إصدارات

الدورة السابعة عشرة من مهرجان مسرح الهواة

مواهب تمثيلية ورؤى إخراجية جديرة بالوقوف علي خشبة المسرح

مسرح هواة فقير في امكانياته، غنى بحماس الشباب الهواة..
ممثلون جيدون وشخصيات قادرة علي ملء الفراغ، وتقديم نص متميز من كلاسيكيات المسرح العالمي
قدم عدداً من عروض مسرح الهواة المكتملة، وخلق زخماً مسرحياً رائعاً
………………………………………………..

محمود سليمان

مواهب تمثيلية، وتفاصيل مسرحية جيدة تصبو إلي الإكتمال في الدورة السابعة عشرة من مهرجان مسرح الهواة الذي شهدته مدينة الأسكندرية،
واقيمت فعالياته بمسرح ثقافة الأنفوشي.
حالة من المغامرة تحسب لصانعوها، ورؤى إخرجية جديرة بالوقوف علي خشبة المسرح لتخلق حالة أخرى من المغايرة والمقاربة والمحاكاة لأعمال كبيرة ، أما المدهش في الأمر أنّ من بين عشرة عروض مسرحية مشاركة تمثل سبع محافظات، كان عدد الأعمال المأخوذة من كلاسيكيات الأدب العالمي تمثل نصف الأعمال المعروضة، كما أنّ اللغة العربية الفصحى كان لها نصيب الأسد في لغة الحوار، فنجد رائعة ” اريك إيمانويل شيميت”
روايته القصيرة الشهيرة ” أوسكــار” والتي قدمتها فرقة “أصحاب الأحلام” للجمعية المصرية لهواة المسرح ، أعداد إبراهيم ناصف واخراج عبد الله عساكر، بنفس العنوان، وهو عرض الإفتتاح الذي نال استحسان جمهور الحضور، وقدم عرضاً متقناً، وأداءاً تعبيرياً رائعاً في ظل مجهود كبير علي مستوى الكتابة والأداء وكذلك الشخصيات، كذلك صياغة درامية موجزة في ظل العالم المادي، والضغوط البشرية، وفي ظل مسرح هواة فقير في امكانياته، غنى بحماس الشباب الهواة..

هي قوة الإيمان بالمسرح والإيمان بالتجربة التي يعيشها الهواة في عرض ليلة واحدة فقط، كما أنّ البهجة في الأداء فوق خشبة المسرح ، فالمسرح في النهاية بهجة حتى ولو كان الموضوع قاتم وأسود، بإمكانك أن تدرك جيداً أنّ العرض ليس توجهات مخرج بل اشتغال علي الشخصية، لذلك امتلأت الشخصيات بالصدق في الأداء والمحافظة علي الإيقاع طوال وقت العرض.
ورغم اختلاف العرض عن الرواية الأصلية في بعض مناحيه، لكنه احتفظ بذلك الخيط الرئيسى للرواية، غير أنّ النص كان من الممكن أن يتم توظيفه في عرض أكبر وبشكلٍ أكبر، واحساس أكثر وضوحاً، واتضح ذلك في إعداد النص والديكور، وكذلك الإضاءة.
وهذا النص الذي يحمل رؤية فلسفية في مواجهة لعبة الموت، لعبة الأمل، لعبة السعادة، نجده يحتوى علي شخصيتين فقط وهما شخصية ” أوسكــار ، وشخصية ” السيدة الوردية” بينما العرض شاهدناه وقد استنطق واحداً وعشرين شخصية، كان يجب مع كل ذلك أن يتحول الأداء النمطي في بعض المشاهد إلي إعمال الخيال والمغايرة المحسوبة.

. في العرض المسرحي ” حكايات شعبية ” إعداد وإخراج عصام رمضان لفرقة جمعية المصريين بجد، العرض مأخوذ من رباعيات الشاعر الكبير صلاح جاهين المعروفة، والتي قُدِّمت أكثر من مرة من خلال تجارب مشابهة بشكل أو بأخر.
هو عرض جيد إلي حد ما، وذلك بمقاييس مسرح هواة ، ومشكلة العرض اتضحت بدايةً من عدم خلق خط درامي في مجموعة من المشاهد، حتى وإن كانت منفصلة كي تتضح رؤية المخرج، وهو المعد أيضاً للنص، فكنا أمام عرض مسرحى غير تقليدي، هو أقرب للفرجة والمشاهدة، خصوصاً مع المبالغة في تفاصيل وجود قطع الديكور علي خششبة المسرح ولو كانت قطع بسيطة ، فكل ما يوجد على خشبة المسرح لابد له أن يؤدى دوراً أو يعنى دلالة فنية أو رسالة معينة، ويجب الاستغناء عن كل كما هو زائد فوق الخشبة.
وعلي كلٍ فالعرض وإن كان حالة خاصة ونجح في اختيار رباعيات محددة من اشعار جاهين، وبعض الأغاني الوطنية والمتوفيات، كما أن العرض قائم بشكل كبير علي فريق هواة من متحدي الإعاقة أجادوا في تشخيص أدوارهم بالشكل الذي اتضح معه ضعف مستوى الممثلين الأسوياء، بالإضافة إلي المباشرة والدعائية الفجة دون رابط في العرض.

في” الأمبروطور جونز” الذي قدمته الفرقة المصرية للتوعية الفنية والثقافية للمخرج الشاب أسامة جميل تأليف الكاتب الكبير يوجين اونيل، والتي تعبر تعبيراً صادقاً عن مأساة الزنجي الأمريكي، قدم من خلالها أسامة جميل عرضا جيداً جداً، معبرا عن المكون النفسي للشخصية، كما أن العرض متماسك، غير أن النص كان يحتاج بشدة إلي تدريب أكثر علي الأداء اللغوي، وعدم العبث برؤية المؤلف، كما أنّ الحذف الزائد أثر بشكلٍ أو بأخر علي العرض، إذ أنّ أغلب المشاهد في الغابة بشكل ثابت في ديكور بسيط كان يمكن تنفيذه بشكل أفضل.
ولا شك أننا أمام مشروع ممثلين جيدين وشخصيات قادرة علي ملء الفراغ، وتقديم نص متميز من كلاسيكيات المسرح العالمي في عرض مسرحي متشابك وجميل، والمحاولة في حد ذاتها متميزة.

.. “الأخوة كرامازوف” للمخرج خالد العيسوي، تأليف عبيدة أبو الورد، الجمعية المصرية لهواة المسرح عرض جيد إلي حد كبير، فما بين أعلى مستويات الأخلاق، وأحط مستوياتها يدور العرض، الذي يحمل جدليات فلسفية تحمل بعض معانى الحياة، والتناقض وذلك الجدل هو ما أراد المؤلف، وكذلك المخرج خالد العيسوى أن يصل إلينا من وراء هذه الحياة بأخلاقياتها من الروحانيات إلي الشهوات.
العرض به تفكير، ورؤية مختلفة لمخرج جيد، وإن كان قد وقع في بعض الأخطاء، فالإضاءة لم تكن معبرة الشكل المطلوب، ولم تخلق الفاصل بين أجزاء الديكور والموتيفات فوق خشة المسرح، كما أنّ بالعرض ثلاث نهايات، كان من الممكن أن تكون نهاية واحدة، بالإضافة إلي أن العرض طويل إلي حد ما ، هو محاولة لاختصار العالم ” الكون” في مجموعة من الدلالات الفنية علي منهج اساسي هو اللعبة المسرحية، وهو عرض ممتع يمتلك رؤاه ويمتلك ممثلين هواة مبشرين.

أما عن “حيضان الدم” للمخرج أحمد السمان تأليف محمد موسى ، جمعية بورسعيد للفنون المسرحية والثقافية، فالعرض يمتلك امكانيات جيدة، غير أنّ النص نصاً مستهلكا يتحدث عن بلدة في الصعيد ، وقُدِّم عشرات المرات، والمخرج في هذا العرض قد حول الرؤية الإخراجية أو الرؤية الفنية – أن صح القول – جعلها تتبدد وكأنها طقس شعبي أو طقس اسطورى في مجموعة من الصراعات لم تكن جيدة فأضرت بالعرض ، كذلك اداء الممثلين كان ينقصه الكثير من التدريب وفهم ابعاد شخصية الأم التي لم تكن مقنعة، لكنه ملئ بالعنصر النسائي الجيد جداً، كما أن العرض في مجمله جيد جدا من خلال منهج تعبيري وفني واضح ومعبر.

.. في العرض المسرحي ” طريق طروادة” تأليف إلياذة هوميروس ، إعداد وإخراج نور عفيفي ، الجمعية المصرية لهواة المسرح ، فنحن أمام عرض مسرحى متميز خصوصاً علي مستوى الأداء التمثيلي في العرض الذي يجسد المأسأة اليونانية بكل التراجيديات ، لكن لماذا الذهاب إلي التراث اليوناني لأخذ نص مسرحي يعتمد علي الأوديسا والإليزا ، إلا إذا كانت هناك ضرورة فنية، ورسالة معينة وهدف واضح ، فعندما أستحضر ” طروادة” لابد من وجود رسالة، وهو ما افتقده العرض، ولم يعالجه معالجة معاصرة لتتماس مع قضايا نعيشها ، وفيما يتعلق بالديكور فلا يوجد ديكور بالمعنى الحقيقي، كما أن معظم الشخصيات لديها انفعال كبير طوال العرض، ولم ينتبه المخرج بـأنّ الهمس يصل بلا شك للجمهور.

.. عرض ” بدائع الفلهوان في وقائع الأزمان” للمخرج أحمد ثابت الشريف، تأليف رأفت الدويري ، لفرقة تفانين أســيوط ، في هذا العرض استلهام لأساطير فرعونية قديمة، كأسطورة ايزيس وأوزريس ، وكذلك التراث الشعبي كالملاعيب لبديع الزمان الهمذاني ،الحريري، واشعار ابن الفارض ، والحريري، وكثير من الأغاني التراثية والفلكورية ذات الطقس الشعبي، فقد وظّف المخرج رؤيته الفنية بشكل متميز، وقد اتسق معه اسلوب التشخيص، والعرض في مجمله عرض متميز أداءاً ورؤية وتفاصيل مسرحية صغيرة، كما أنّ الديكور جاء متسقاً ومعبراً عن حالة فنية متميزة، وخلق تواصل مع الجمهور بشكل كبير.

في النهاية قدمت الدورة السابعة عشرة من مهرجان مسرح الهواة الذي أقامتها الإدارة العامة للجمعيات والمساعدات الثقافية التابعة للإدارة المركزية للشئون الثقافية مهرجاناً مهماً ، وقدم عدداً من عروض مسرح الهواة المكتملة أو شبه المكتملة، وخلق زخماً مسرحياً رائعاً، كما قدم رؤى مختلفة وآليات فنية يمكن أن تتطور في الأيام القادمة، وإن كان المسرح هو قدرة التعبير عن خلجات النفس البشرية ومبرراتها وحالاتها في إحدى جوانبها ، فقد خلق مسرح الهواة جواً مسرحياً ممكناً وتفاعلاً مع الجمهور بشكل يعود بنا إلي المسرح الجيد، خصوصاً أن كل التجارب لاقت الاستحسان وهي تجارب لهواة محملين برواهم التي لا تنضب والتي اختاروها بأنفسهم ولم يفرضها عليهم أحد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق