ثقافة السرد

أحب أولادي أكثر

قصة قصيرة من الواقع

أسعد العزوني

توجهت صبيحة العاشر من شهر أيلول 1974 ،إلى مكتب بريد جامعة المستنصرية –بغداد،وكلماته ما تزال ترن في أذناي منذ شهرين :أرجوك إذهب إلى مكتب بريد الجامعة يوم العاشر من أيلول وستجد رسالة مني لك هناك”.

قلبت الرسائل فوجدت رسالة بإسمي من لندن ،وكنت متوجسا خيفة ،إذ ما ذا سيبعث لي واحد مثله ،وبعد نقاش حاد نلت منه في النهاية ،ومع ذلك سألني عن موعد سفري إلى بغداد،وطلب مني التوجه إلى مكتب بريد الجامعة في مثل هذا اليوم.

فضضت الرسالة ،وقرأت نصها:السيد أسعد ..مرحبا…أرسل إليك هذه الرسالة من لندن لأخبرك أنني وزوجتي وأطفالي عدنا إلى بريطانيا وطننا الأم ،وسوف لن نعود إلى إسرائيل مطلقا!!!!

للوهلة الأولى شعرت أنني أحلم ،ودارت بي الدنيا ،وبدأت أتذكر لقاءنا ونقاشنا الحاد في بيت صديقي محمد أبو مريم بقلقيلية،وكيف كانت تقاطيع وجهه ،وهو يرد عليّ في البداية ،إذ كانت القسوة تغلب عليه ويشوبها التعنت ،لكنني تمكنت بإستخدام العقل في تليين موقفه وكان لي ما أردت في النهاية،لكنني أعترف أنني لم أتوقع أن تفعل كلماتي به المستحيل ،وتجعله وعائلته يغادرون فلسطين بلا عودة ويعترف في رسالته بأن بريطانيا هي وطنهم الأم.

بدأت القصة عندما عدت من الجامعة إلى فلسطين لقضاء عطلة الصيف،وتذكرت أن صديقي محمد أبو مريم قد دعاني لزيارته في قلقيلية، التي تبعد عن عزون 9 كم،وركبت في سيارة الأجرة ونزلت في كراج السيارات بقلقيلية ،ومن ثم أخرجت ورقة فيها عنوان بيت محمد،وسرت على هديها كما يفعل السواح.

سرت حسب الوصف المكتوب ،ووصلت سكة الحديد ،وإتجهت جنوبا وشرقا ،ووجدت نفسي أمام البيت،ومن فوري قرعت الباب وإنتظرت قليلا بعد أن سمعت صوت محمد يخبرني بأنه موجود.

فتح الباب وعانقني بحماس وقال أنني جئت في الوقت المناسب،ولأن الوقت كان ظهرا ووقت تناول طعام الغداء ،ظننت أن محمد يريد أن يطمئنني أن طعام الغداء جاهز،فقلت له بتسرع :وهل جئت لتناول طعام الغداء؟لكنه رد عليّ بحماس متزايد وقال:عندي لك ما هو أفضل من الغداء!عندها وجدت نفسي في حيص بيص ،إذ ما ذا يعني بقوله ؟وهل هناك ما أفضل من الطعام عند الجوع ..ولا أخفي أنني سرحت بعيدا.

دخلنا الصلون ووجت عائلة أجنبية تتكون من أب وأم وثلاثة أطفال ،وقدمني إليهم بأنني صديقه في الجامعة ،وعندما قدمهم إلي قال أنهما الدكتور إسحق وزوجته المهندسة وأبناؤه الثلاثة ،عندها غرقنا جميعا في توتر شديد،خلت الصالون انه برميل بارود قيد التفجير.

فكّرت بحل سريع للخروج من الأزمة ،وتذكرت النظريات التي أخناها في دورات التثقيف والتعامل مع الجماهير ،ووجدتها ،وكان الأطفال هم المنقذ بالنسبة لي ،فأومأت إليهم مبتسما أن أقبلوا عليّ،وكأنهم كانوا ينتظرون مثل هذا النداء ،فقفزوا كالأرانب ووضعت إثنين على فخذاي والثالثة فوق رقبتي ،وبدأت أداعبهم وأحسس على شعورهم ،وسط جنون الأب والأم اللذان نادوا أطفالهما بحدة،وطلبوا منهم العودة إليهما ،لكن الأطفال أجابوهما كلا..نريد أن نلعب معه ولا نريد ان نجلس معكم …عندها أدركت ان النصر سيكون حليفي لأنني بيّت أمرا.

بعد ذلك بدأ الجليد يذوب وهدأت النفوس وزال التوتر ،وبدأنا بالنقاش السياسي حول حقنا في فلسطين ،وأنهم محتلون ،لكنني لمست أنني كمن ينحت في صخر ،فقررت الدخول إلى الرجل عن طريق الإنسانية بعيدا عن السياسة.

قلت له أنه لا يحب أطفاله ولا يخاف عليهم ،وأعترف أنني لم أتوقع في نهاية المطاف ردة فعله ،وأن كلماتي تلك كانت هي مفتاحه السحري،فإنتفض وقال مستنكرا :كيف تتهمني بأنني لا أحب أطفالي ولا أخاف عليهم ؟مع أنني وأمهم نعمل ليل نهار لنوفر لهم المصروف المناسب ونشتري لهم أفضل أنواع الطعام والملابس والألعاب؟

أجبته بكلمات صاعقة أتت أكلها لاحقا وقلت له :تصور أن إشتباكا بين الفدائيين وجيش الإحتلال جرى وأنت قادم إلى قلقليلة لزيارة السيد محمد ،وأن رصاصة طائشة إستقرت في رأس أحد أبنائك من الشباك،فماذا سيكون شعورك؟

رد عليّ واثقا أنه وصل إلى بيت السيد محمد ولم يتعرض لا هو ولا أولاده لأي مكروه ،فكنت له بالمرصاد ،وقلت له :ربما نجوتم هذا المشوار لكن هل تضمن السلامة وأنت خارج من بيت السيد محمد،أو وأنت في بيتك حيث تسكنون؟

توقف عن الكلام قليلا ولمست تغيرا جوهريا في موقفه ،لكنني لم أستطع حل اللغز،خاصة عندما بدأ يتحدث مع زوجته بالعبرية ،وبطريقة توحي بأنه موجوع،وبعد أن أنهى الحديث مع زوجته سألني:متى ستعود إلى الجامعة؟

وقع سؤاله عليّ كجلمود صخر حطّه الله من عل،وأجبته بحدة :وماذا يهمك في عودتي إلى الجامعة؟فرد عليّ بهدوء:أرجود سيد أسعد أخبرني متى ستعود وإعطني العنوان،وطلب مني صديقي محمد أن أعطيه العنوان ،وقلت له سأعود في الأول من أيلول المقبل،وبعد أن أخذ مني العنوان طلب مني التوجه إلى مكتب بريد الجامعة يوم العاشر من شهر أيلول.

عمّان في:23-9-2019

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق