ثقافة السرد

من يبعث الألم

هدى توفيق*

….

هكذا رقدت ساكنة.. لا أعرف هذه المرة ما الذي يؤلمها.. كنت أودُّ أنْ أقول لها أن تصبر، لكن أحيانًا الكلمات لا تُجدِي.. فهذه المرة لم تبكِ.. ولم تقُل إنها تكرهه.. وإنها تحملت ما تحملته من أجلنا.. ألقيتُ عليها الأغطية لعلّ ما تعانيه من برد يترك جسدها الضعيف. سرتُ في الردهة القصيرة ما بين حجرتي وحجرتها، أفكر في ما يمكن أنْ أفعله من أجلها.. قلت لنفسي:

– «لابد أنْ يدفع كل إنسان ثمن تملُّكه للآخر».

قال لي هذا الذي فاجأني في صمتي:

– «لماذا هذا الانكسار في عينيك؟»

تَمَلَّكَني الشجن فبكيتُ، شعرتُ أنّ كل ما أملكه هو أنْ أذرف دموعي حتى تفني أو تجفَّ وحدها.

قال بلهجته المهاجمة التي أعتاد أنْ يخاطبني بها:

– «لستِ أول من تفقد طفلها».

شعرتُ أنّ الهاوية تتسع ما بيني وبين العالم بأسره.. هكذا أشعر فجأة ودونَ أي مقدمات بأنني يتيمة إلى أقصى درجات اليتم.. وفى حاجة إلى أبٍ كي أرتميَ بين ذراعيه، فيرفعني إلى أعلى بعيدًا عن تلك الأرض التي تشدُّني إلى أسفل.

قلتُ بعد أن تماسكتُ:

-«ليس طفلي الذي لم يرَ من الحياة يومًا هو ما يؤلمني.. فقد دفنتُ جثة أخرى لم تعرفها.. هي آخر رغبة لي في الحياة..»

سمعتُ حشرجة أنفاسها التي تلتقطها بصعوبة، فأسرعتُ إليها لأعطيها الدواء، فتأخذه من يدى كطفلة تتناول الطعام بعد جوع.

– آه يا أمي لو كنتِ أعطيتِني الدواء في فمي وأنا مريضة، وأطعمتِني بيدك وأنا جائعة، وتركتِني ألعب وأنا متعافية…!

أنت لا تعرفين سوى أنك صنعت بنتًا جميلة.. وهو لا يعرف سوى أنه جعلني امرأة ناضجة.. أما تلك المسافة الشاسعة ما بين هذه وتلك فجميعكم تجهلونها. جلستُ بجانبها حتى نامت.. فخرجتُ إليه حيث تركته هناك في الردهة القصيرة ما بين حجرتي وحجرتها واقفًا ينظر إليَّ كطفل فقد أمه…

قلت له:

– «أمس تركت طفولتي عندك تموت.. تتساقط رويدًا رويدًا كقطرات مياه الصنبور.. وأنا الآن امرأة حزينة..»

انقلبَت البراءة التي في عينيه إلى غضب، لاعنًا اليوم الذي عرف فيه حزني ثم ذهب وصفع الباب خلفه…

*كاتبة من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق