قراءات ودراسات

(النص) بين فكي اصطراعية مفهومي الحداثة- واقعا

أ.د.أمين احمد ثابت

ان التجربة الادبية لكتابة في القصة المروج لها في اليمن راهناً، تنتمي كلياً لحداثة المعاصرة في هذا المجال الادبي، والتي اخذت مكانها على الصعيد العربي لفن كتابة القصة القصيرة- جداً منذ تسعينيات القرن العشرين- وان كانت هذه التجريبية الفنية- الجديدة، ما زالت حتى لحظتنا الكتابية هذه لنا، غير محملة باي ادراك على ماذا يعتمد في هذا التجديد النمطي- لفن القصة وهل يأخذ تنميطاً مكتملاً بديلاً أو اضافياً لفن كتابة القصة ام لا، وهل هذه التجريبية- المغايرة- تمثل ضرورة حتمية (أي تمثل حاجة ملحة لكون ان التجديد التجريبي داخل شروط وقواعد بناء القصة القصيرة- إلى ما قبل 1990م- لم يعد ملبياً لحاجات الابداع (الجمالي) لهذا المجال ولم يعد قابلاً لحمولة القيم- أي ان النص اصبح من الضعف نسقاً بحيث تكون القيم اثقل منه، فلا تقوى كل انماط كتابة القصة القصيرة، بما فيها الاقصوصة- معالم ما قبل العولمة العربية- ان تحمل القيم التي وكان التجريب الجديد (الارهاصي) لفن كتابة القصة القصيرة هو الوحيد القادر على ذلك- ام ان هذه التجريبية تقوم على الهوس العبثي، يكون منظور التجديد لديها غير متكئ سوى على النزوع التمردي لقواعد التنميط، ولا ابعد من ذلك- تحت ذرائعية التحرر المتهافت، بان الحداثة، والعصر، لا يمكن الاتصاف بهما- كما هو في تصورهم المرضي- ومنسوبون اليه، الا بفهم الحرية (ممارسة التجديد) ليس اكثر من رفض النمطية- أي القولبية- في الفن ولا شروط أو قواعد اخرى يقوم عليها هذا التجريب- التجديد!! تمنح هذا التمرد- الابداعي، المهاراتي فقط- صفة القيمة البديلة للانماط الفنية لكتابة القصة إلى ما قبل هذا (الجديد) وهي ذات المسألة قيمياً على صعيد الظاهرة السياسية، كالفرق بين الانقلاب والثورة- وان كانا الاثنان متمردات على ذات النظام السياسي، فتجريبية انتصار الانقلاب تختلف عن تجريبية الثورة فالانقلاب (المتحقق) ممكن يكون ايجابا أو سلباً فالسلبي يعيد- كمحاولات- القيم إلى ما هو متخلفة عما هي قبل حدوثه ويكون سقوطه وشيكاً، والانقلاب الايجابي، يظل على الدوام بقدر تحقيقه الضعيف والبطيء للقيم الايجابة على صعيد الواقع والحياة، الا ان سمعة الارادوية- الانفعالية المغيبة للعقل في دور التحويل تحقق مراكمة اعنى واسرع لبنى الاعاقة مقارنة بتلك الاولي وهو ما يهدد التجربة وحتى القيم الايجابية المتحققة واقعا على السقوط المتسقبلي تحت حركة تغيير أو تمرد مستقبلي. اما الثورة فان التجريبية فيها- حتى في بنية الخطأ والصواب- تكون متقدجمة بنوعية كلية ولا يمكن للاخطاء ان تعيد المجتمع إلى الخلف ولكنها يمكن لها ان تعيق حركة تقدم تجريديتها- وقد تنتكس الثورة إذا ما كانت ناقصة في شروط قيامها ويمكن ان تغيب ملامح الثورة (في الثورة الناقسة المنتكسة) إذا ما قام انقلاباً سلبياً ارتدادياً عن نهج الثورة.. وانتصر.

ان مسألة التمرد على النمطية ليست مرفوضة، ولكنها ان لم تكن مؤسسة على وعي ادراكي عالي (متجاوز) فانها لا تعد الا ضروباً من العبثية الموسمة للتجريبية بالظاهرة الوقتية العابرة اما إذا ما كانت دعاوى التحديث (التجديد) ليست اكثر من تمردية تقوم على رؤوس لذوات غير مبدعة لا تستطيع ان تجد لنفسها موطئ قدم بين المبدعين من اقرانهم سناً، ما بالهم بالرموز الابداعية فانها تلوك نقلية مفردات الحداثة، وتجرب في المجالات الابداعية منتجة نصوصاً متهافتة لا يقبل بها الذوق الاعتيادي.. حتى، وتطرح هذا الضعف والتفكك والسطحية للنص، بانها بدائل الحداثة لتلك النصوص المقولبة- (الابداعية).

وللاسف من سخف الطروحات المروجة عن الحداثة- في الادب ونقده، بان النمطية والقولبة شيء واحد، وان تحررية مبدع التسعينيات وعظمة عبقريته- التي لم يظهر مثيل لها في تاريخ الفن الادب على وجه الخصوص منه- نه صاحب الثورة الجذرية (غير المقارنة)- انه فاتح المستقبل الخالي عن القيود والضوابط والقواعد- حتى الايجابية منها انه صاحب التجريب- الابله في المفهوم- لا تجديد يمكن له ان يعتمد حداثة أو معاصرة دائمة مستقبلية الا بنصوص فوضوية لا ترفض الانبناء على قواعد- حتى اساسية- لتمييز النمط ومجاله، بل تتجاوز ذلك إلى رفض أي نقد يستقرئها نمطياً جمالياً وعليما. حتى انهم يتصورن ان التجريب لا يحتاج إلى ثقافة عميقة- يقاس بها المنتج الادبي- الفني، كطول خبرة الممارسة وصقلها الابداعي وخصوصية عقلية الكاتب- ذهنيته وذوقيته- ان اي معيار جمالي وعلمي- تجريبي أو نقدي- يعتبر غير حداثي قولبة تنميطية- وهو السبيل الوحيد لاسترخاص الابداع- فكراً وفناً، وترك باب الابداع (الزائف- اللاابداعن كظاهرة يتم تعميمها- مجالاً لكل من هب ودب- كما هي حال الوظيفة واقعاً، لا قيمة للتخصصية لكل له ان يغير مهنته- ما دام فيها فلوس- ولا قيمة مفرقة بن المبدع في المجال عن غيره في ذات المجال القيمة للمنصب الممنوح دون ضوابط أو اية روافع مميزة للمقدرة والشخصية- انه باب لاغراق واقع الثقافة- المحلي والعربي- بغالبة تافهة تغلبها الظروف والعوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، المتنفذة على الثقافة والابداع من خارجهما وهو تغليب معياري مبني على سياسية الالغاء للمبدعين الحقيقيين وسياسة تنفذ مصلحي- نفعي ضيق اساسه ادارة واقع الثقافة والابداع تجاه تحقيق مصالحها وماريها وهو اتجاهه مضاد لحقيقة الابداع والثقافة المحولة للمجتمع والمحررة له من اسر الاستلاب ومع هذه الغلبة لمدعين زائفين بابداعات زائفة، مع اليات نحر المبدعين الحقيقيين الذين لا يجدون لابداعاتهم قيمة أو قدراً ولا يجدون ما يسد ابسط حاجاتهم الميعشية واسرهم مع الحرب الشاملة بسذاجة نهجهم الايماني بعظمة الابداع، والذي يقابل باحتقار لشخوصهم من اقرب المقربين اليهم بانه لا يؤكل عيش مما يقودهم على الدوام إلى تمزق اسرهم، أو جنونهم أو انتحارهم.

ان حقيقة الحداثة (في منتجات العقل في الحاجات الروحية) السائدة- على كافة الاصعدة التجريبية (الفنية والادبية منها) والفكري (بما فيها التعليمية والثقافية النظرية الحرة والنقد) في اليمن والوطن العربي- ليست هي الحداثة الحقيقية في معناها، وكلنها لا تزيد ان تكون اكثر من فخ (مصيدة) لاستلاب الابداع وقيمة مصيدة لتصفية المبدعين والعلماء الحقيقيين- مثلها في ذلك تصفية الشرفاء والقيميين في المجتمع- اولا، وثانياً تعميم ثقافية روحية رخوة لا تتكئ الا على قيم الابتذال النفعي- غير الشريف كالية وتقيم ولا تقوم الا على معرفة مطاطية ضبابية تقتل مع الوقت أي تخلق للابداع الفردي والجماعي ولا تقيم أي موقف فهمي واضح يبني عليه نشاط انسان المجتمع، سوى موقف المصلحة الدونية- الانانية الضيقة- حسب طلب المستخدم (بكسر الدال)- متنفذاً ادارياً، أو مالياً- وبتعميم هذه العقلية والروح على المجتمع لن تبنى على الاساس الراسمالي- الحقيقة- الغربي، ولن يسمح بذلك بل ستكون هذه اللاادرية في موقف انسان المجتمع ووهميته الادرية في ارضاء المنتفع من عمله وطاقته- وقد يصل الانتفاع إلى متعلقات وجوده، كموقف ادراكي لا يخرج عن نطاق المصلحة الذاتية الصرفة لن تبنى في التنافس الاجتماعي لجني الثورة ولا وجاهة والنفوذ والمجد (الوهمي) عبر معايير المقدرة والذكاء والعلم بل عبر بيع الذات (لغرض المصلحة) من خلال توسيع شبكات الطرق غير المشروعة غير الشريفة في واقع الحياة.

والسؤال الذي تختتم فيه هنا ولكن نستبقه باعترافات مفادها إذا ما كانت الحداثة والمعاصرة جزء منها في دلالتها الزمنية يقصد بها ضمنياً ضرورة تحديث مجتمعاتنا- المتخلفة ما دام العالم اليوم مطبوعا على العالمية المجتمعية الواحدة، لم يعد هناك امكانية لانعزالية مجتمع ما ليظل غارقاً في تخلفه- والمسألة الراهنة تقوم على اكاف مبدعي الشعوب صاحبة الحاجة الضرورية في التطور- فان مفهوم الحداثة 0كوظيفة تحديثية أو تجديدية حقة، نقرها ونعترف بها كحقيقة موضوعية منتجة في خصوصية تطور المجتمع الانساني- الكوني في هذه المرحلة من التاريخ، ونعترف ايضا بالحقيقة الذاتية النسبية بعولمة الحداثة (الغربية الساعية لتعميمها على كل شعوب الارض- الضعيفة منها- لبناء حضارة عبودية الامبريالية الاختيارية عالمياً، علناً وهي حقيقة قسرية مفروضة علينا ولكنها ما زالت- وكما اتصور- لن تستطيع تحويل مسار التاريخ- الموضوعي الكلي والشامل من العالمية إلى الاقطاعية- الصناعية لما بعد فترة الامبريالية الراسمالية (الغربية)- كما يتوهمه المركز الغربي الاستعماري لما بعد العولمة- وهي حقيقة (وقتية) نقرها ايضا.

أي اننا نعترف بالحقيقة الواقعية، المعاصرة في حياتنا- اليمنية والعربية بوجود كل من مفهومي الحداثة- السابقين- وبصورة وضعية ونعترف انه لا مجال للحديث عن مجتمعنا وواقعنا- على كل من الصعيدين المادي والروحي ولا مجال للحديث عن الانسان (نشاطاً وقدرة وقيميا) حديث للخروج من دوائر التخلف والجمودية والتحرر والابداع والعلم، دون الحديث في صلبت الحداثة حيث ان في داخلها معينات التخطي الاجتماعي للتقدم- المجالي والجزئي والعام والشامل- لبلداننا- وهذا اعتراف اقراري ثالث.. لكن المشكلة الرئيسية بالنسبة لنا تقوم في الصراع الواقعي بين اصحاب مفهومي الحداثة- حتى الأمي والمتشدد دينياً. من النخبة أو العامة، ولكن كما يبدو ان رقية عقل الانسان (اليمني والعربي) للمتسلطين والتنفذين عليه خلال قرون طويلة ماضية من الزمن، وكذلك بالنسبة لهؤلاء المالكين لكل وسائل القوة على المجتمع لا يجدون في الحداثة (الحقة) الا عنصراً حقيقياً اباديا لهم- فهم اصحاب قوة ارثية لاصحاب ابداع حقيقي أو علم حقيقي انهم اصحاب نفوذ وتنفذ عبر تقاليد مورثة نظامية لا اصحاب تميز قدراتي- ذهني أو عملي- ومن هنا تظهر رافعة الحداثة- عربياً ويمنياً- هي صاحبة اليد الطولى ووفق حقيقة هذه الروافع لحداثة العولمة من حيث درجة انتسابها وموروثاتها وعقليتها إلى التاريخ البشري المجتمعي، تتحدد درجات التشويه المقيت للحداثة عبر اليات وخطابات شكلية معاصرة تعمق تثبيت القديم وتعيد انتاجه باردية معاصرة وتشوه الجديد فينتج مع مرور الوقت مجتمعاً عصابياً من جهة، ومغفلاً جاهلاً منزوع الارادة والتمييز- بالنسبة لانسانه الاجتماعي- تصبح قيمته في خدمته الالية العمياء لمن يمنحه مالاً أو موقعاً وجاهاً اكبر، فيتبارى عقل هؤلاء عميان البصر والبصيرة وفق وهم المنفعة الذاتية الاكثر مردوداً، ربحياً عبر الطرق والوسائل غير المشروعة، وغير الشريفة كاقصر الطرق للربح ويصبح ليس للابداع مكاناً في مجتمع مثل هذا- والسؤال متى تدرك الجزء المستضعف من النخبة خطورة سلبيتهم- كاصحاب الحداثة الحقة- في ظل الصراع الواقعي بني مكوني مفهوم الحداثة؟ الم يدركوا ان سليتهم هي اساس جر المجتمع نحو العبودية- الطوعية المطلقة سريعاً وليس قوة العولمة وحدها وقوة منتفعيها في الداخل الا يدركون ان انسحابيتهم تمثل رافعة تدميرهم الذاتي وفرض مستقبل اسود رخيص لا انساني لكل من ينتسب اليهم من قريب أو بعيد ويجعلهم كمستهدفين في ادنى وضعية- لا تطاق حياة- في المجتمع؟ الا يدركون ان انسحابهم من الصراع لا يوفر السلام والآمن بل يقرب الزمن لدمار يحرق الاخضر واليابس يكونون من ينتسب اليهم اول من يطالهم الحريق- الا يدركون ان الامان والسلام لهم غير مكتوب عليهم الا في وجودهم الارادي والايماني في ساحة المعركة؟.

ان الصراع الواقعي القائم بين الحداثة المصيدة والحداثة الحقيقية هو حقيقتنا الراهنة انه ذات الصراع القديم- الجديد جوهراً انه صراع التخلف والتقدم ليس صراعاً بين الفاظ منقولة ولا هو صراع تحايلي- خداعي وقتي بن متبارين كل منهم ينغطى بشماعة المفردة العصرية (الحداثة) ويخفي حقيقة انبائه النزق في جعبة نظرية المؤامرة انه تاريخ حقيقي والتاريخ لا يرحم احدا في مساره حتى وان تغاضاه لوقت من الاوقات فيا ترى هل يمكن لاحد- بعد الان- ان يدرك إلى اية حداثة ينتسب (دون زيف) وهل يمكن خلق صراع متمايز بين ممثليات الحداثة. بالطبع على اسس ليمية- وهل يمكن لمن كان مغشاً على عقله ضبابية وتهافت مفهوم الحداثة في النص الادبي، لا حداثة الا في تجريبة غير معلمة باية قيمة كانت معرفية خبراتية، اخلاقية. ثقافية مؤصلة سماتية، تكوينية، قاعدية التنميط….الخ. – تجريبة كاذبة تميع مفهوم الابداع التيه، تحت مسمى الحداثة- ترى هل يمكن لموهوبين ضلوا عن مسار الابداع- الحقيقي ان يفيقوا ويعدلوا انفسهم كمبدعين هل يمكن لهم خلق ابداع حقيقي؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق