ثقافة النثر والقصيد

ماهو الشعر

بوريس باسترناك – ترجمة أيمن أبو شعر

هو الصفيرُ المتكثفُ حتى يَتماهى كتلة
هو فرقعةُ قِطَعِ الثلجِ حين نضغَطُها
هو الليلُ ذو الأوراقِ المتَجَمِّدة
هو التنافسُ بينَ البلابل
هو حباتُ البازيلاءِ الحلوةِ المقموعة
هو دموعُ الكونِ في حزوزِ الفاصولياء
هو حاملةُ النوتةِ ، والمزمارُ ، والفيكارو
منهمرة بَرَدا على حُقيل
هو ما تبحثُ عنهُ الليالي
في أماكنِ العومِ العميقةِ .. في القاع
وجلبُها لنجمةٍ هناكَ إلى حوضِ الأسماك
على راحتيها الراجفتينِ الرطبتين
هو انحباسُ الهواءِ كرقائقِ الدفوفِ في الماء
هو جسدُ السماءِ حين تنحني مائلةً كشجرِ الحور
عندما يطيبُ لنجومِها ان تضحك
لكنَّ الكونَ كله ..
مكانٌ أصمٌ لا يجيدُ السماع.

الأورال البكر
في الغَيهب
دونَ قابلةٍ أو ذاكرة
كانت قلعةُ الأورالِ تستندُ على الليلِ
متلمسةً بيدِها
صاحت بقوةٍ وسقطتْ مغمىً عليها
وعبرَ عذاباتٍ مذهلةٍ ولدت الصباح
وتدحرَجت محدثةً قرقعةً متصادِمةً بشكلٍ عفوي
أشياء وبرونزاتٌ هائلةٌ نادرة
ولهاثُ قطارٍ من مكانٍ ما بعيد..
وهوت بتأثيرِ ذلك مائلةً أطيافُ الشجر
كان الفجرُ المشحَّرُ مثلَ تأثيرِ أقراصِ المنوّم
وكان منثورا – دون شك – للمعاملِ والجبال:
بواقدِ الغابات
بالوحشِ الخرافيِّ الشرير
وبسارقِ ما ..هو مثلُ الأفيون
لسامرِ الطريق
وصحا الآسيويونَ في النار
وهبطوا إلى الغاباتِ على الزحافات
من الشفقِ المتورِّد
لعقوا النعالَ ودسوا إلى الصنوبر التيجان
ونادوها إلى مملكةِ التتويج
أما الصنوبرات
فقد نهضتْ تحمي درجاتِ ترقي الملوك
ماضيةً فوقَ قشرةِ الجليدِ كغطاء
موشّضى بالمخملِ البرتقالي والحريرِ
المطرزِ والتوشية.

عصافير الستريجي
لا قوة أبدا لعصافيرِ (الستريجي) المسائية
كي توقفَ البرودةَ الزرقاء
التي انفلتتْ من صدورِها الصاخبة
وراحت تنسكبُ حيثُ لا يمكنُ إيقافُها
ليس لدى عصافيرِ الستريجي المسائيةِ
أيُّ شيءٍ في الأعالي يعيقُ هتافَها المنتصر:
أيتها المهابة
أنظروا إلى الأرضِ هربت
تخرجُ الرطوبةُ الثرثارة
كماءٍ يغلي في دورق
كنُبيع أبيض
أنظروا.. أنظروا ..لا مكانَ للأرض
من طرفِ السماءِ حتى الهاوية.

بستان الحلم
مثل قدرٍ برونزيٍّ مليءٍ بالسخام
يتغطى بستانُ الحلمِ بالجعلان
معي مع شمعتي بشكلٍ متوازٍ
تتعلقُ عوالمُ متفتحة
أدخلُ في هذا الليل
كدخولي في دينٍ بكر
حيث الحور الرماديُ المتهدلُ
يحجبُ الدربَ القمري
حيثُ البركةُ مثل سرٍ متماه
حيثُ يهمسُ اضطرابُ شذى التفاح
حيث البستانُ معلقٌ بوتدٍ
ويسندُ السماء َأمامه

شتويات
فُتحَ البابُ، وانسابَ الهواءُ
من الساحةِ بخاراً
عبرَ المطبخ
وكلُّ شيءٍ غدا قديماً خلالَ لحظة
كما في الطفولة ، في تلك العشيات
طقسٌ جافٌ وهاديء
وفي الشارع على بُعدِ خمسِ خطوات
يقفُ فصلُ الشتاءِ حييا عند المدخل
متردِداً في الدخول
الشتاء .. وكلُّ شيءٍ من جديدٍ لأولِ مرة
وإلى أبعادِ كانون المشيبة
تخرجُ الصفصافاتُ كالعميان
دونَ عصيٍ أو مرشد
والنهرُ في الجليدِ وفيه أيضا
شجرةُ السفرجلِ المتجمدة
وانتصبت قبةُ السماءِ السوداء
متقاطعةً بشكلٍ عرضي
على صفحةِ الجليدِ العاري
كمرآةٍ على مسندِها
وأمامَها عندَ تقاطعٍ لم يمتلئ بالجليدِ تماما
انتصبت بتولا وقد انغرسَت نجمةٌ في شعرها
تتأملُ السطحَ الزجاجيَ للسماء
إنها ترتابُ سِرّاً
فلعلَّ الشتاءَ طافحٌ بالأعاجيب
كما لا يمكنُ أن نتصور
هناك في بيتٍ ريفيٍ قاصٍ
كما هو الأمرُ عندها في الأعالي .

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق