان تكمن في أن تجربة الإصلاح والتحديث كانت في خدمة الجيش، مما عسكر الحياة وجعل اليابان يرتكب المجازر ويعتدي على أراضي جيرانه الصينيين والكوريين، وانطلاقا من ذلك وضع اليابانيون تلك التجربة باستمرار (وإلى يومنا هذا) في ميزان النقد الصارم، فاستفادوا من أخطائهم وكتب للتجربة الإصلاحية الثانية النجاح لأنها كانت أساسا في خدمة المجتمع. فبعد مسيرة نصف قرن من الاستقلال لازال النص التاريخي يساير ويمالق وغارق في ثنائية التقديس أو التخوين، لم ننتج بعد نصا موضوعيا متعددا ومتنوعا، متى ننظر إلى تاريخنا بتجرد وموضوعية أكثر من أن نراه بمنظار أنانياتنا الضيقة وجهويتنا المقيتة وتحالفاتنا السياسية. متى نرفع ستار التغني بالشعارات عن مرحلة ما بعد الاستقلال، ومتى نحرر نظرتنا تلك من أسر الانطباعات الشخصية الغارقة في الذاتية كي نبدأ مرحلة جديدة مبنية على تقييم علمي وموضوعي ونقد احترافي معمّق بعيد عن تصفية الحسابات، متى تتخلص حكوماتنا المتعاقبة من تلك الممارسة الفردانية التي لا تحتكم إلى منطق الأشياء وجثمت على تاريخ الجزائر منذ ما ينوف عن خمسين سنة؟

ماذا عسانا أن نقول في خمسينية الاستقلال والمشعل لم يسلم إلى حد الآن إلى جيل الاستقلال، الشيوخ عندنا لم يهرموا بعد ولا زالوا يكفرون بكل قوانين البيولوجيا وبنواميس التداول التي قد تحيلهم إلى الراحة، بل نحن أجيال الاستقلال الذين هرمنا.. هرمنا من تلك الممارسات البائدة. الرئيس بوتفليقة اعترف قبيل انتخابات ماي 2012 بأنه لم يعد يوجد مبرر الآن أمام إصرار الشيوخ على البقاء والاستمرار في إدارة شؤون الحكم، حيث قال في ولاية سطيف بملء فيه: ”طاب جناننا..” في إشارة منه إلى أنه حان الوقت لتسليم المشعل (الذي تعطل نصف قرن) إلى الكفاءات والمهارات الجزائرية الشابة المعطلة عن المساهمة في بناء الوطن، لكن للأسف أثبتت طريقة تنظيم الانتخابات ونتائجها عكس ذلك، وهو ما يشهد عليه تقرير اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات التشريعية التي أكدت  أن هذه الانتخابات لم تمر في ظروف طبيعية. وبسبب هذه الممارسات غير المسؤولة والمتكررة وغير المتبصرة بالعواقب، ضاعت منا فرصة ثمينة للتغيير السلمي والديمقراطي في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها العالم العربي والعالم ككل. كأن الجزائر بخير وفي حاجة فقط إلى استمرارية كما يتشدق بذلك صباح مساء رجالات النظام والحكم عندنا الذين يأكلون في الغلة وينعمون بالرفاه، بينما أغلبية الشعب فليذهبوا إلى الجحيم، ومن يقول غير ذلك يتهم بالنكران بل يصل حتى إلى الإدانة بالتخوين، وهذا ما يحيل دائما إلى طرح السؤال التقليدي من يحكم من؟ لأن حصان من يديرون شؤون الحكم لا يجر عربة المحكومين، بل هو جاثم خلفها ولا يقوى على الحركة. سمعت الكثير من أبناء هذا الشعب ممن لم تتوافر لهم فرص الرحيل إلى الضفة الأخرى في أوروبا أو إلى أي منطقة أخرى في العالم يكرر مقولة ”لو بقيت فرنسا في الجزائر لكان حالنا أفضل بكثير مما هو عليه الآن”، لكن بالرغم من تحفظي على هكذا مقولات التي من الممكن أن تصب في أخطر أنواع الخيانة الرمزية للوطن، إلا أن محاولة تفسيرها أو تأويلها بهدوء وبعيدا عن الحماسة المفرطة يمكن أن تحيلنا إلى حالة مزمنة من فقدان الثقة وتفاقم درجة خيبة المحكومين ممن يديرون شؤونهم، لا تحتاج حبوب مهدئة أو أقراص الهلوسة كما يسميها معمر القذافي بقدر ما هي في حاجة مستعجلة إلى عمليات جراحية عميقة وجوهرية.

نصف قرن من احتكار الأقلية الحاكمة للسلطة والثروات الريعية، والتضييق على الحريات، وخنق مساحات الرأي والتفكير الحر والإبداع، وسيادة الأحادية والخطاب الشعبوي والقبلية، والإقصاء والتعسف والتصلب البيروقراطي، وفقدان الثقة والمصداقية في مؤسسات الدولة، وتدهور سلم قيم المجتمع. خمسون سنة مضت ولازالت الطبقة الحاكمة التي بلغت من الكبر عتيّا تقوم بعمليات تجميلية علها تخفي وهنها وعجزها المكشوف، في الوقت الذي تخشى أن تضع مسيرتها وحصيلتها في الحكم أمام مرآة الحقيقة، هذا الرهاب لازم كل الحكومات المتعاقبة وجل الرؤساء الذين اختارهم النظام في الجزائر. الخوف المرضي من مجهر التقييم يرهن مستقبل التنمية في الجزائر، ويعطل كل إمكانية اختبار وامتحان التجارب على مدار نصف قرن مضى (أو أكثر) للتعلم من الأخطاء والاستفادة من الفشل في النهوض والانطلاق في تجربة التحديث .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق