إسلاميات

دواء الرياء ”إياك نعبد” .. ودواء الكبر ”إياك نستعين”

أبو أنس سليم الجزائري

قال ”ابن القيم رحمه الله تعالى”  بعد أن ذكر هذه الأدواء: ” وإذا تأملت أمراض القلب، وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابها، لاسبب لها سواها”·  وقال أيضًا: ”القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولابد، وهما الرياء، والكبر، فدواء الرياء بـ ” إياك نعبد ” ودواء الكبر بـ ”إياك نستعين”· وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: ”إياك نعبد” تدفع الرياء ” وإياك نستعين” تدفع الكبرياء· فإذا عوفي من مرض الرياء بـ ”إياك نعبد” ومن مرض الكبرياء والعجب بـ ”إياك نستعين” ومن مرض الضلال والجهل  بـ ”اهدنا الصراط المستقيم” عوفي من أمراضه وأسقامه، ورفل في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وهم أهل فساد القصد، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه والضالين وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه”· ثم بيّن رحمه الله تعالى أن سورة الفاتحة شفاء لأمراض القلوب والأبدان· وقال أيضًا: ”جماع أمراض القلب هي: أمراض الشبهات وأمراض الشهوات، والقرآن شفاء للنوعين”·
ولهذا سمى الله كتابه شفاء لأمراض الصدور، قال تعالى: ”يا أيها الناس قد جاءتكم موعظةٌ من ربكم وشفاءٌ لما في الصدور وهدىً ورحمة للمؤمنين” (يونس الآية:57)· فمن في قلبه مرض شبهة
أوشهوة، ففي كتاب الله من البينات والبراهين القطعية ما يميزالحق من الباطل، فيزيل الشبهة المفسدة للعلم والتصور والإدراك بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه· وفيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والقصص التي فيها عبرة ما يوجب صلاح القلب، فيرغب فيما ينفعه، ويبغض ما يضره، فيبقى محبًّا للرشاد مبغضًا للغي بعد أن كان مريدًا له مبغضًا للرشاد· والحاصل أنه لا شفاء للقلب من هذه الأمراض إلا بكتاب الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولهذا قال ابن القيم – رحمه الله تعالى -: ”فأما طب القلوب فمُسَلَّم إلى الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم – ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها، وبأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لمرضاته ومحابّه، متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صحة لها ولا حياة ألبتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل، وما يظن من حصول صحة القلب بدون اتباعهم، فغلط ممن يظن ذلك، وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية، وصحتها وقوتها، وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل· ومن لم يميز بين هذا وهذا فليبك على حياة قلبه، فإنه من الأموات وعلى نوره فإنه منغمس في بحار الظلمات”· وقال أيضًا: ”ولهذا السبب نسبة العلماء في القلوب كنسبة الأطباء إلى الأبدان، وما يقال للعلماء أطباء القلوب فهو لقدر ما جامع بينهما، وإلا فالأمر أعظم، فإن كثيرًا من الأمم يستغنون عن الأطباء ولا يوجد الأطباء في اليسير من البلاد، وقد يعيش الرجل عمره أو برهة منه لايحتاج إلى طبيب، وأما العلماء بالله وأمره فهم حياة الموجود وروحه، ولا يستغنى عنهم طرفة عين، فحاجة القلب إلى العلم ليست كالحاجة إلى التنفس في الهواء بل أعظم”· نسأل الله أن يشفي القلوب من أمراضها، وأن يرزقنا قلوبا سليمة··

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق