قراءات ودراسات

الروايةُ الصرخةُ وما بعد النزوة

قراءة في رواية "نزوة قابيل" للأديبة اليمنية د بلقيس الكبسي.

ابراهيم أوحسين*

إننا حقا في مرحلة تاريخية وحضارية حاسمة،ونقصد بلا شك، نحن المنتمين إلى هذا الجزء العربي الثابت على هذه الأرض المتحركة والمتحولة على الدوام. وإذ نعبر هنا بعبارة “الحسم”، فإننا حقا إزاء قرار نهائي لا رجعة بعده، مفاده : نكون أو لا نكون !

بهذا أومأت الأديبة بلقيس الكبسي في باكورتها الروائية “نزوة قابيل” وإن لم تكن الإيماءة باللفظ الصريح، وبهذا زحرت وصرخت، رافعة عقيرتها أمام العالم بكتابة الذات، ممتطية صهوة السرد حينا، وصهوة الشعر حينا آخر؛ والتمازج الشعري والنثري – على كل حال – يضفيان على العمل الأدبي بشكل عام جمالية لغوية تنضاف لجودة سبك المبنى وتشييد المعنى، ومن ههنا ننطلق، مشيرين إلى أن القراءة هاته تتوخى التعريف بالعمل مع إلقاء طيوف ضوئية على بعض جوانبها، دون السعي إلى تقمص دور الناقد ومازلنا في صفوف القراء لا أقل ولا أكثر.

إذا جاز لنا اللعب بالألفاظ نوعا ما، قلنا بلا مواربة إن العمل الروائي الماثل بين يدينا لهو “رصاصة مسدس” بالتعريف التقليدي للشيء الجامعِ الحجمَ الصغير والمفعولَ الكبير في آن. ولعل مئة وثمانين صفحة تثبت بجلاء ما زعمناه في ذياك التشبيه في شقه الأول، أما المفعول الكبير فقصدنا رأسا حجم ما بسطته الكاتبة على امتداد هذه الصفحات من معاناة دموية ألمّت باليمن حضارةً وتاريخا وشعبا على حين غرة، بعدما داهمتها قوى التحالف العربية- فيما سمي بعاصفة الحزم-، مجبرة إياها الدخول في متاهات حرب اشتعلت منذ 2015 ولم ينطفئ – للأسف- فتيلها إلى اليوم، وكأن نبوءة البردُّوني قد تحققت حين أنشد قبل سبع وأربعين عاما :

وُلدتْ صنعاءُ بسِبْتَمْبَرْ // كي تَلقى الموت بنُوفَمْبَرْ

وتموتُ بيومٍ مشهورٍ // كي تولدَ في يومٍ أشْهَرْ

وتظلّ تموت لكي تحيا // وتموت لكي تحيا أكثرْ

هي صرخة يكاد دويّها يبلُغُ العالم العربي من أقصاه إلى أدناه، ومن شماله إلى جنوبه، تماما كصرخة المرأة – في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم – المنتهك عرضها من يهودي من بني قينقاع، فكان أن تحرك جيش كامل لنصرتها واستجابة لندائها؛ أو كالعربية المسجونة بعمورية أيام الخليفة المعتصم، هذا الأخير الذي أعد جيشا بحياله أمام استغاثتها واستنجادها بصيحتها المشهورة : وامعتصماه !؛ أو كاللواتي صرخن في الهند والسند ” واحجَّاجاه !” مستنجدات بالحجاج بن يوسف. وإن شئنا التخفف من استدعاء المواضي مخافة إخجالنا،استدعينا علوم الفيزياء إلى حاق الأدب فشبَّهنا صرخة الكاتبة بمفعول أثر الفراشة (نظرية الفوضى)، حيث تستحيل رفرفة جناح في الصين فيضانات وإعصارات ورياحا هادرة في أقاصي أمريكا أو أفريقيا أو أوروبا. فمن يسمع عويل نساء اليمن وقد ولّى زمن المعتصم؟ ومن لمملكة سبأ ولم تعد بها فراشات ترفرف؟ ومن لذاك الماضي الهادئ الجميل إذا كان الحاضر قد نصب كمائنه وألغامه في كل مكان؟ من يحرر رسالة لسيف بن ذي يَزَن يستدعيه من عالمه الروحاني لعله يطهر البلاد ويحرر العباد؟ هي أسئلة محرجة وأخرى طرحتها الرواية استنكارا، تاركة المستقبل القريب أو لعله البعيد يقدم أجوبة شافية لها، لأنه سيكون آنئذ الشاهد الوحيد على تداعيات الماضي المُعاش اليوم .

الغلاف/ العنوان : لمحة سريعة

إن مجرد إلقاء النظرة الأولى على غلاف الرواية وعناصره المتداخلة كاف للتخمين ولإصدار حكم مبدئي على ما قد يحويه هذا العمل الأدبي، خصوصا عند التمعن في العنوان (نزوة قابيل) المحيل رأسا على قصة قابيل وهابيل في الموروث الديني، سواء اليهودي أو المسيحي أو الإسلامي،الذي تكاد تُجمع أدبياته على ثبوت الجريمة الأولى في التاريخ البشري (قتل قابيل أخاه هابيل)، مع اضطراب واضح في ثبات الأسباب المقترنة بالقرابين. لكن على كل حال، شخصية قابيل مرتبطة في الوعي الجمعي بالقتل وباستنان الإجرام في السلوك البشري، بالرغم من تحفُّظنا على مصطلح “نزوة”، المرتبط في أدبيات علم النفس بالحالة الشعورية المتواصلة التي تولّد سلوكات متكررة إشباعا لحاجة ما، عكس السلوك القابيلي الذي – على ما يبدو – لم يتكرر مرة أخرى؛ إنما يسوغ توظيف المصطلح على سبيل الإشارة إلى الحرب اليمنية المُشتجَرة غير المنتهية . لن نطيل التوقف عند أعتاب العنوان كثيرا ، فالعناوين وإن كانت المنفذ الأول لأي عمل مهما كان، إلا أنها قاصرة إلى حد كبير عن الوشاية بما يكتنزه المتن بين دفتي الغلاف؛ إذ نزعم أن عنوانا مثل “الإخوة كرامازوف” – للروسي ديستوفسكي – يستحيل أن يقدم لنا أبسط الملامح عن العالم الإنساني المتشعب والمتنوع المبسوط بين أحداث هذا العمل الكبير وقس على ذلك. نشير كذلك إلى أن الكاتبة هنا اختارت نمطا دارجا من العناوين، وهو المُعرب نحويا خبراً لمبتدأ محذوف تقديره اسم إشارة (تقدير الجملة : هذه نزوة قابيل) . أما الغلاف الخارجي للرواية، سواء كان من مخيال الكاتبة أو من مخيال المصمم، فله ما يبرره شكلا ومضمونا؛ فاختيار اللون الأسود لونا مكتسحا وطاغيا يبعث برسالة تلقائيا إلى المتلقي مضمونها الحزن والغموض والضياع والأفق المسدود، في حين أن السواد أيضا يرمز للجمال وللأناقة وللسكون وللحب، وكم احتفى العرب بهذا اللون في خواطرهم وفي أشعارهم،إذ لازلنا نتذكر قول قيس بن الملوح :

وقالوا عنكِ سوداء حبشية // ولولا سوادُ المسكِ ما بِيعَ غالِيَا

وقول القائل :

إذا لبس البياضَ صار بدراً // وإن لبس السَّوادَ سَبَى العِبَادَا

وغيرها من الأعمال الأدبية المحتفية بالسواد، نذكر مثالا لا حصرا : أرض السواد /عبد الرحمن منيف؛ حليب أسود / إليف شافاك؛ الأسود يليق بك/ أحلام مستغانمي؛ العسكري الأسود/ يوسف إدريس؛ غواية السواد/ كريم بلاد؛ التراب الأسود / أيوب النحاس … وغيرها قديما وحديثا. يشار كذلك إلى أن الغلاف ضم تسعة مؤلفات شعرية ونثرية، كما يمكن للقارئ منا ملاحظة العبارة المُذَيِّلة للدفة الخلفية المقتبسة من متن الرواية نفسها، التي تقول : ” الحرب لا تنام والحب لا حد له، لذلك لن أخوض أية حروب فاشلة مهما تمادى الألم لن أنهزم، لن أجازف بالقلب ، سألزم الصلاة والحب، يقينا سأنتصر …”؛ عبارة وشت بالكلمتين / المفتاحين اللتين يجوز بهما الدَّلف إلى عمق الرواية وغورها، وهما : الحب والحرب …

الحب والحرب : ثنائية التلازم والترادف

كانت ثنائية الحب والحرب ولا تزال الشغل الشاغل للكائن البشري العاقل،بل، إن معظم تاريخ الإنسان تاريخُ حربٍ وحبٍّ؛ فإذا كان الحب بلا شك غريزة آدمية ، فالحرب كما زعم ابن خلدون في مقدمته ” أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل”.و إن ثبتت الثنائية في حق الإنسان،فلن نبالغ إن أثبتناها أيضا في حق غير العقلاء ، ونقصد الحيوان بالذات؛ فهو كما تحدث عنه الجاحظ في موسوعته الحيوان لا يمنعه ارتقاءه سلّم الإنسانية سوى عوزه إلى القدرة على التفكير والوصول إلى حرية الاختيار، أما ما عدا ذلك، فهو مضارع للإنسان في أغلب غرائزه، وهو إذن محبٌّ ومحاربٌ . فإذا كان الأمر كذلك فمن غير المستغرب أن نجد في الأساطير اليونانية والإغريقية حديثا واسعا عن آلهتي الحب والحرب (إيروس وآريس)؛ ومن نافلة القول إذن التذكير بقصص تاريخية كان الحب والحرب فيها الحبكة الثابتة والمتحولة ، وهنا نقصد حرب طروادة، وحرب قبيلة بكر بن وائل من أجل الجليلة حبيبة كُليب بن ربيعة، وبطولات عنترة العبسي من أجل عبلة بنت مالك، وغيرها كثير؛ كما يمكن التذكير على السواء بأعمال روائية احتفت بهاتيك الثنائية لا على سبيل الإمتاع والمؤانسة فحسب، بل، لأن أحدهما حقا يستلزم الآخر ومرادف له بشكل ما وإن بدا لنا الموضوعان على طرفي نقيض؛ ولنا مثال في :” في الحب والحرب ” و” لمن تقرع الأجراس” / همنغواي ؛ “عالقة بين الحب والحرب” / أريج الخصاونة ؛ ” لماذا تكرهين ريمارك؟” / محمد علوان جبر؛ “أوان الحب أوان الحرب” / كريم بلاد ؛ “الدرب الضيق إلى مجاهل الشمال ” / ريتشارد فلاناغان؛ ” وقت للحب.. وقت للحرب ” / إريك ريمارك ؛ “ذهب مع الريح” / مارغريت ميتشل؛ ” دكتور جيفاكو ” / موريس باسترناك ؛ “باب الشمس” / إلياس خوري ؛ ” نوستالجيا الحب والدمار” / السعيد الخيز؛ “أحضان مالحة” / ريمة راعي… وغيرها من أعمال نظرت إلى الثنائية من زوايا متعددة، مُضْفِية عليها لمستها النوعية في الحدث والمخيال والشخوص، وكذا في الزمان والمكان. إنها الثنائية التي ألهمت الشعراء والروائيين والمفكرين، بل، شغلت حتى علماء النفس كفرويد مؤلف كتاب ” الحب والحرب والحضارة والموت “، و مايكل ماتيوز صاحب كتاب ” رأس صلب “، والموضوع على كل حال له امتدادات وتشعبات في مختلف المجالات المعرفية الإنسانية ، إلا أن المقام لا يتسع للإسهاب وللتفصيل، وسنكتفي بما تم إيراده وإن اتسم بالإيجاز.

الرواية : المتنُ حاملا موضوعتي الحب والحرب.

يُحسب للكاتبة في الحقيقة جرأتها – وهي تكتب عملها الروائي الأول – على الجمع بين موضوعي الحب والحرب، لما يتسمان به من صعوبة في التناول والتفكيك، فالأول مَعينه العاطفة ودواخل الوجدان، والثاني يصنع المآسي الكبرى ويفتح العين على مشاهد لا تتأتى إلا للقليل، بل، إن الحرب تُلجم اللسان وتُجمّد الأقلام وتُوقف التفكير؛ لكن الروائية استطاعت – بعدما أخذ الشعب اليمني في التعوُّد على آثار تلك الحرب العدوانية – حزم أمرها واستجماع قواها الذاتية والانفعالية، وتمكنت من كتابة باكورتها الأولى ” نزوة قابيل” مُنهية إياها قبل انتهاء الحرب التي مازالت تحصد الحصائد إلى يوم الناس هذا كما أسلفنا بالذكر.

الرواية صيغت من عشر فصول ومن ثنتين وثمانين ومئة صحيفة ، مما يُبرز بجلاء أن الكاتبة إنما كتمت مأساتها الحقيقية وجروحها الغائرة ولم تبح إلا بالنزر اليسير عوض إيثار الكتمان والصمت.

استأنفت الكاتبة روايتها بمعجم مِلنخولي تطبعه السوداوية وكل مفردات الكآبة واليأس والضياع والألم – كأنك تقرأ بؤساء فيكتور هوغو أو جين آير لشارلوت برونتي- ، والأصل أن تكون لغة تصف الحرب ومخلفاتها كذلك، فاختارت الكاتبة اقتحام معمعان الحرب وساحتها ووصف ما أحدثته القذائف والقنابل في حضارة امتدت لآلاف السنين وفي بلد أصبح في طرفة عين أكواما من جثث بشرية متعفنة وركاما من حيطان أسمنتية وأخرى حجرية. كل شيء عاد القهقرى وعاد به الزمن خلفًا حتى غدت اليمن بقايا دولة وأشلاء تاريخ . هكذا نظرت البطلة ” تُوق “إلى المشهد خصوصا بعدما تُوفي أبوها وأمها وجدّتها نتيجة إحدى القذائف المفاجئة التي أصابت بيت الأسرة جاعلة إياه أثرا بعد عين، إضافة لفقدان أخيها الأكبر “تاج” وعدم ظهور أثر له سواء بين الأحياء أو بين الموتى، بالرغم من وجود شبيه له في غرفة حفظ الجثث.هنا، تتساءل تُوق : لماذا يُقصف المدنيون العُزَّل المجرّدون من كل درع واقٍ؟ السؤال الذي يحيلنا مباشرة إلى مقولة روسو في عقده الاجتماعي مؤكدا أن الحروب إنما هي علاقة بين الدول لا بين البشر، والعداء يكون للجندي لا للإنسان الأعزل؛ كما يحيلنا السؤال بالضرورة إلى الموضوعة القديمة الجديدة : الحرب والأخلاق. هي أسئلة لم تتعرض لها تُوق بالإجابة الفلسفية في تضاعيف الأحداث وإن حامت حول حماها في بعض المقاطع. المهم أن البقية الناجية من الأسرة (توق) انتقلت للعيش مع العمّ “راجي” بعدما قضت توق أياما في المستشفى، الحدث الذي سيولّد صراعات وتجاذبات نفسية وعاطفية تارة مع زوجة عمها ” دهمة” – المتسلطة الظالمة- وتارة مع ابن العم ” ركان” بارقة الأمل وجذوة الحب الأولى؛ هنا ستتقمص توق ثلاثة أدوار بالضبط مُحافِظة عليها إلى نهاية الرواية : الصراع مع دهمة و البحث عن الأخ المفقود ومشاركة “ركان” ابن عمها مشاعر حب عذري. يستمر هذا الدور ثلاثي المسارات إلى محطات تُفاجئ حقيقة أفق انتظار القارئ، بل، يبدو أن الكاتبة استعجلت إنهاء الرواية وختمها ، لأنها – ونقصد الكاتبة والبطلة في ذات الوقت- كالتي يُطلب منها رسم وشوم على جسد جثة ساكنة !! من أين لها بالنفس الطويل لابتداع أحداث أخرى في روايتها والجرح المفتوح أعمق مما نظن؟؟ هكذا تداعت الأحداث بسرعة، فأضحت دهمة المتسلطة مُقعدة بعدما غادر الزوج البيت ، واختفى ركان بعد انضمامه لصفوف المدافعين عن الوطن، واستطاعت توق العثور على أخيها المفقود لكن بذاكرة مفقودة كذلك؛ فلم يكن أمام توق إلا الاعتناء بدهمة وبالبيت الذي أصبح شبه فارغ، منتظرة حبيبها ركان لعل المستقبل يجود به يوما ما.

صنع الحرب والموت ما صنعاه في اليمن الجريح، وكان ما كان من شأن الأرواح والجدران، وقد تساءلت الروائية في تضاعيف الرواية : ما الذي يمكن أن يحدث بعد الذي حدث؟ الأحباب شأنهم شأن الموتى أو المفقودين، والوطن تلاشى ودُفن تحت التراب … كأنها في الحقيقة تُذَكِّرنا بأبيات عبد العزيز الماجشون أحد فقهاء المدينة – في عهد الخليفة العباسي المهدي – حين فقد أحبابه قائلا :

للهِ باكٍ على أحبابهِ جَزَعَا // قد كُنتُ أَحْذَرُ هذا قبل أن يَقَعَا

ما كان والله شُؤْمُ الدّهر يتركني // حتى يُجرِّعَنِي من بَعْدِهِمْ جُرَعَا

إن الزمان رأى إِلْفّ السّرورِ لَنَا // فَدَبَّ بِالبَينِ فيما بيننا وَسَعَى

فليصنعِ الدّهرُ بي ما شاء مُجتهداً // فلا زيادَةَ شيءٍ فوق ما صَنَعَا

إلا أن الحرب لم يمنع الحب من الميلاد والترعرع، كما لم تمنعه الكوليرا في رائعة كارسيا مركيز، بل، من المصائب ما يجعل هذه العاطفة الإنسانية تبزغ وتتنامى؛ أَ لَمْ يتذكر عنترة ثغر عبلة المتبسّم في خضم إحدى معارك عبْس الحامية؟

إن الموت ينجب الحياة بلا شك، كالحرب تتعهد الحب في رحمها، وما تَوَلَّدَ بين ركان وتوق تحت نير لهيب القذائف إنما هي مشاعر حب عذري بدأ ولم ينته؛ رباط عاطفي جعل البطلة توق تشتبك بحبائل السراب والوهم، خصوصا بعد مغادرة ركان بيت العشق إلى خط اللاعودة… وهكذا الحب ،كما ذكر ابن حزم الأندلسي في طوق الحمامة ، أوّله هزل وآخره جِدّ ، ولا يتعانى تداعياته حقيقة إلا من تعاطاه بجدية تامة وتصدى لِلُجَجِهِ الهادرة، وهنا تقدم لنا توق درسا في الوفاء رغم ما يلتبس به من انتظارية ذات أفق متلاشٍ، مؤكدة في ختام الرواية بقاءها على العهد وعلى ذكرى البدايات؛ تقول (ص 182) : ” سأنتظرك سواء راودتك مسافات الإياب أو باعدتك سنون الغياب، سواء عدت أو لم تعد، سأبقى على قيد الوطن ” .

الخاتمة : الباب المفتوح وما بعد النزوة…

البقاء على قيد الوطن إنما هو إحالة على خاتمة مفتوحة، والكاتبة طبعا أذكى من أن تجعل لروايتها نهاية قاطعة، مادامت الحرب مستمرة ولم يخمد لهيبها بعد. الرواية إذن فتحت احتمالا لنهايات متعددة يمكن أن تختم الأحداث البدئية. وإن شئنا الحديث بلغة المناطقة، أكدنا بلا مجازفة، أن أي عمل روائي مهما كانت أحداثها وشروطها ومنطلقاتها الأولية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال تثبيت نهاية واحدة وإن كانت منسجمة حدّ الكمال مع السياق الروائي العام. إن النهايات الروائية إنما تُكتب اضطرارا لضبط العمل بعدد صفحات محدد دون تمطيط الأحداث إلى حد الشعور بأننا أمام أوديسة أو ملاحم مطوّلة. والحقيقة أنه مادامت الفيزياء المعاصرة استسلمت لمفهوم الزمكان (ارتباط الزمن بالمكان دون فيصل)، فالحدث إن كانت له بداية فنهايته أبعد في المستقبل مما نظن.

ماذا بعد النزوة؟ سؤال يؤرق القارئ أكثر مما أرّق الكاتبة بلقيس الكبسي، كونه يطرح سؤال موازيا يدخل في علم الغيب الخارج عن طوق علم اليقينيات، وهو ببساطة : متى تنتهي حروب العرب؟ أو على مستوى أعلى ، متى تنتهي الحروب جملة؟ متى تنقضي أطماع المقتاتين على آلام الشعوب؟ … أو لعلها لن تنقضي الأطماع مادامت جزءا من الذات الطامحة والمتطلعة… هنا ينبغي الغوص في رواية ” كي لا تنتهي الحرب” لجورج فرشخ، فلعلّه يطلعنا على نزوة أخرى بعد نزوة قابيل.

إبراهيم أوحسين – المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق