قراءات ودراسات

رواية ماريونت.. العرض مستمر

رضا زكى*

مع إصدار رواية ماريونت للكاتب والإعلامى المصرى رضا سليمان تنبأ العديد من النقاد بأن تلك الرواية تعتبر وثيقة مهمة جدًا سوف تتزايد قيمتها مع كل يوم يمر وستكون لها أهميتها مع أجيال لم تعاصر تلك الأحداث، ولم نكن نعلم بأن الماريونت وهم عرائس تتحرك بفعل فاعل لن يدركوا خطأهم ذات يوم وستظل تحركاتهم مستمرة ما دام هناك مَن يحركها بشكل دائم، وما أقوله كناقد أدبى قبل الخوض فى تفاصيل هذا العمل الأدبى الرائع ماريونت إن ما يشير إليه الكاتب رضا سُليمان عبر هذه الرواية هو أن نفطن وإن كنا ذات يوم ماريونت ولم ندرك الحقيقة فقد آن الآوان لإدراك ما يحدث وألا نستمر كماريونت مرة أو مرات أخرى.
ما إن تبدأ القراءة لاتملك إلا أن تُكمل القراءة بشكل مستمر حتى كلمة النهاية، فهو يأخذ بك الى عالمه الخاص حيث اسلوبه الرائق الماتع الرشيق الشيق الذى يهتم بأدق التفاصيل فى سرده للحوار الذى يُشعرك بأنك تعاين ما تقرأه بكل دقة .
هذا الكاتب الإعلامى اللامع فى شبكة البرنامج العام له العديد من المسلسلات الإذاعية تأليفا وإخراجا أشهرها مسلسل أوراق البردى .قطوف الأدب من كلام العرب، مسلسل حقك يا مصر، مسلسلات غريب فى بلاد غريبة، حول العالم فى 200 يوم، كليلة ودمنه وكذلك همسة عتاب الذى يذاع كل صباح منذ سنوات وما يزال مستمرًا.
يشيرالكاتب فى صدر روايته الماتعة ماريونت إلى أن الكاتب هو مرآة تعكس واقعًا نعيشه إلا أن أى تشابه بين أحداث أو شخصيات تلك الرواية مع أحداث الواقع أو شخصيات حقيقية هو محض صدفة .
وأقول هذا شأن كل عمل أدبى فإنه إما أن يكون عمله نِتاج تجربة ذاتية أو أحداث عاشها وترجمها الأديب باسلوبه الأدبى.على كل حال رواية ماريونت تاخذ بك الى عالم من الاحداث الكثيرة التى مرت بها بلدنا الغالى مصر إبان ثورة يناير من عام 2011 بدأها الكاتب باسوب ممتع آخذ بك فى أعماق التاريخ القديم عصر القدماء بكل حضارتهم تلك الحضارة التى تصل بجذورها فى أعماق التاريخ القديم من آلاف السنين، وهى إشارة فى منتهى الذكاء لأنه يريد أن يقول لكل من يتجرأ ويفكر فى المساس بأرض مصر وأهلها بسوء فإن أرض مصر هى قبره وأن عاصمتها قاهرة تقهر الأعداء فى كل العصور. ثم ينتقل بنا إلى حدث تاريخى غاية فى الأهمية والخطورة فى العصر الحديث وتحديدا فى عام 1917 وما أعقبه من سنين ونتتبع فيها شخصية عجيبة فى نشأتها وحياتها الاجتماعية بشكل عام حتى وصلت تلك الشخصية إلى درجة عالية فى الشأن السياسى فى بريطانيا حيث كان رئيسا لوزرائها وهوفى سن الرابع والخمسين هذه الشخصية هو آرثر جيمس بلفور … وتمر الاحداث التى تغير العالم وفى خضم تلك الاحداث العالمية يخرج بلفور هذا بقرار يعد فيه اليهود بوطن قومى لليهود فى فلسطين وكان قرارا صادمًا للعالم عامة والعالم العربى ومنطقة الشرق الاوسط .العرب الذين وقفوا موقف متقاعس تجاه بلفور ووعده مازالوا يدفعون ثمن هذا التقاعس وبوجود اليهود فى المنطقة العربية وجد الماريونت، وعرائس عباره عن أشخاص من بنى البشر للأسف الشديد من المصرين وغيرهم حتى يكونوا من أدوات الهدم التى تهدم بها الدول، فاختلقوا أفكار تساعدهم فى ذلك فأسسوا جمعيات وهمية سموها مسميات عديده، منظمات حقوقية ترعى حقوق البشر فى كل أنحاء العالم وخصوصا الفقراء وعملوا على تجنيد الشباب وإعدادهم فى ندوات يغرسون فى أفكارهم كل مايردون نشره بين أكبر عدد ممكن من الناس حتى يتم الوصول إلى ما يريدون .

وما أشبه الليلة بالبارحة فبعد التقديم التاريخى الذى بدأ به الكاتب روايته يعرفنا بأبطاله وهم لمياء سعيد التى تتمتع بجمال فاتن وصفات قبول غير عادى بين أقرانها من الشباب والشابات وخصوصا الشباب وهى شابة متصالحة مع نفسها ومع المجتمع وأكثر ما يغضبها أن تشاهد الظلم. وإيمان سمير صديقتها وبعض من الشباب الذين اعتادوا أن تكون لقآتهم فى مقهى فى وسط البلد للحديث عن أحوال البلد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويتخلل هذا الحديث حوارات شخصية مثيرة ومقابلات ثنائية تعبر عن إعجاب متبادل حيث يأخذنا الكاتب بحرفية عالية إلى قليل من الرومانسية وغيرها من تفاصيل الحياة كما حدث مع إيمان سمير وأحمد عبد الهادى ومجدى سرور وعشيقته والشيخ إبراهيم السويفى وزواجه من أرملة أحد رجاله وغيرها من تلك الأحداث حتى لا تشعر بكثرة الجرعات السياسة الثقيلة.
الشيخ ابراهيم السويفى ذلك الشيخ الذى كان ير ى فى نفسه أنه من عباد الله الصالحين قد عظم بداخله ذلك الاحساس مَن حوله من الشباب والرجال بل والنساء أيضا حتى وصل الأمر إلى إحدى النساء من المترددات على المسجد كثيرا لسماع دروسه ومواعظه تعرض عليه الزواج وهو فى سن الثمانين من عمره وهى مَن هى؟ إنها فى مقتبل العمر وفى قمة عالم الأنوثة، حيث تقول له:
• أنا سحر عبد الكريم يا شيخ، مطلقة.
وفى قلبه تراقصت عباره:
• مين ابن العبيطة اللى يطلق واحدة زيك.
لكنها لم تمهله كثيرا أكملت:
• أنا اللى طلبت الطلاق …طِلع مش أد كدا.
فيسألها:
• مش أد كدا إزاى يعنى؟
تمنى أن تجيبه بما يقابل هوى فى نفسه، لكنها أجابت بشكل قاطع:
• دا موضوع ما أحبش أتكلم فيه ياشيخنا
• أمال تحبى ايه ؟
• أحبك انت ..وعاوزه اتجوزك…..
ثم شخصية مجدى سرور رجل الحزب السياسى وزوجته هناء التونى سيدة المجتمع
ومغامراته النسائية شديدة الإثارة.والصحفى المرموق جابر فكرى ثم رجال الكنيسة وما دارفى أروقتهم من أحداث غاية فى الإثارة، يتجمع كل هؤلاء لأهداف واحدة وتحقيق مكاسب مادية بأى طريقة والوصول إلى أعلى المراكز الأمر الذى جعل مجدى سرور يفكر في الوصول إلى أن يكون رئيس الجمهورية وكذلك الشيخ إبراهيم السويفى وجماعته الذين وصلوا الى الحكم بمعاونة خارجية،
هذا وغيره من أحداث مثيرة خلال أحداث يناير 2011 ولكن الكاتب لم يأتى بما نعرفه إنما أتى بالجديد وما كان يحدث بعيدًا عن الكاميرات و وسائل التواصل الإجتماعى ثم يمر بنا عبر سراديب تُصنع فيها الأحداث وما تكشف بعد صعود بعضهم أريكة الحكم وما يطلق عليه الكاتب الوعد الثانى فى إشارة إلى أن وعد بلفور كان الوعد الأول وما حدث مؤخرا كان الوعد الثانى حتى جاءت ثورة تصحيح المسار فى 30\6\2013 ويختتم الكاتب الرواية بجملة من لمياء سعيد ترد بها على جملة والدها.. حيث جاء على لسان الأب:
• زمان قالوا مصر مقبرة الغزاة ، و أنا باقول أرض مصر مقبرة لكل من آراد بها السوء، مهما كان.. و مهما كانت أفكاره أو مخططاته .
تعلق لمياء فى سعادة :
• أرض مصر يا بابا، بتحس زى أولادها ، مين معاها ومين ضدها .. ياه .. أخيرا الكهنة سقطوا .. و فشلت تعاويذهم .
وتلك التيمة الأساسية فى الرواية وهى سقوط الكهنة وسقوط تلك السيطرة التى ظلت لآلاف السنين، لكن يتبقى عرض الماريونت مستمرًا وهذا ما يحدث فى العديد من الدول العربية بينما تدرك بعض الدول حقيقة ما يحدث وتقاوم بشكل مستمر، إلا أن الإصرار على تفتيت الصف والإيقاع بما تبقى من دول تحقق نجاحات يجعلنا أيضًا نؤكد على ضرورة قراءة واقتناء رواية ماريونت للكاتب والإعلامى رضا سُليمان.

*ناقد مصرى

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق