ثقافة السرد

سد الفراغ

فؤاد قنديل*

لم يحدث أن تنكر لماضيه.. يعترف ببساطة ولأي إنسان أنه لم يسكن يوما في بيت له جدران وأنه طوال عمره بلا أهل ، وبلا أصدقاء حقيقيين مذ تفتح وعيه وهو في الرابعة أو الخامسة أدرك أنه شقيق الأرصفة أمه الحدائق وأبوه الجسر الحديدي .. الأولاد الملوثون بالقمامة والجوع والحرمان  والحقد هم أخوته. هم أخوته لأنه إذ ينام بداخل جلودهم يسري في بدنه الدفء الذي يغمض جفنيه إلى أن يشرق الصباح أو ينقر الندى الوجوه النحيلة . بقية أهله الذين لا يكفون عن التواصل معه هم الكلاب والقطط والفئران والعرَس والأبراص والصراصير وأسراب النمل وأفراس النبي والبق والناموس ومياه الصرف الصحي والبرد القارص . هل يدهشكم ويثير فضولكم إذا علمتم  أن جاد الرب ياسين لم يشعر بالحزن يوما؟!

كان يحدق في كل شيء ويغوص فيه ..يحاول أن يعرف سره وجدواه مهما كان تافها  .. يسأل كثيرا ويتمعن في  التفاصيل والأسباب خاصة إذا نام تحت السيارات أو في زورق أو في ماسورة أو في عربة قطار قديم صدئ أهمله أولو الأمر لشهور وسنين ..

صناديق القمامة كانت كتابا ضخما مدججا بالمعارف ، وهي المدارس الحقيقية التي تلقي فيها العلم دون معلم. يحتاج ليقرأ ما في الصندوق بدقة إلى عشر ساعات مع التركيز الشديد والتأمل

رأسه صغيرة  جدا مثل رأس نسناس. عيونه دقيقة جدا ولامعة كعيون فأر

اعتادت التفتيش في كل شيء والبحث عن أوجه الشبه بين مسمارين أو بين صامولتين أو بين محركين ، والتأمل ذاته والمقارنة يجريها بين الحمار والبغل ، وبين الجمل والحصان .. صامت أبدا حتى ليحسبه الكثيرون أبكما.

كان يدرك ولا أحد ولا هو نفسه يعرف من أين توصل لهذه الفكرة

أن هناك علاقات وثيقة بين الأشياء غير المتجانسة في نظر السذج .. يتصور أن هناك رابطة بين القمر والنملة . بين الحصان والقلم .هناك صلة بين الشجر والأحلام .. بين الذهب والقمامة

احتاج أن يتعلم القراءة والكتابة ، واحتاج إلى غرفة لا لينام فيها ، ولكن ليتخذها مخزنا للأجهزة التي تعطلت وألقاها  أصحابها على قارعة الطرق .

يسهر معها الليالي باحثا عن سر عجزها . ربما مائة مرة استطاع  فيها إصلاح  العطب في الأجهزة خلال دقائق .. كانت تفتقد فقط  مجرد تدليك أسطح المعادن الموصلة أو مسمارا أو صامولة أو قطعة من الكاوتشوك أو سلك كهرباء سليم أو مفتاح تشغيل  أو قلم بطارية جديد ، وغالبا ما كان يسرق ما يحتاج إليه. ولم يسرق مطلقا إلا ما يحتاج إليه فقط وأحيا يكتفي بأقل مما يحتاج إليه.

تعرفت عليه عندما رافقت جاري الذي يعتزم شراء كومبيوتر مستعمل من عند بائع في بولاق أبو العلا بالقرب من وكالة البلح ، هناك عثرت على ثلاجة تشبه تماما ثلاجة تخلصنا منها منذ شهور ، متأكد جدا أنها ثلاجتنا .

تذكرت أني حفرت اسمي عليها في أسفل أحد الأجناب .. درت أبحث عنه حتى وجدته. ضحكت وسألته عن الثمن فقال :خمسمائة جنيه..

عدت أضحك

عملي بالصحافة دفعني لتأكيد صداقتي به والحوار معه .. كتبت عن مهاراته وقصصه الغريبة عدة حوارات نشرت في مجلات وصحف مختلفة.

عندما بلغ جاد الرب ياسين السابعة والثلاثين أصبح لديه في البنك ثلاثون مليونا من الجنيهات . . ربما لأنه لم يعرف طعم السجائر ولم يقرب الخمر مطلقا . لم يلبس في العام الواحد إلا ثلاثة بنطلونات وثلاثة قمصان كانت حتى بلغ العشرين من القمامة ، ثم صار يشتريها من أرصفة وكالة البلح .

أهم مصادر ثروته نشأت من تجميعه لقطع غيار السيارات ومختلف الأجهزة ، ثم أصبح يشترى السيارات المحطمة  والقديمة بتراب الفلوس  ويجددها ثم يبيعها ليكسب عشرات الآلاف من الجنيهات .

اخترع أجهزة كثيرة وإن كانت بسيطة تناسب المطابخ والتلاميذ والمكاتب ولصوص الشقق والسيارات.

هذه الأيام يستعد لافتتاح مصنع سيارات توك توك. ليس كل ما ذكرت هو ما يدهشني  ، وإنما الجدير بالدهشة أن زوجة ذلك النسناس جميلة جدا جدا ، وله منها ثلاثة أولاد رائعين.

أشعر بسعادة وراحة كلما زرتهم .. ربما أكون صديقه الوحيد .

دأب طيفها على زيارتي في صحوي ونومي .. من أين التقطها هذا الشحاذ خريج الأرصفة والجحور؟ .

نظام دقيق ومحكم  وضعه كي يجمع بين الجمال الأنثوي النادر وصعود سلم الثراء

لكم تساءلت طويلا بل أحيانا في أحلامي عن سر قدراته الخرافية لتحقيق التوازن بين الحب وتأسيس عمارات شاهقة دون أن يسعى للسلطة أو يتملق رجالاتها الجهلاء أصحاب الكروش . بالقياس لأمثاله من الصاعدين فهو مختلف لأنه يغني خارج السرب .

رحل صديقي فجأة الأسبوع الماضي .أزمة قلبية .. غيبتني الدهشة عن الوعي لحظات .. لم يمرض يوما ولم يتألم حتى من صداع أو مغص .

في آخر حديث بيننا شكوت له حال المؤسسة الصحفية التي تضم من أمثالي المئات . حدثته عن انسداد الطريق وتقلب الأحوال حسب الرؤساء ومعظمهم منافق  ووصولي .

كنت في بيته قبل أيام نحتفل بعيد ميلاد ابنته الكبرى وداد وحملت لها الهدايا .. غنى ورقص وألقى النكات وضحك كثيرا والتقط الصور ربما لأول مرة .. كان كائنا آخ..  التقطت لهم جميعا الصور .. حالة لم يسبق أن رأيته عليها فلم يكن يبدد الوقت . يقول : العمر قصير والمتاح منه للعمل فقط .

سأبذل قصارى جهدي وسأتنازل عن كل شيء لأسد بنفسي الفراغ الذي خلفه ..

لقد ترك الجنة في يد الجميلة ، ويبدو أن الله فتح لي نافذة تطل على الجنة .

الجنة لي أو أُجَن .إذا حرمت منها سأجن . سأجن ..

*كاتب روائي وقاص من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق