قراءات ودراسات

الرواية العربية المعاصرة وهواجس المستقبل

أحمد شحيمط

تخطو الرواية العربية المعاصرة بسيرورة متدرجة نحو رسم افق من عالم الابداع وحضور الذات الفاعلة للتعبير والقول. وانتاج روايات عن عوالم سردية .حيث الحكاية تغوص في الراهن ملتمسة اليات الكتابة السردية . دروبها غير متصلة . ذات منحدرات ومنعرجات . تعبر منها الايديولوجيا كعنصر جمالي تساهم في تشكيل المادة الحكائية . لغتها قصيرة ومتقطعة الكلمات. نبرة الكاتب حادة ولينة . ينقص السرد ويتصاعد وفق الاحداث والشخصيات . متعددة الاصوات والدلالات. لعل أبرز الملامح في تحولات الرواية العربية يتجلى في خروج الرواية العربية من شكلها التقليدي ودخولها في عوالم التجريب والحداثة .وهي تحمل بصمات واضحة للعديد من الابداعات المجاورة . فيما يسمى بالتجنيس الادبي (1) . والامر يتعدى ذلك الى تفنن الرواية المعاصرة بالانفتاح على نظريات جديدة. من بنيوية وتفكيكية. ومعالم الفكر الجديد الذي طرق أبواب ما بعد الحداثة. حيث لاحت في الافق المعرفي مفاهيم مغايرة عن المقولات المركزية التي هيمنت على الفكر الغربي. وحلت مفاهيم ومصطلحات كالتشتت والاختلاف والتناص واللامعنى واللاتناسق والتغريب .​

أضحت الرواية العربية منفتحة على الهامشي والمنسي. من التفكير والمبعد من التناول والقول . ناهيك عن علاقة الرواية بالتاريخ والتراث. والاسطورة والسينما. حيث تحولت كثير من الاعمال الادبية في العالمين الغربي والعربي الى مسلسلات وأفلام في غاية التصوير الفني والجمالي والخيالي .لاستلهام الانسان قضايا بذكاء ينم عن المام بالاني والمستقبلي . وحققت بعض الروايات العربية المعاصرة مبيعات فاقت كل التقديرات. رواية “عمارة يعقوبيان” لعلاء الاسواني. ورواية” ذاكرة جسد” لأحلام مستغانمي . ورواية ” ساق البامبو” للروائي الكويتي سعود السنعوسي . وروايات ياسمينة خضرا من الجزائر… دون تقييم الروايات من ناحية الشكل والمضمون. والمستوى الفني والمعرفي. ودرجة التأثير في القارئ . يمكن القول أن تمرين هذا القارئ في الاقبال على القراءة وشراء الرواية. والذي يعتبر في ذاته مكسبا بهذا الجنس الادبي. الذي يعرف تراكما . فكل جديد يدهش القارئ والدراسات النقدية للإنتاج الادبي . والندوات واللقاءات . يلقي فضولا لدى القارئ لاكتشاف الممتع والجميل في الانتاج الادبي. كما للغة دورا في دفع القارئ للقراءة ومتابعة الاستقصاء عن كل جديد. وهذا الشغف للتحصيل المعرفي من واقع الابداع . فالنص الروائي بناء من القيم تبنى بواسطة اللغة . والتجديد الادبي يمنح القارئ التأمل في عوالم سردية للسفر في زمن الحكاية أو الدخول في غابة متشعبة . اننا نتجول في الغابة. واذا لم نكن مضطرين للخروج منها بأي ثمن خوفا من الذئب أو الغول . فإننا سنمكث هناك لمراقبة لعبة الضوء المتسلل من بين الاشجار محدثا بقعا وسط الغابة (2). نزهة القارئ في وسط كثيف من الاشجار والدروب الملتوية. والاحتياط من كل الاشياء حتى من حفيف الاشجار . يسكن في الغابة صمت واصوات . عالم اخر يحيى في داخله الانسان . يتنفس ويترنح في البحث عن حلول للخروج من دائرة التيه والضياع . هل يمكن القول بموت المؤلف حتى يتسنى للقارئ التأويل بطرقه الخاصة ؟ ليست هناك حقائق بل تأويلات كما قال نيتشه . بناء الرواية المعاصرة بالأنماط الجديدة في مجال السرديات. والشخصيات والعوالم المتخيلة يقتضي قارئا متمرسا بالقراءة او قارئا نموذجيا .​

ان الدخول الى رواية شبيه برحلة رجل الى جبل . يجب اختيار نفس. واختيار ايقاع .والا فإننا سنتوقف في البداية (3) . يعني ان القراءة المنهجية تسمح للقارئ المتسلح بالتقنيات والنظريات والرؤى ادراك أبعاد العمل الادبي. فالقارئ العربي لا يمكن أن يبقى سجينا لسلطة النصوص. بل يقتحم بنية النص ويخلخل مفاهيمه وافكاره ويفككها. ومن سمات التفكيكية الغاء المؤلف واتاحة المجال للتأويل والنقد والتجاوز . والكشف عن التناص داخل النص الواحد . فالرواية المعاصرة ليست اطارا فارغ الشكل والمضمون. بل تعبير عن السمات العامة التي تميز فلسفة ما بعد الحداثة . وعالم تنوع السرديات والاسلوب في الكتابة. فموت المؤلف هو نتيجة ميلاد القارئ حسب البنيوية. لا يعني الموت السريري لكن يتوارى صوت المؤلف. ويتجلى القارئ بإمكانيات مهمة في اعادة القراءة متا يحتويه النص الروائي من قضايا سردية . متاهات كبرى في دروب الرواية . المثال من الكتابة الروائية للروائي اللبناني ربيع جابر التي تعتني من عبق التاريخ والزمن المتصل. ومن أجزاء صغرى للأحداث . لا ينكسر السرد عن اكتشاف حقيقة ما. يستمر وينكشف في عمقه مشاكل جديدة. يصب عليها ربيع جابر صبغة تجعل القارئ يدرك أن الزمن غير منفصل عنا. ديمومة الزمن بمثابة نهر متدفق . متصل ومتغير . والروائي عندما يعبر عن الزمن الماضي يكون التعبير مبني وفق سياق لاستعادة الماضي المنفلت من الكتابة والنسيان . فالعلاقة الانية بين كيانات العالم العربي والصراعات المتعددة في عالم يتميز بالانقسام والتشظي يعود القارئ الى زمن الحكاية في قلب أحداث تعود من جديد بكيفيات مغايرة . أشبه بالعود الابدي عند نيتشه . كما تتجدد العوالم بطرق ما . مع السرد يكمن الابتكار الدلالي في ابداع تركيبة أخرى هي الحبكة .وبواسطتها تجتمع الاسباب والاهداف والمصادقة معا داخل الوحدة الزمنية لفعل كامل وتام(4). شهرزاد التي تحكي في الرواية المعاصرة ليست من مواصفات المرأة الحقيقية في الف ليلة وليلة .انها شهرزاد التي تتطلع للمناصفة. وقلب الواقع المعاش التي تعيشه المرأة العربية. نوال السعداوي وغادة السمان وفتحة مرشيد وليلى بعلبكي وبثينة العيسى … حكايات من عالم الصمت وهيمنة النزعة الذكورية .​

يجب أن تتكلم شهرزاد دون همسات في الادن. والغمز بالعين. أحلامها في وسط الجماهير النائمة. والعالم العربي المشلول بالتقاليد والخرافة. والحلول السحرية. والقهر المادي الاجتماعي. وضيق الافق للتفكير في المستقبل يبقى نائما وفي سبات فكري. اغتيال العقل وقصف الفكر وصراع القيم .الاصغاء للصوت القادم من فؤاد الاديب والمفكر اقوى الاجراس التي تقرع بنهاية مدة زمنية وانفتاحا على عوالم اخرى . يكتب الروائي الجزائري واسيني الاعرج عن فضاء اشمل وهو العالم العربي ككيان واقعي. يكتب للحاضر والمستقبل. ويدرك ان الصراعات والحروب تركت بصمات نفسية. ونارا تحت الرماد تبقى مشتعلة .الكل يخاف من الكل . انكسرت على اعتاب الدول احلام رجال ونساء واطفال . انتكاسة ونكوص وتقوقع على الذات. وهروب من الموت. والفرار نحو العبث. الكل يطارد الكل. هواجس ومخاوف لا تنتهي. القضية في اعتقادي ليس وطنا واحدا بل اوطان. ينخرها الصراع وتحترق الفراشات وتحتفظ بالقليل من الوانها. ويمكن أن تنهض من جديد. كانت كلمات معبرة من واسيني الاعرج في بداية الرواية عن الحرب التي تحرقنا وتستمر فينا رمادا حتى بعد خمود حرائق الموت . كل ما ينتظر هذا العالم من ويلات وصراعات استبق فيها الروائي أحداث امريكا في رواية “رماد الشرق” وانتهى الى محاولة استباق الزمن على شاكلة جورج أورويل ورواية “1984” . في روايته 2084 حكاية العربي الاخير” .​

الروائي العربي لا يعيش في ابراج عالية مغلقة أو ينعزل في دير للرهبان مكتفيا بالاستماع أو المشاهدة عن بعد . لكنها خبرة البلدان العربية في الحروب الاهلية . والحروب الدائرة اليوم في اكثر من رقعة جغرافية تدور رحاها تاركة البؤس وخيبات الامل .وانتكاسة النهضة المعاقة في أحضان التعصب وحق القوة . المشكلة في رأي القارئ غير محددة في بلد معين .في “مملكة الفراشة”. فالساردة هي “ياما” الفتاة الذكية المهووسة بالفايسبوك . تعيش في عالم الكتب والروايات . اعتقد أنها وقعت في غرام رجل الا ان النهاية كانت قاتمة. لان هذا الكاتب كان ينوب عنه شخص اخر يتواصل مع المعجبات ويبادلهن الرسائل. من الصعب أن تجد الانسان نفسه مثل شجرة خريفية مجردا من كل شيء حتى من الاوراق الخفيفة التي تغطي خوفه .الاب قتل بشكل مبهم .الام خرجت من هذه الدنيا مأخوذة بعشيق ظلت ملتصقة به حتى الموت . كالمرض الفتاك والمعدي. ومع ذلك كلما اقتربت عودة “فاوست “. زاد خوفي من شيء غامض . أتساءل أحيانا اذا لم يكن عقلي المتمادي في افتراضاته هو السبب(5). معانقة الوهم بالحقيقة . عالم واقعي يخسر فيه الانسان الالوان واللمعان من حياة السلم والاخاء . تتحول الحرب القاسية الى تصفية حسابات. وانتقام بدون سند أو مبرر. وتعيش الساردة في عالمها الخاص أو مملكة الفراشة . لكن في الحروب التي نسميها اهلية . يستيقظ فينا ذلك الوحش. وتلك الغريزة الهوجاء التي تقضي على الحضارة . فقد كان سيغموند فرويد صائبا عندما اكتشف في اعماق النفس الانسانية تلك القارة المعتمة والمظلمة التي ترجع السلوك والفعل للنوازع الغريزية والرغبات اللاشعورية في التدمير لكل ما هو جميل وانساني .​

نوازع الانسان في التدمير تقتضي الانسجام بين الغريزة والقيم. اشتهي عندما تهب الرياح وأنا على حوافه. ان اغمض عيني واطير .أحلق حيث لا حدود لهبلي وجنوني. اطير. اخترق الغيوم الثقيلة التي يخافها الطيارون كثيرا .حتى أصل الى حالة الهدأة الكبيرة. حيث كل شيء يسير من تلقاء ذاته (6). تلك الاحلام والهواجس في العبور الى عالم اخر .الاشباع من الحاضر. والقتل على الهوية. وصراع الانسان ضد اخيه الانسان. والحنين للبدائل . العشيق .الاحلام والكتب. والسفر في عالم الخيال والتواصل على جهاز. والهروب للموسيقى والرسم أهون من العيش في الضيق والحرج. والحروب غير النافعة. في بلاد الحروب والانقسامات كل الاشياء قابلة للذوبان والنسيان . تضيع الفرص في زحمة الصراعات والتشرذم . وامال الجماهير العريضة تركض وراء السراب. وأوهام تحطمت تحت صخرة الحرب الميتة والمدمرة للنفوس . حيث تترك الحروب كدمات لا تنتهي من العذاب النفسي . ولعل الهروب للروايات والكتب والشبكة العنكبوتية وكافة الصور بديل عن الاحتراق الكلي. تصاب الفراشة وتنهض من جديد. وتنفتح اجنحتها في لملمة هذا الكيان المنقسم على ذاته . تقع الفراشة في شراك العناكب أسيرة مصيرها الاندثار. ويمكن ان تتطاير الوانها معبرة عن الحرية .​

يكتب الكاتب العربي بحرقة وجرأة . مغامرة للتعبير في التركيب بين الواقعي والمتخيل . المرئي واللامرئي في صورة غير مكتملة تنذر بالمستقبل. وتعود للماضي من جديد . للبعث واحياء الشذرات المنسية . ويكتب الروائي العربي عن اوطان اصابها الضمور واليأس. عن حالات من الاغتراب والتشتت . والبحث عن الجميل والممتع . المكان الضائع عند ابراهيم الكوني وعودة الانسان من جديد الى عمقه في صحراء شاسعة رمزا للتأمل والصفاء. والصراع مع الطبيعة . وعن الزمن الضائع في بيع الاوهام للشعوب العربية من شعارات رنانة انكسرت بفعل الهزائم المتتالية. وارتفاع اعداد الغاضبين والناقمين والحالمين . العالم العربي يتدرج نحو ازمات داخلية قاتلة وهويات مميتة. نحو عودة المكبوت التاريخي وتغلغل المنسي في التاريخ والسياسة . تعيد الرواية التفكير في الماضي واستعادته في الحاضر. رواية محمد الاشعري “القوس والفراشة ” محاولة لاستعادة امجاد تاريخية. أجيال مختلفة من عائلة الفرسيوي. الجد الاول الذي عاش مدة معينة في المانيا. وعاد الى المنطقة. والابن الثاني يوسف الذي نشط في السياسة حيث انخرط في حركة يسارية. والحفيد الثالث ياسين الذي كان يدرس الهندسة بفرنسا وقرر الالتحاق بحركة طالبان. قتل الاخير. ويبدو أن الاشعري كتب عن الاجيال الثلاث في العالم العربي . اجيال سافرت. وكان لها طموحات في اعادة بناء الامجاد الماضية .والجيل الثاني حيث الصراع الايديولوجي وصل الى مستوى القناعات للانخراط في الحركات اليسارية خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. وأخيرا تحول الشباب العربي الى الحركات الاصولية الراديكالية. حكاية من زمن الامس. قراءة للواقع المغربي مفعمة بالخيال والحبكة التي يروي في داخلها الاشعري مرامي الافراد وطموحات الاباء. وتغير في أحوال الناس والمجتمع . والاجيال التي تفرقت بين الحركات اليسارية والتيارات الاسلامية . انه واقع العالم العربي اليوم الذي تكتب باسمه روايات تستلهم شخصيات خيالية. وافقا منفتحا للقول بالمستقبل القريب والبعيد الذي ينذر بأزمات ربما تعجل بانتهاء العنصر العربي. رواية “2084 حكاية العربي الاخير”.​

يبدأها واسيني الاعرج باقتباس جملة بعثها الديبلوماسي الامريكي “باتريك سرينغ ” الى المعهد العربي الامريكي . نشرت في جريدة الشرق الاوسط نقلا عن جريدة الواشنطن بوست ” العربي الجيد الوحيد هو العربي الميت ” . هذا القول يدل على مدى الكراهية والعنصرية اتجاه العنصر العربي .هذا الحقد الدفين يولد مضاعفات غير محسوبة العواقب في تدمير كيانات بذاتها . لكن الرواية لا ترى في التهديد الخارجي سببا واحدا يشعل نارا عصية على الاخماد. هناك عوامل موجودة فينا . الاستشهاد بالعلامة ابن خلدون دليل على صدق الطبائع العربية في الصراع. وتآكل العمران وخراب المدن . فالثبات على القول يعني أن ابن خلدون في تحليله للطبيعة العربية والمقارنة المؤسسة على علم العمران البشري لازالت قائمة في عصرنا الحالي . فالحدث الروائي قلعة ” أميروبا”. حيث حملت الرواية من البداية نبوءة “أرابيا”. أن امم تقتل نفسها بنفسها. وأنها غير قابلة للحياة ان لم تتدارك الامر بالنجاة. في “أرابيا” يقاتلون على الماء والكلأ. وبقايا النخيل المحروق. لسبب تافه. يسحبون السيوف والسكاكين بعضهم على بعض. ويحرقون الدبابات المتبقية من الزمن الماضي من حروبهم. ويمحون اثارهم . منتصرين كانوا أو منهزمين (7). حكايات تنسج هنا وهناك . شخصيات خيالية تحكي عن زمن الحاضر والمستقبل. صناعة عقول لينة وطيعة للعنف الذي يستشري بقوة في مجتمعاتنا. ومرشح أن يتصاعد وينتهي الى نتائج عكسية واليمة في صناعة مستقبل الاجيال القادمة . “أرابيا” أرض الخيرات وكنوز الطبيعة السائلة . صحراء ممتدة وغدير مياه وواحات وجبال عالية . أرض العراق . أرض السواد حسب عبد الرحمان منيف . “أرابيا” أرض الرسالة .لازالت تعيش على منطق ولى. وزمن جديد يؤمن بالرأسمال المادي والرمزي وحفظ الحياة. فكيف يمكن للعنف أن ينمو في هذه الاوطان؟ هل الاجنبي سببا في تطاحن القوميات والاوطان نتيجة مخططات ودسائس محبوكة بإتقان؟ الجسد “الارابي” كله أصبح حطبا للحروب لا علاقة له بها. يدفع ثمنها بمزيد من الغرق في التخلف . شعارات الحركات المتطرفة من الموت وبالموت وفي الموت والى الموت. لا حياة من ورائها. في اقل من نصف قرن مات أكثر من مليون من سكان أرابيا بالقتل الارهابي على مستوى واسع .أو بسلاح الغرب الجديد الذي كثيرا ما يحرق مدنا بكاملها في مطاردة ارهابي واحد . يتضح في النهاية أنه لم يكن هو المقصود .والباقي تقتله اليوم الصراعات القبلية والعرقية والعطش الذي حل بالأرض كلها(8). يبدو أن الروائي العربي لا يعيش في أبراج عالية بعيدا عن الحياة اليومية. من صراعات متنوعة . فالتخمينات والمخاوف مشروعة من المصير الذي ينذر بالكارثة والنهاية. اذا صارت الامور على حالها يتعطل العالم العربي ويعود للعصور الغابرة وتتلاشى ارادة الانسان في التغيير الحقيقي الذي افضى بالعالم الى قبول معايير كونية في السياسة والانتاج الفكري والعلمي للأمور النافعة .واذا كنا نعتقد اننا طلاب علم وسلام فان الامر يكون محدودا عند النخب ورواد النهضة والانوار ليس الا . بيت القصيد أن السائد اليوم من بؤس اليومي . وتهافت الشعارات في الالتقاء الحضاري والتثاقف آيلة للزوال. لما يسود في العالم من نزوع نحو القوة وصراع الارادات . وحتى لا نرسم صورة متأزمة عن المستقبل .​

هناك أمل ترسمه اقلام عربية عن الفجر والغروب والربيع والورود. والليالي الجديدة في الانس عن تجاوز الازمات والصعوبات. وما يسجل في الرواية العربية المعاصرة لغة الترميز والتشظي. عالم بلا ضفاف. والكتابة المنفلتة من الايديولوجيا متأثرة بالسياقات والتجاوز للسرد الخطي . هنا نلمس عناوين براقة وقابلة للتأويل والفهم منذ البداية . في عمق الرواية وداخلها شكل مغاير عن تفكير القارئ. من الروايات التي يمكن ان تكون مجالا للتأمل . رواية الجزائري عمار لخوص” كيف ترضع الذئبة دون أن تعضك” . الذئبة هي روما . ترضع لبنها يعني القبول بالمعايير والقيم الموجودة . المهاجر المغاربي مطالب ان يتعايش في المجتمع الغربي دون ذوبان كلي والا سيطاله التهميش أي عليه العودة الى بلده الاصلي. يطرح عمار قضية الاختلاف والتعايش بين الثقافات. في روايات اخرى كذلك. رواية العماني عبد العزيز الفارسي ” تبكي الارض يضحك وحل”. و”تغريدة البجعة ” للمصري سعيد مكاوي .ورواية “مديح الكراهية” للروائي السوري خالد خليفة . ورواية “يسمعون حسيسها” للأردني أيمن العتوم . ورواية سميحة خريس ” شجرة الفهود ” . فالقارئ العربي صنفين واكثر : واحد يقف عند ضفاف الرواية وسواحلها. والاخر قارئ نموذجي يهوى التأويل والنقد. ما وراء الحكاية وما ترمي اليه من اهداف وغايات. من هنا يمكن القول بأن الرواية العربية نشأت وتطورت ضمن سيرورة المثاقفة. وهواجس النهضة. وايقاع التصنيفات الاجتماعية وتبدل القيم. وتوالد اللغات داخل اللغة الواحدة. الامر الذي اعطى للرواية مكانة متميزة وحساسية لأنها الشكل التعبيري الاقدر على التقاط صور وعلامات التحولات. من خلال كتابة التاريخ العميق والخفي الممتزج بالزمن المعيش. وبأسئلة الانسان العربي داخل تاريخه الحديث المتسارع الايقاع .المزدحم بالأحداث والهزات(9). ابداعات متواصلة كما كيفا. وما يزيد الابداع وهجا النقد الادبي البناء الذي يمنح القارئ والمؤلف مراجعة أدوات العمل والقراءة .​

أن يمنح المبدع فسحة في القول والحكاية عن عنصر البهجة والسرور. وعنصر التشويق والخيال. وعنصر المفاجئة والاستغراب. وعنصر الصدمة والهلع من المستقبل القريب والبعيد . فالرواية العربية مجالا لاكتشاف الذات واجتراح الحلول وطرح القضايا المعقدة والمركبة في قالب خيالي بالحبكة والعقدة اللازمتين. أي الرواية مطالبة للخروج اكثر من الازواج المفهومية نوعا ما (الشرق/الغرب . الانا/الاخر .الانوثة /الذكورة . الخصوصي/الكوني . الانفتاح /الانغلاق …) . تنفتح الرواية العربية الجديدة على قضايا عدة في التاريخ والتراث وعوالم سردية ونظريات فكرية وفلسفية تمد الروائي بالآليات الممكنة في الكتابة والابداع حتى ترقى الرواية العربية للعالمية .​

الهوامش :
(1) نزيه ابو نضال ” التحولات في الرواية المعاصرة ” المؤسسة العربية للدراسات والنشر .بيروت . الطبعة الاولى 2006 ص17
(2) امبرتوا ايكو “نزهات في غابة السرد ” ترجمة سعيد بنكراد .المركز الثقافي العربي .الطبعة الاولى 2005 ص89
(3) امبرتوا ايكو “اليات الكتابة السردية ” ترجمة سعيد بنكراد .المركز الثقافي العربي .الطبعة الاولى 2009 ص 47
(4)بول ريكور “الزمان والسرد والحبكة والسرد التاريخي” ترجمة سعيد غانمي وفلاح رحيم .الطبعة الاولى 2006 ص13
(5) واسيني الاعرج “مملكة الفراشة “عن مجلة دبي الثقافية .الاصدار 85 الطبعة الاولى 2013 ص295-296
(6) واسيني الاعرج “مملكة الفراشة ” ص378
(7) واسيني الاعرج “2084 حكاية العربي الاخير “دار الآداب .الطبعة الاولى 2016 ص15
(8) واسيني الاعرج “2084 حكاية العربي الاخير ” 259-260
(9) محمد برادة “اسئلة الرواية اسئلة النقد “شركة الرابطة .الطبعة الاولى 1996 ص56

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق