ثقافة المقال

الحداثة…. معنى وواقعا

أسعد العزوني

لو أخذنا معنى الحداثة لغويا ،ورجعنا إلى الإشتقاقات اللغوية ،لو جدنا أنها تعني التحديث والتجديد،وهذا بدوره يعني الإتيان بشيء جديد ومبتكر يدعم الأساس ويقويه ،ويأتي بحالة مفيدة جدا ،فعلى سبيل المثال فإن السكن تطور من الكهوف والأشجار إلى ناطحات السحاب مرورا بالخيام ،وتم تزويد البناء الجديد بمحسنات كثيرة مثل التكييف والإتصال الداخلي والدهان ،والأجهزة الكهربائية والأسرة.

ولأننا نتحدث هنا عن الحداثة في مجال الأدب ،فإننا نقول وبكل الجرأة المعهودة ،أن الحداثيين أو المحدثين العرب ،قد ورّطونا بعد ان تورطوا هم أنفسهم في هذا المجال ،وظنوا أنهم يصنعون خيرا بحداثتهم ،وأن الحداثة تعني فقط تغيير الشكل ،ولذلك رأينا بروز الحداثة والمحدثين ،وأسبغت عليهم الصفات والألقاب من الآخرين ،وربما ممن دفعوهم هم للكتابة عنهم وتبجيلهم.

حتى نكون موضوعيين،ولا نسبب الصدمة للحداثيين والمحدثين الذين أرادوا إلهاءنا بقشور الأدب غير المفيد نقول:تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ونحكم العقل والمنطق بعيدا عن العاطفة والإنفعال،حتى نصل إلى نتيجة نتفق بعدها على أن الحداثة الحالية ما هي إلا سم في الدسم ،وانها لم تقدم شيئا ذا قيمة للأدب بأشكاله.

وحتى لا يفهمني الحداثيون والمحدثون خطأ ،فإنني أقول لهم أنني لست متحجرا ،ولا متشبثا بحقبة ،بل مع التطور لكن إلى الأفضل،بدليل أنني بدأت الحديث عن التطور السكاني من الكهوف والشجر إلى ناطحات السحاب مرورا بالخيمة والسقيفة والخص ،وعددت فوائد التحديث،مستعرضا الإضافات التي أضيفت للسكن الحديث .

ما جاء به الحداثيون والمحدثون هو تسطيح للأدب وللشعر على وجه الخصوص،وقاموا بخلط الحابل بالنابل ،وكانهم لا يعرفون ان هناك حدودا بين الشعر والنثر ،فالشعر له طنة ورنة ،وله حلاوة وعذوبة تنتشلك من الأسفل حيث تجلس إلى الأعلى حيث تحلق طائرا في الجو،وقد إرتقى إلى هذه المرحلة كتاب أمريكا اللاتينية في رواياتهم ،مع انهم لم يقولوا شعرا،لكن شعراءنا الحداثيين المحدثين هبطوا بالشعر ورنته وحلاوته وطلاوته إلى الحضيض ،وجعلوا منه عملية نحت كلمات بالعافية ،حتى أنهم بعد كسر بيت الشعر المقفى ،قاموا بكسر حتى الكلمة وكتبوها بأحرف منفصلة ،ظنا منهم أنهم أبدوا وجاؤوا بشيء جديد مفيد
،ولا نكشف سرا إن قلنا ان معرفة هؤلاء باللغة الإنجليزية ساعدتهم على تقليد الشعر الإنجليزي ،دون علم منهم ان لكل لغة خصائصها.

فرق شاسع بين أن تقرأ للمتنبي والحطيئة وأحمد شوقي وإبراهيم طوقان وعنترة العبسي وأبي تمام ،والشعراء الذين اتحفونا بإبداعهم الوصفي وبناء اللغة دون ان نسمعهم ،وبين من تورطوا وورطونا في القصيدة النثرية التي هي عبارة عن نص نثري ربما لا قيمة إبداعية له ،لكنهم زينوه لنا عن طريق قراءتهم وإفتعالهم لدرجات الصوت وإشارات اليدين ،مع ان ما يقولونه لا إمتاع فيه ،ولا حلاوة أو طلاوة له.

ما يحز في النفس أن شعراء فحولا من الشعر المقفى الذين تركوا بصمات في الإبداع الشعري،جرفتهم الحداثة وضللهم المحدثون ،وحولوا قصائد شعرهم المقفاة الجميلة إلى الشعر النثري أو القصيدة النثرية ،وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على خلل كبير وقع فيه المبدعون الشعراء ممن كانوا بحق يستحقون لقب الشعراء .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق