قراءات ودراسات

المتاهة الزمكانية في رواية ” الإسكندرية 2050″ لصبحي فحماوي

د. نعيمة الحرشي*

يصعب الفصل –ويستحيل أحيانا – بين عنصري الزمن والمكان في النص الروائيين، انطلاقا من كون الرواية تطرح جملة من القيم التي لا بد أن يجمعها إطار زماني ومكاني يصنع بيئة الرواية، ومن تم فالفصل بين الزمن والمكان هو فصل شكلي يتطلبه الدرس المنهجي، ذلك أن أحداث الرواية إما أن تعرض وفق تسلسل منطقي وإما متداخلة، ومن هنا كان زمن الحدث المروي وزمن الحكاية، وهذه التقسيمة هي التي أدغمت زمن أزمنة الرواية في زمن الخطاب، فلا تشابه بين زمن الحدث وزمن الخطاب، إذ يمكن لأحداث كثيرة أن تحدث مرة واحدة فيستخدم المؤلف لذلك التحريف الزماني لأغراض جمالية تاركا التتالي الطبيعي للزمن، وهذا ما نحا إليه مبدعنا – صبحي فحماوي – عندما اختار الانزياح بالزمن من تسلسله المنطقي إلى فوضى منطقية، أو فوضى إستراتيجية، جاءت لتحقيق رؤية جمالية لقراءة الزمن في رواية ” إسكندرية 2050 “. وكذا قراءة جماليات المكان في الرواية، وبما أن الزمن أزمنة والمكان متعدد في الرواية، فسنقوم بقراءة انتقائية لبعض هذه الأزمنة والأمكنة المتشظية، تاركين المجال لدارسين آخرين بقراءات تذوقية لاختيارات أخرى في زمكانية هذه السردية الإبداعية.
الاستباق والاسترجاع الزمني في ” إسكندرية 2050 “:
ينطلق السرد في رواية ” الإسكندرية 2050 ” من النهاية، وهي في حقيقة الأمر نهايتان، النهاية الأولى تعني نهاية شخصية بطل الرواية المهندس مشهور، ثم إن النهاية الأخرى تخص نهاية النص الروائي وختامه. إذ تبدأ أحداث الرواية على مستوى زمن الخطاب بنهايتها على مستوى زمن الحكاية، ذلك أن السارد يستهل الأحداث بوفاة المهندسمشهور شاهر الشهري الذي يوصل بأجهزة في دماغه تسجل اللحظات أو الزمن الذي يسبق الموت، وما يدور حقيقة في دماغ الإنسان في هذه اللحظات الفاصلة بين الموت والحياة. لكن هذه الأجهزة العجيبة تسجل وتؤرخ – كذلك – لحياة المهندس مشهور على مراحل متفرقة من عمره؛ ما بين الطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة، وما بين عكا والإسكندرية ودبي، هذا التسجيل قامت به مؤسسة خاصة بالتجسس بناء على طلب ابنه برهان، حيث يصرح السارد في الفصل الأول من الرواية: ” قمنا بتسجيل ما يدور بخلد أبيه مشهور شاهر الشهري من تفكير خلال الساعة الأخيرة من حياته، وهو ينازع سكرات الموت هنا في عكا. ولهذا شبكنا سماعة على رأس المهندس مشهور لا لتسمعه آيات من القرآن وهو يحتضر، بل لتتنصت، وتشفط منه ما يدور في خلده في هذه اللحظات الحاسمة”
وهنا تبدأ متاهة الزمن في هذا النص الروائي، حيث تبدأ أحداث الرواية – على مستوى الزمن – من سنة 2050، فتحيل المتلقي إلى قصص وأفلام الخيال العلمي؛ حيث يسافر في الزمن ذهابا وإيابا، فلا منطق إلا منطق جمالية الإبداع.
تتسلسل الأحداث في شريط ذاكرة المهندس مشهور من سريره في عكا بفلسطين، حيث عاد لقضاء آخر أيامه في بيت ابنته سمر – التي جهزت له جناحا خاصا – وبين أسباطه وأهله وأحبائه، والأحداث كما جاء في بداية الرواية هي تسجيل مترجم إلى مختلف لغات العالم، حيث يتمكن كل متلق وبضغطة زر هاتف أن يطلع على محتواه حسب تصريح المؤسسة التي سجلت العمل: ” … وما نشفطه من ذكريات وأفكار وخيالات ماضية من ذهن الرجل نسجله في قرص مدمج، مده حق، تستطيع أن تسمعه بسهولة ويسر على جهازك الخلوي “.
إذن فالسرد يبدأ بشكل استباقي من حيث زمن الخطاب، فيما هو سرد استرجاعي في جل أطوار الرواية، ذلك أن المؤلف كتب روايته سنة 2009، ويتراوح السرد فيها بين سنة 2050 وستينيات القرن الماضي (1966). فكان الاستباق في بدء الرواية ذو وظيفة إعلانية، وهو مبرر باعتبار السارد يدرك تفاصيل الأحداث لأن ” السارد المتماثل حكائيا حينما يشرع في حكي جزء من حياته الماضية، يعرف الآن ما ستؤول إليه هذه الحياة لهذا من حقه أن يستبق سير الأحداث”. فالسارد هنا هو المهندس مشهور الذي يعرف كل التفاصيل، بل إن هذه التفاصيل مسجلة في لوحة إلكترونية لم تغفل شيئا، وهي التي ستقوم بعملية السرد – إن شئنا القول – فالأمر يتعلق بزمن المعلومة وسلطتها و ” كل التأملات والأفكار، والأسرار الدفينة بداخلك، وأحقادك على الآخرين وعلى الحكام الظالمين، والخطط المستقبلية، التي يطبخونها داخل مواخيرهم، والتي لا تخطر على بالك، وكل من يضرط في آخر الدنيا، تدخل ذبذبات ضراط في أذنيك المستقبلتين لأي شيء يصدر من هذه الشريحة الكمبيوترية المدمجة. لقد كشفنا عنك سترك، وسجلنا كل ذلك في اللوح المحفوظ “.

إن الزمن في ” إسكندرية 2050 ” كما يطالعنا المؤلف في الفصل الثاني من الرواية هو زمن أخضر، فإذا كانت البنية السردية تتحدد بإيقاع الزمن في فضاء المكان وطبيعة شخصياتها ومنطق العلاقات والقيم داخلها ونسيج سردها اللغوي، وبدلالاتها النابعة من تشابك وتضافر هذه ووحدة هذه العناصر، فإن الزمن هنا – عام 2050 -دلالته التطور والتقدم على المستوى التكنولوجي والطبي والاقتصادي والاجتماعي. . . ، بل إن لونه أصبح ينعكس على لون أبناء الجيل الجديد، فأين هو الزمن الأصفر الذي حذر من السابقون؟ لقد تفوق العلم على تكهناتهم السوداوية وأنجب الجيل الأخضر، ف ” كأنك دخلت هذا العالم من باب وخرجت من الباب الآخر، لم تكن تدرك أنك ستعيش، حتى تصل إلى هذا الزمن”، فينطرح السؤال هنا عن ماهية هذا الجيل المتجدد في الزمن وعن خصوصياته، فهل ” ينجح جيل كنعان الأخضر في لي أذرعة شرور الإنسان ضد أخيه الإنسان؟ هل أنت في حلم، أم في علم محقق؟ “
يتراوح السرد – في كل فصول الرواية بدءا من الفصل الثاني- بين زمنين أساسيين: 1966/2050، وبينهما يعرض السارد فترات تعلقت بها حياته في فلسطين/عكا ومصر/الإسكندرية. وهنا تصبح مهمة الدارس شاقة جدا؛ – بل مستحيلة – إذا أراد دراسة وتحليل المكون الزمني بعيدا عن المعطى المكاني، فهما متظافران في هذه الرواية بشكل عجيب، ذلك أن السارد ينطلق – في كل فصل من فصول الرواية – من الإسكندرية، فينطلق المتلقي معه ليجد نفسه بعد سطور في فلسطين، ويتواصل عبر ذكريات المهندس مشهور التي تغطي أكثر من ثمانين سنة من عمره، أو ينطلق من 2050 ليلفي نفسه في 1966، إذ يصرح بذلك – المهندس مشهور – عند وصوله أرض مصر قائلا: ” لم تكن تتصور أيها العجوز أن تعود إلى الإسكندرية عام 2050، بعد أكثر من ثمانين عاما من مجيئك الأول للدراسة الجامعية”، فمنذ وصول المهندس مشهور إلى مطار الإسكندرية سنة 2050 لزيارة ابنه برهان، يبدأ – بموازاة ذلك – استرجاع ذكريات الوصول إلى الإسكندرية سنة 1966 ” تهبط الطائرة المجهزة بوسائل الأمان والسلامة العامة، وتدرج بنعومة ويسر على أرض مطار الإسكندرية الدولي، فتشعر بأمان الالتصاق بأمنا الأرض. الله ما أجمل هذا المطار الجديد. كنت قد وصلت أول مرة إلى الإسكندرية عبر مطار القاهرة، في خريف عام 1966، وعمرك سبعة عشر ربيعا “.
يلعب الزمن لعبته المتقدمة إلى الأمام، وبها يتغير كل شيء عاشه المهندس مشهور في الإسكندرية، فيساهم هذا بشكل فعال في تطور السرد في رواية ” إسكندرية 2050 ” عبر ثنائية الاستباق والاسترجاع، وثنائية الزمن 1966/2050، كما يعمد المؤلف في هذا إلى تفعيل آلية المقارنة بين المرحلتين، معتمدا في ذلك الاحتفاء بالوصف عبر كل فصول الرواية. وتنطلق هذه العملية من محطتها الأولى التي هي مطار الإسكندرية الدولي الذي شهد انقلابا مهولا على مستوى التطور التقني، فتحولت طائراته الفولاذية إلى طائرات هيدروجينية سريعة جدا. لكن هذا يصبح عاديا أمام التجربة العلمية الخاصة بتخضير الإنسان، وهي التجربة التي يطرح بصددها المهندس مشهور تساؤلات من قبيل:” ترى هل تنجح عملية التخضير هذه، فيسيطر الحيوان الأخضر على هذا الكون الحيواني المتوحش؟ هل تشاهد مرحلة انتقالية جديدة، بعد الإنسان الأول، الذي تحضر فانتقل إلى مرحلة الإنسان الثاني، وهاهو بعد أن توحشت حضارته، ودمرت الأرض، تراه يتشكل بتكوينه الأخضر، فتشهد مرحلة الإنسان الأخضر؟ ” وهنا نطرح – مرة أخرى– مسألة ارتباط الزمن بالمكان في النصوص الروائية عموما، وفي رواية ” إسكندرية 2050 ” بشكل خاص، انطلاقا من أن الرواية ترصد سفر السارد – كما أسلفنا – في الزمن من خلال ماض يحكيه ( الإسكندرية ستينيات القرن الماضي ) ومستقبل متخيل يستشرفه ( الإسكندرية 2050 ) وحاضر يعيشه ( زمن كتابة الرواية 2009 ). وهنا يمكن اعتبار الزمن أزمنة في هذا النص الروائي، فبين سنة 1966 وسنة 2050، يمر شريط استرجاع السارد بسنوات كثيرة تسجل أحداثا متنوعة في الزمن والمكان، فها هو ينتقل بذاكرته من مطار الإسكندرية إلى فلسطين في 1948 حيث يعيش ويسجل طفولة بائسة في المخيمات حيث القهر والغربة والضياع الذي ينتهي به إلى طرح سؤاله الوجودي: ” . . . هل صحيح أن آدم وحواء كانا قد نزلا إلى الأرض بمركبة فضائية من تلك الأطباق الطائرة التي يتحدثون عنها، قادمين من كوكب آخر، ونظرا لخلل فني في مركبتهما علقا على الأرض، فلم يستطيعا العودة إلى كوكبهما البعيد، فقعدا على هذا الكوكب، ملومين محسورين، وبقي أحفادهما حتى يومنا هذا ينفخون، معقدين، مكتئبين، مكفهري الوجوه، ولا يشعرون بالسعادة مهما امتلكوا، بسبب غربتهم عن وطنهم الأم في المكان البعيد؟ ” ويستمر احتفاء المؤلف بالزمن والمكان والإنسان من خلال استرسال حبل ذكرى يومياته في طولكرم؛ مع الأبوين والإخوة وأصدقاء الدراسة والجيران… فتتعدد الشخوص التي عايشها في هذه الفترة من حياته في فلسطين… يعود السارد إلى الإسكندرية ويفعل المقارنة بين الماضي والحاضر من خلال الشوارع والعمارات والفنادق… ليعود – كما الفصول السابقة – إلى الماضي/ فلسطين، وهذه المرة لتجلية الأوضاع السياسية في خمسينيات القرن الماضي/ 1956 حيث كانت صوت القومية العربية عاليا، يصل إلى فلسطين عبر راديو القاهرة، فكان والد المهندس مشهور ينتشي بسماعه صائحا: ” يا إلهي، مصر تهزم عدوان بريطانيا العظمى، ومعها فرنسا وإسرائيل، وأخيرا جاء دورنا في تحقيق الانتصارات بعد عهود من النكسات المتتالية”. هكذا يحتفي والد المهندس مشهور بجمال عبد الناصر، والذي يعتبره السارد صاحب فضل عليه فيما يخص إكمال مسيرته الدراسية والعلمية: ” … فلولا سماح عبد الناصر للطلبة العرب بالدراسة في مصر، دون تمييز عن إخوانهم الطلبة المصريين، لما استطعت أيها اللاجئ دخول الجامعات من أصلها “. يوغل الكاتب في تقديم مقامات فلسطين في روايته الإسكندرية 2050، فلا يكاد يخلو فصل من فصول الرواية من استدعاء الوطن عبر استرجاع ذكرياته. إنه شاهد عصره، فبأسلوب فني بليغ يصف أطوارا من عذابات الشعب الفلسطيني، إذ ” لم يكن في عشرينيات وأربعينيات القرن العشرين تلفازات ولا مراسلو صحف، لكي يصوروا تعذيب وقتل الفلسطينيين المقاومين لاقتلاعهم من مدنهم وقراهم، ويفضحوا المستعمرين الذين يسيرونهم حفاة عراة فوق الأشواك القاسية السامة، لألواح الصبار الشوكي، كي يعيدوا تصنيعهم، وتعبئتهم وتغليفهم، للتصدير إلى خارج الوطن(…) ما لكم وهذا العذاب؟ هاجروا إلى بلاد العرب أوطاني، واتركوا هذه الفلسطين الصغيرة للمساكين الهاربين من بطش هتلر”.
نعم إنها بلاد العرب أوطاني، هذا ما يقره المؤلف ويكشفه وهو يتجول في شوارع الإسكندرية ف ” عكا والإسكندرية يرضعهما بحر واحد، ويفطمهما بحر واحد، ومصر وفلسطين أخوة في الرضاعة من البحر، وأخوة في اللغة والدين والعادات والتقاليد والجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة والوطن والحب.

*المغرب- جامعة شعيب الدكالي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق