قراءات ودراسات

الثقافة العربيَّة والإعلام!

أ.د/عبدالله بن أحمد الفَيفي

ليس من المبالغة القول: إن الإعلام العربيّ لم يُفِد كثيرًا من انفتاح الفضاء لكي ينشر العِلم والوعي والمعرفة، اللهم إلاّ في أضيق الحدود. ويبدو الخلل كامنًا- إلى أسباب أخرى- في إدارة الثقافة على نحو عصريٍّ فعّال، وفي تنظيم فعاليَّاتها بصفةٍ تراعي تعقيدات الحياة اليوم. فلقد كان في الإمكان إتاحة تلقِّي المواد الثقافيَّة على نطاقٍ واسعٍ، وبأسلوب يواكب المستجدَّات، بحيث لا يُحرم كثيرون من متابعة الأنشطة المختلفة والإفادة منها، إمَّا بسبب تزامنها، أو لتعارضها مع ظروف المتلقِّي، أو بُعده عن أماكن إقامتها. كما أن الأخذ بوسائل الإعلام الحديثة ووسائل الاتصال المعاصرة كان سيُلغي بعض العجز في فترات (البيات الثقافيّ الصيفيِّ) وغير الصيفيِّ، التي تبدو خاليةً غالبًا من الحراك الثقافي، إنْ لدى المؤسَّسات أو بين الجماهير. ذلك أن الثقافة اليوم لم تَعُد: محاضِرًا يُلقي دُرَرَه السَّنِيَّة على آمِّيْهِ ومريديه من عُلُوِّ منبره، والناس تتجشَّم المشاقَّ وتقطع المسافات للتحلُّق من حوله، كي تتلقَّف ما يُلقي عليها.. وتهزّ الرؤوس!

 

ويأتي هذا القصور في بثِّ الثقافة الجادَّة، البانية، في وقتٍ يعجّ الفضاء العربيّ بالفضائيَّات الشعبيَّة، والمروِّجة لأنماط غيبويَّة، من الدَّجل والترَّهات. وبعد أن كان المأمول أن تُمْحَى الأُمِّيَّة في أوطاننا- وإنْ في حدِّها الأدنى (الأُمِّيَّة الكتابيَّة)- عُدنا إلى عصرٍ سماعيٍّ شفاهيٍّ، وقَبَلِيٍّ (إِبِلِيٍّ)، بفضل الثقافة الشعبويَّة، مسموعةً ومرئيَّةً ومكتوبةً، بكلّ ما يعنيه ذلك من تراجعٍ اجتماعيٍّ ومعرفيٍّ وقيميٍّ وثقافيٍّ، وكلّ ما يَضُخُّه في شرائح المستهدَفين من عصبيَّات وعنصريَّات، تُفتِّت البنيات الاجتماعيَّة والثقافيَّة إلى عشائر وفئات وطوائف.

إن المشروع العربيّ الكبير في التوحُّد والتطوُّر يبدو مهدَّدًا اليوم، بما يُراد له من أن يعود القهقرَى، بفضل نبش الماضي البئيس، من خلال الشِّعريَّات العامِّيَّة، والمهرجانات الشعبيَّة- غير المرشَّدة- سواء حول (مزايين الأدب) أو (مزايين الإبل)! وفي سبيل هذه الأخيرة، تتبدَّى سلبيَّات أخرى، ليس أقلّها تبذير مئات الملايين من الأموال في غير طائل، وإنما على تلك النُّوق والأباعر، ممَّا لو أُنفق بعضه في أحد المشاريع الخيريَّة الوطنيَّة، أو في مشاريع تدفع بالثقافة إلى الأمام لا إلى الخلف، لكان ذلك أبقَى، بل لكان صِيته أجدى لمَن يطلب الصِّيت والذِّكر الحسن. ولا يعني ما تقدَّم رفض تلك الفعاليَّات جملةً، إذ لا تعدم ما هو مفيد، وضروريّ، وقيِّم. ولكنه يعني تقديم الأهمّ على المهمّ، وأن لا يُجعل بَيض الثقافة والإعلام في سلَّةٍ واحدةٍ، هي الأوهى والأكثر عُرضة للسقوط.

وليس من الممكن في هذا السياق التغافل عن أن الشِّعر- وإنْ كان وعاء اللغة وحامل روح الأُمَّة ونبع ضميرها- قد حمل قِسْطٌ منه إلى ذلك غير قليلٍ من غثاء التاريخ، الحافل بتناحر العرب، وسِجِلّ تقاليدهم، من التنابز بالألقاب، وجهلهم فوق جهل الجاهلين، حقيقةً لا مجازًا، عَبْر كُلّ الأجيال. واستطرادًا، قد نرى أن جهل العرب القديم كان أهون من جهل العصر الحاضر، المغذَّى بالشِّعر والإعلام. ولعلّ بعضًا يستشهد- في هذا السياق- بقول (عمرو بن كلثوم) من معلَّقته:

أَلا لا يَجهَلَن أَحَدٌ عَلَينا  **  فَنَجهَلَ فَوقَ جَهلِ الجاهِلينا

على جاهلية الشاعر العمياء، ومفاخرته بالجهل فوق الجهل. وبقطع النظر عن ثقافة الشاعر، فلا يُعدّ هذا اعترافًا منه بالجهل، ولا يصلح شاهدًا عليه؛ لأن قوله «فنجهل فوق جهل الجاهلين» إنما هو مجازٌ مرسل- كما يقول البلاغيُّون- لعلاقة السببيَّة بين الفعل وردّ الفعل؛ فالجهل الأوَّل في البيت حقيقيّ والآخر مجازيّ. وقد جاء في القرآن الكريم مثلًا: «فجزاءُ سيِّئةٍ سيِّئةٌ مثلها». مع أن الجزاء ليس بسيِّئة. وكذا قوله: «وَمَكَرُوا، وَمَكَرَ اللَّـهُ، وَاللَّـهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ». وكم بين الحقيقة والمجاز من مزالق دلاليَّة على غير البصير بأساليب التعبير، آخِذًا الكلام على ظاهر معناه! أمَّا ما قد يغذِّيه شِعرنا وإعلامنا فجهلٌ فوق ما أشار إليه ابن كلثوم. يتشرَّبه الطفل منذ يعي، وقبل أن يَثْقَف شيئًا- أي مذ أناشيد ترقيص الأطفال، الحافلة ببذار تلك القِيَم- فإذا هو يشبّ عن الطَّوْق وفيه جاهليَّةٌ صميمةٌ صمَّاء، هي في أساسها جاهليَّة آبائه المعتَّقة بالشِّعريَّة. ولعله إنما جاء الحديث النبوي: «لأنْ يمتلئ جَوْفُ أحدكم قَيْحًا، خيرٌ له من أنْ يمتلئ شِعرًا»، أو «لأنْ يمتلئ جَوْفُ رجلٍ قَيْحًا يَرِيهِ، خيرٌ من أنْ يمتلئ شِعرًا»، عن ذلك الشراب الموبوء تحديدًا، الذي يحمل إلى النفس شتَّى الأوبئة والأسقام، للتنفير من هذا النوع من الأدب، إنْ صحَّت تسميته أدبًا!

ولا مراء أن ما تتبنَّى بثَّه بعض القنوات الفضائيَّة العربيَّة اليوم من الشِّعر النبطيّ ما زال يحمل تلك الروح القديمة: كروح احتقار المرأة، على سبيل المثال، وكلّ ما يمتُّ إلى المرأة بصلة، وضرب الأمثال بها، كنموذج ضعفٍ واتِّضاع قيمة، أو اتِّخاذها موضوعةَ لهوٍ، وتلذُّذٍ، ومتعةٍ ذكوريَّةٍ صارخة. واحتقار المرأة تربيةٌ أدبيَّةٌ قَبَليَّةٌ معروفة، يُنشَّأ عليها الطفل الذَّكَر، والطفلة الأنثى. وقد ظلَّت المرأة- وكما يشخِّصها الشِّعر- سِلْعةً، مبيعة مشتراة، تُساق وتُدفع سَوْقَ السائمة والجلائب، وتُذبح على مذبح الزوجيَّة أو غير الزوجيَّة، كنعجةٍ، لا إرادة لها، ولا خيار أمامها، ولا احترام لإنسانيَّتها، ولا التفاتة إلى كرامتها، أو رغباتها، وإرادتها. «وَإِذَا بُشِّرَ‌ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَ‌ىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ‌ بِهِ، أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُوْنٍ؟ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَ‌ابِ؟ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ!». وإذ لم يَعُد بإمكان أحدهم اليوم أن «يدسَّه في التراب» الأرضيّ، فهو سيدسُّه في «التراب الاجتماعيّ والثقافيّ»، وقد يَدُسّ لأُمِّ «مَا بُشِّرَ‌ بِهِ» ورقة طلاقها أيضًا، أو يتَّخذ عليها زوجًا أخرى، مِذْكارًا! بل لِـمَ «الدَّسُّ» أصلًا، فتلك محض حقوقه التي لا نزاع فيها، وصلاحيَّاته التي لا تردُّد في ممارستها، وعلى رؤوس الأشهاد. لِمَ لا، وما المرأة سوى حبيسته، مُلك يمينٍ، أو مُلك عصمةٍ، وعورة بيت. وكما وُظِّف الدِّين في خدمة السلطنات السياسيَّة، وتبرير استبداداتها، مهما بَلَغَتْ، وُظِّف الدِّين كذلك في خدمة السلطنات الذكوريَّة، وتبرير استبداداتها، مهما بَلَغَتْ. وإلَّا فما كان كذلك رسول الله، فيما نعلم من صحيح السِّيرة. والذين يُعرِّضون بكثرة زوجات الرسول، يتغافلون، عمدًا أو جهلًا، عن أن معظمهنّ كنّ من العجائز، والأرامل، والفقيرات، وأنهنّ كُنّ الراغبات في رعايته وحمايته وإعالته، وليس هو الحريص على التكثُّر منهنّ. وما ثَبَتَ سوى ذلك عن إحداهنّ قط. ولقد كان يصبر عليهن، بل يعاني ما يعاني منهن، كما ورد عن ذلك في القرآن الكريم؛ لأنهنّ نساء كسائر النساء، وإنْ كُنّ أمهات المؤمنين. فلم يَضْرِب مرَّةً، ولم يعنِّف، بل ما زال حتى آخر أنفاسه يوصي بهنّ خيرًا، وكأنَّه يدور في خَلَده ما سيؤول إليه الحال. فبأيِّ دِينٍ، أم بأيِّ قِيَمٍ اجتماعيَّة يحتذي هؤلاء. ولقد كان للمرأة في المجتمع العربيّ شأوٌ عظيم، سما في بعض الأحيان على شأو الرجال. فالعربيَّة الحُرَّة لم تكن بأقلّ من العربيّ الحُرّ مكانةً، إنْ لم تَفُقْه. فمتى حدثت الانتكاسة العظمى في النظرة العربيَّة إلى المرأة؟ ذلك محلّ بحثٍ، حقيق أن يَسْبُر تاريخ هذا الداء العضال، الذي أصبح العلامة الفارقة للعربي المسلم في العالمِين! ولا اغترار هنا بما قد يُشار إليه من مكانةٍ كانت للمرأة قبل حينٍ في البادية أو في الرِّيف؛ لأن ذلك هو الاستثناء لا القاعدة؛ ولأنه لا يأتي أصلًا عن اعترافٍ بمنزلة المرأة، وإنما لتسخيرها لتنوب عن الرجل في بعض المهمَّات عند الضرورة، غير أنها تظلّ دُوْنًا في ميزان الإنسانيَّة لديه. وإلَّا جيئوا لنا بقبيلةٍ عربيَّةٍ نصَّبت امرأةً شيخًا، أو شيخة، مثلًا، كما كانت تفعل بعض قبائل العرب قبل الإسلام، أو امرأة جُعلتْ لها مكانة قياديَّة مرموقة، تقترب من مكانة الرجل، كهند بنت عتبة في الجاهليَّة، أو عائشة بنت أبي بكر في الإسلام! ولا نعني هنا تكليفها ما ليس من طبيعتها من عظائم الأمور، بل ما هي قادرة عليه من أمورٍ ذهنيَّةٍ أو إداريَّةٍ ونحوها. ومَن ذا يشك أن لقيم الشِّعر المتخلِّفة علاقتها بذلك كلِّه؟ ذلك أن الشِّعر (مِلَّةُ العرب)، ونبراسها، وسحرها، وخمرها. ولعلَّه لشيءٍ من هذا كان موقف الإسلام من الشِّعر ومن غواياته، التي لا يكاد يستقيم معها منهاج.

أجل، سيظلّ للثقافة الإعلاميَّة العربيَّة اختيار نَجْدٍ من نَجْدَين، إمّا أن تؤدِّي دورها الباني، أو أن تؤدّي دورها الهدَّام، ولن تجد أقوى من الشِّعر مِعْوَلًا في الحالين.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق