قراءات ودراسات

عمّار بلحسن في مرآة الأتراب والأصدقاء

قراءة في شهادات مُحبّيه

 د/ فــاطـمــة صغـير و أ/ رضوان شيخي

ملخص المقال :
تروم هذه المقالة تسليط الضوء على شخصية من شخصيات التي تركت أثرا مشهودا في تاريخ الحركة الأدبية الجزائرية إبان التسعينيات، ألا وهي شخصية الأديب السوسيولوجي عمار بلحسن ؛ وتسعى لكشف بعض شهادات أصدقائه ومحبّيه من مختلف المشارب وعلاقتهم به كإنسان ومبدع وما سجلّوه عنه من خلال ذكرياتهم مع الراحل لنتعرف عليها بالقراءة في هذا المقال.
الكلمات المفتاحية : بلحسن ، الأصدقاء ، شهادات ، عمار ، محبيه …
Résumé de l’article:
Cet article a pour but de mettre en lumière un certain nombre de personnalités qui ont eu un impact remarquable sur l’histoire du mouvement littéraire algérien au cours des années 1990, notamment le sociologue Ammar Belhassen, et de révéler certains témoignages de ses amis et de ses proches de différentes tendances, ainsi que de leur relation avec lui en tant qu’être humain et de ce qu’ils ont écrit à son sujet. Leurs souvenirs avec le retard pour être reconnu en lisant dans cet article.
les mots clé : Belhassan, Amis, Témoignages, Ammar, Fans …

عمّار بلحسن

1. تمهيد:
لا أحَدَ يمكنه إنكار حُضور الأدب الجزائريّ في دولة الإبداع العربيّ، منظومه ومنثوره، وأنّ قصّة تشكّل هذا الأدب فيها من المَرَارة والمشقّة ما يًوحي بمُعاناة بيئته (الجزائر) وكبَدِ أعلامه في شتّى مراحل مَسيرته التي انطبعت تارة بمخلّفات استعمار خارجي جَعَل الأرضَ والفردَ أشلاء وتارة أخرى بآثارِ سياسة مجنونة اقتنصت الكثير من هامات الفكر والإبداع في مشهد سخيف مِن إخراج أعداء الحياة.
كلُّ هذا لمْ يكنْ إلاّ ليزيد حَمَلَة الأقلام على الكتابة إيمانا بمفعولها، وطلبا لحرّية الفكر من مثل محمّد البشير الإبراهيمي (1889- 1965) ومحمّد العيد آل خليفة (1904- 1979) وأحمد سحنون (1907- 2003) ومحمّد ديب (1920- 2003) وبختي بن عودة (1961- 1995) وزهور ونيسي (1937م) والطّاهر وطّار (1936- 2010) وعمّار بلحسن (1953- 1993) الشّاب الفقيد في أوجّ عُمر العطاء، الذي يبدو فارسا ممشوق القوام، يتصدّى بجرأة منقطعة النّظير لبركان الدّم وشبح الموت القابع بجانبه في رقدته الأخيرة بالمستشفى، فلم تثنه رائحة الأدوية المنبعثة من زواياه عن خطّ سيرته المُوجعَة (يوميات الوجع).
إنّه ببساطة التّحدّي الذي تركه لنا عمّار بلحسن عُنواناً جذب إليه – بعد وفاته- كلّ الأطياف، فراحت تغزل في حقّه شهادات تُنبئ بشخصيّة صاحب عِبرة «مُسابقَة المَوت بالكتابة».
لقد أُحيطت شخصيّة الأديب عمّار بلحسن بالكثير من الاعترافات التي هو أهل لها بالنّظر إلى مُنجَزه الفكريّ والأدبيّ رغم تقتير الزّمن الذي لم يمنحه سوى أربعين حجَة، ومع ذلك كانت كافية لحمل هُموم المثقّف، ومشروع الثّقافة الجزائريّة في شتّى صُنوف كتاباته التي لم تكن مجرّد إبداع، وإنّما مشروع تغيير لواقع بَدَأ يفُوح بالتّردّي.
ظهر شخصيّة عمّار بلحسن بكلّ مواصفاتها في كلّ ما خطّه الصّحافيون الذين حاوروه والرّفاق الذين قاسموه درب الكتابة والأدباء الذين جمعتهم به الملتقيات والأمسيات.
إنّ شابّا مِعْطَاءً في عالم الأدب والفكر، يُوَرِّثُ العديد من الأعمال الأدبيّة والفكريّة خلال حياة قصيرة، لجدير بتقصّي تلك الشّهادات التي نطق بها في حقّه كلّ من عَرفَه وأحبّه. فما فحوى هذه الشّهادات؟ وما منزلة أصحابها؟ وهل يمكننا التّعويل عليها لكشف معالم شخصيّة القاصّ عمّار بلحسن؟
وإجابة على هذه الأسئلة، تأتي هذه الورقة البحثيّة، الرّامية أيضا إلى قمع النّسيان، من خلال تخليد شخصيّة المبدع عمّار بلحسن انطلاقا من تصريحات وأقوالٍ تَعود لمُعاصِريه.

عمّار بلحسن

2. مَصدرُ الشّهادات:
عمّار بلحسن نَموذجٌ آخر للذّات الجزائريّة المَكْلُومَة التي اختطّت لنفسها مَسيرة شاقّة في عالم الثّقافة والوَسط الفكريّ الأكاديميّ، أكسبه تكوينه العِلميّ قلما يسيل فكرا وينبض بالإبداع، ولذلك فإنّه من الطّبيعيّ أن يكون خُلَطَاؤُه من النُّخبة المُثقّفة التي تُحاول جاهدةً صُنع مَشهدٍ ثقافيّ يليق بتطلّعات الفرد الجزائريّ وطموحاته.
ومن ثَمَّ فإنّ جلّ الشّهادات التي خُصَّ بها، صَدرت وتصدُر عن الطّبقة المثقّفة المؤلّفة من:
1. الصّحافيون: قبل الإحاطة بأسماء الجرائد والصّحافيين الذين احتفوا بالقاصّ عمار بلحسن، حَرِيٌّ بنا أن نشير إلى صلة الفقيد بقطاع الصّحافة، وهي صلة وطيدة؛ ذلك لأنّه اتّخذها منبرا لنشر أفكاره، والتّعبير عن آرائه، ولعلّنا لا نُغالي إذا قلنا أنّ مبدعَ «حرائق البحر» واحدٌ ممّن كان لهم الفضل في تنشيط ما يُعرَف بالصّحافة الأدبيّة؛ إذ ظفِر بعمود في العديد من المجلاّت التي واظب على الكتابة فيها أشهرُها مجلّة آمال الجزائريّة ومجلّة آفاق التّابعة لاتّحاد كتّاب المغرب وأيضا مجلّة أقلام العراقيّة، مثلما يؤكّده الكثير من الباحثين والمُبدعين من جيله، مثل محمّد مفلاح الذي أثبت نشر عمّار بلحسن لبعض أعماله في العديد من المجلاّت فقال: «الأديبُ الذي قراتُ له قِصَصًا رائعة في المجلاّت والجرائد الوطنيّة منها آمال والمُجاهد الأسبوعيّ كما كنتُ قد قرأتُ له كتابات أخرى كان يبعث بها إلى مُلحَق الشّعب الثّقافيّ الذي كان يُشرف عليه الرّوائيّ الكبير الطّاهر وطّار».
ومثلما أشار محمّد مفلاح، فإنّ الرّاحل عمّار بلحسن لم يَنشُر في المجلاّت فقط، وإنّما نشر بعض الدّراسات والأبحاث كذلك في الجرائد والصّحف مثلما يؤكّده أمين الزّواي إذ يقول: «وكَتَبَ في العديد من المجلاّت والجرائد المَحَلِّية منها والعربيّة وكان إنسانا مُحِبًّا للبحث والكشف عن المجهول».
ويبدو أنّ المرحوم حاز الصّدارة وقَصَبَ السّبقِ في نيل الحُظوة لدى القائمين على الجرائد والمجلاّت الثقافيّة، خاصّة بعد فَوزه ببعض جَوائز الإبداع مثل جائزة القصّة القصيرة التي كانت تسهر على تنظيمها وزارة التّعليم العالي، الأمر الذي أهّله لأن يتقدّم زملاءَهُ في مسألة النّشر داخل الجزائر وخارجها.
ويبدو أنّ المكانة التي اعتلاها مبدع «فوانيس» وسط قطاع الإعلام، خاصّة في الصّحافة الثقافيّة والأدبيّة، جعلته مُحاطاً بالكثير من الأسماء المَرمُوقة في الكتابة الصّحفيّة، وهي التي نجدها في العديد من الأحيان تُشيد به وتُثني على إبداعه وآرائه الجريئة وخدماته الجَليلة للثّقافة الجزائريّة أمثال الكاتب والصّحفي والرّوائي بشير مفتي الذي خصّه بمقال عنوانه «المَنبر غائب والحداثة مَعطوبة»، نشره سنة 2007، كشف فيه واقع الثّقافة في الجزائر الذي لم يتغيّر عمّا وصفه به عمّار بلحسن في دراساته التي وصل صداها إلى بلاد المشرق العربيّ، كما نوّه بتفرّده في الكتابة القصصيّة بخروجه عن المألوف والمعتاد، حين ضَربَ صَفحاً عن التّيار الإيديولوجيّ الذي غَرِقَ فيه العديد من كتّاب القصّة الذين التزموا نمطيّة بعينها، لَم يَستسْغِها عمّار بلحسن فآثر عِوَضًا عنها الذّوبان في الجماليّة والشّعريّة، ونتيجة لذلك جاءت شخصيّات مَجموعاته القَصَصيّة سحريّة لاسيّما النّسويّة منها، وليس هذا فحسب وإنّما أوضح بشير مفتي كذلك تميّز الفقيد في حقل البحث السّوسيولوجيّ؛ إذ أولاه عناية فائقة في أبحاثه التي أثرى بها علم الاجتماع الأدبيّ والثقافيّ، يقول بشير مفتي في هذا الشّأن: «لكنّ شغفه بالإبداع لم يَحُل دون تسجيل حُضوره الفكريّ في المجال السّوسيولوجيّ أو علم الاجتماع الأدبيّ والثقافيّ، وقد أخذ نصيب الأسَد من بحوثه ووقته. هكذا قدّم بلحسن دراسات هامّة كسوسيولوجيّة القراءة والرّواية، وكانت له بُحوث في قضايا الثّقافة الجزائريّة والإنسان الجزائريّ».
ومن الصّحفيين الذين يكنّون التّقدير لمؤلّف «أصوات» نجد الكاتب الصّحفي أحميدة عَيَاشي الذي عدّه مشروع كتابة متعدّد وطَمُوح، لكنّه للأسف توقّف قبل أن يكتمل، ثمّ ينال الإهمالَ بعد وفاته؛ إذ لم تُنشَر أعماله وأبحاثه التي لا تزال حبيسة الأدراج، يقول: «تمنّيتُ لو تذكّرت الجزائرُ هذا الكاتب، لو أعادَت نَشر نصُوصه الكاملة في الإبداع والبحث والتّأمّل … ليس فقط كي لا ننسى، لكن لإعادة بناء المعنى لمسار الكتابة الجديدة في الجزائر».
ويركّزُ محمّد عاطف بريكي في مقال له عن الرّاحل على المشروع الذي نادى به وأسّس له في كتاباته ومقالاته النّقديّة التي اعتنى فيها بالمثقّف والثّقافة من منظور سوسيولوجيّ سعيا منه إلى تغيير الواقع الثّقافيّ في الجزائر، يقول: «كان قلمُه حيّا، أينما تُوَلّيه فهناك وجه الإبداع، لكن همّه الذي رَفَعَه رايةً لمشروع العُمر، تلخّص في العمل على تغيير الواقع الثّقافيّ في جزائر المتغيّرات مع نهاية الثّمانينيات، ولا تزال مقالاته الفكريّة والنّقديّة لإثراء هذا المشروع مبثوثة في أكثر من منبر فكريّ وثقافيّ، لا سيّما منها مجلّة التّبيين وأمال والمسار».ٍ

ويتطرّق إلى القيمة الأدبيّة لبعض مجموعاته القصصيّة المتمثّلة في «الفوانيس» و«حرائق البحر» و«أصوات»؛ لأنّها تعرّضت لإنسان باعتباره قيمة ومشكلات، ينطق بها المجتمع، فتقمّصها الرّاحل، وعالجها بعيدا عن الإيديولوجيّة المُهيمنة، بهدف تصوير معاناة الفرد وحُزنه، يقول: «وتبجس المجموعات القصصيّة لعمّار بلحسن عن إحساس عالٍ بالإنسان فراح يشكّلها في ثوب المتفحّص، المُكتوي بنار حِكَاياته وتطلّعاته الشّخصيّة وعِشقِه للمدينة وحنينه للطّفولة».
ونجد الصّحفيّ والشّاعر منير راجي يذكر فَضله عليه، مُعَدّدًا خِصَاله في مقال خصّصه لأسماء كانت قد برزت أدبيّاً وإعلاميّاً، ثمّ رحلت تاركة شذها العَطِر وراءها، تتنشّقه الأجيال المتعاقبة والعاشقة لسِحر الكلمة وجمال الإبداع من مثل الأديب بختي بن عودة والكاتب بلقاسم بن عبد الله، والقاصّ عمّار بلحسن الذي رآه منير راجي «طويلا في إبداعه كطول قامته … وإنسانا يُحِبُّ النّكت كثيرا».
والحقيقة أنّ الشّهادات الصّادرة عن الصّحفيين، لا تقتصر على الأقلام الرّجاليّة فقط، وإنّما انبرت كذلك أقلام نسائيّة؛ لتُظهر منزلة صاحب «يوميات الوجع» كحال الصّحفيّة جميلة طلباوي التي نعته في الذّكرى التّاسعة عشرة لوفاته بكثير من الحُزن والأسى، جرّاء التّهميش والنّسيان الذي طال شخصيّة بارزة في حقل الفنّ والأدب والإعلام، فقالت: «عمّار أيّها السّامق في أرواحنا … أيّها الشّامخ بأثرك الخالد … هل تعذرنا إن كانت أيدينا الباردة فلتت منها خيوط الوفاء لحظة أو تهاونا … هل تعذرنا إذا لم تغرّد أطيار ذكراك كما ينبغي لك لأنّ الخريف كثيرا ما يستوطن واقعنا ويجعل مشهدنا الثّقافيّ بائساً حزيناً».
وتُطالعنا رتيبة بودلال صاحبة التّجربة الموجعة، نتيجة الفقد الذي هزم الأمومة داخلها بمقال تلوم فيه نفسها؛ لأنّها لم تُشهر قَلمها في وجه النّسيان الذي هَجَم على شخصيّة نَذَرت سنين العُمر لبناء صَرح الثّقافة والإبداع في الجزائر. تقول معترفة بفضله «وبفضله كنتُ أحمل في حقيبتي كلّما ذهبتُ إلى المستشفى (ثمان مرّات) كُتُبًا وقلمًا ودفترا، حتّى أسابق الموتَ بالقراءة والكتابة، فهل يُعقَل بعدَ هذا أن لا أكون معنيّة بالكتابة عنه؟».
لقد غدا عمّار بلحسن للصّحفيّة رتيبة بودلال وغيرها ممّن نكّلت بهم الأيّام نَموذجا قويّا، يستمدّون منه المثال الأروع في الصّبر ومقاومة الوجع ومُجابهة الموت بالتّحدّي عن طريق الكتابة التي تُصبح في مثل هذه الظّروف العصيبة تُرجُمان النّفس المَوجوعة والذّات التي لم يَعُد الموتُ يُرهِبُها.


2. النّقّاد:
لا غرابة أن يلتفّ النّقّاد حول المنجَز الأدبيّ لعمّار بلحسن، فهو المبدع الذي ذاع صيته في عالم القصّة وكتابة المقال، ولعلّ تخصّصه في علم الاجتماع الثّقافيّ ساعده كثيرا على تشخيص سلوك الفرد الجزائريّ ومراقبة ما يؤثّر عليه من قِيَم وعادات ومعتقدات، ولذلك شكّلت مجموعاته القصصيّة نمطا جديدا في عمليتي القصّ والسّرد، بعيدا عن الهيمنة الإيديولوجيّة التي كانت توجّه عَمَل العديد من الأدباء والكتّاب.
إنّ هذا التّوجّه الجديد الذي تبنّاه عمّار بلحسن في إبداعاته الأدبيّة، جذب اهتمام النّقّاد، فراحوا يُعِدّون القراءات النّقديّة، تفسيرا لها، وتوضيحا لقِيَمها الأدبيّة على نَحوِ صنيع النّاقد بشير خليفي الذي بيّن توجّهه المختلف عمّا كان سائدا، انطلاقا من قراءاته النّقديّة لمجموعته القصصيّة فوانيس فيقول: «في مجموعته فوانيس خَرَج بلحسن من الخطاب الذي غَرقت فيه روايات وقِصص جزائريّة كثيرة كُتِبت يومها مُستجيبة لِمُغريات تيّار إيديولوجيّ مُحَدّد».
ويكشف النّاقد بدِقّة مكمن تباين مجموعات عمّار بلحسن القصصيّة عن غيرها فيقول: «مجموعة بلحسن جاءت على شكل مُناجاة لأحلام وأطياف بعيدة / قريبة وأوصافها الشّعريّة البديعة».
والواقع أنّ أسماء كثيرة في عالم النّقد المتّصل بالإعلام الثقافيّ، أجمعت على أسبقيّة عمّار بلحسن في تشخيص الدّاء المتفشّي في المجتمع الجزائريّ، معتمدا آليات الدّرس السّوسيولوجيّ، ومن أبرز هؤلاء النّقدة الشّاعر رابحي عبد القادر وبن ساعد قَلُولي ومحمّد بن زيّان.


3. الأدباء:
إنّ كاتبا وأديبا مثل عمّار بلحسن تسامعت به الأقطار، وتصدّر المنصّة في المحافل العلميّة الوطنيّة منها والدّوليّة، سيكون له حتما رصيد هائل من الشّخصيات الأدبيّة التي حَمَلت لِواء الأدب الجزائريّ الحديث، ومن ثمّ نعته بِحَرارة بعد وفاته، وسجّلت مواقفه النّبيلة، وأَحْصت خِصاله الكريمة، وتلقّت أعماله الأدبيّة بالدّرس والنّقد، شارحةً منهجه في الإبداع.
والأكيد أنّ هذه الطّائفة من الأدباء التي وجدناها تحتفي بالقاصّ عمّار بلحسن وبكتاباته، إنّما يمثّلها الزّملاء في مرحلة التّكوين الأكاديميّ، والباحثون الذين عَرَفوه أثناء مُشاركاته في الأمسيات الأدبيّة والملتقيات والمؤتمرات، فضلا عن رفقاء الدّرب في الإبداع الأدبيّ.
ومن الأسماء المُحتفيّة بالمرحوم نَجد:
1) الخير شوار: صحافيّ وروائيّ، أبّن الرّاحل عمّار بلحسن بعد رحيله، فنعته بالقاصّ الجميل، والصّوت النّشاز بالمفهوم الإيجابيّ في فترة السّبعينيات، الغارقة في الإيديولوجية ذات الطّابع النّضاليّ المُسّطح، والخاليّ من كلّ محتوى جماليّ.
لقد سلك المرحوم مَساراً مُغايراً لما كان سائداً في الكتابة الأدبيّة آن ذاك. يقول: «إنّه عمّار بلحسن تلك العلامة الفنّية الرّفيعة التي حَاورت الإيديولوجيا بروحٍ نقديّة كبيرة لم تقتلها تلك الشّعارات الجوفاء التي قتلت الكثير من النّاس المَحسوبين على الفنّ والفكر».
2) بلقاسم بن عبد الله: رأى الأديب والصّحافيّ بلقاسم بن عبد الله الفقيد عمّار بلحسن كثير النّشاط، أينما كان الأدب والفكر والثّقافة، ولهذا قضى حياته اليسيرة يصُول ويجول بين المثقّفين وفُرسان الكلمة، من اتّحاد الكتّاب إلى الملاحق الثّقافيّة بمختلف الجرائد، ومن الملتقيات والمهرجانات، إلى المجلاّت العربيّة فهذه مجلّة الأقلام البغداديّة، وتلك المنتدى الإماراتيّة، ودونك مجلّة فصُول المصريّة.
لقد ألزم القاصّ نفسَه بهذا النّهج، رغبة منه في إثراء المشهد الثّقافيّ الجزائريّ بالكثير من الأبحاث والدّراسات التي القبول وحظيت بالرّواج مثل دراسة الدّولة والثّقافة في الجزائر، والرّواية والتّاريخ في الجزائر، والأدب الوطني في الجزائر، والإسلام والدّيمقراطية.
3) محمّد مفلاح: يتحدّث الرّوائيّ محمّد مفلاح عن خِصلة حَميدة من عَديد خِصال الكاتب عمّار بلحسن، تتمثّل في الجُرأة الأدبيّة والفكريّة التي عُرِف بها وهو لا يزال طالبا بجامعة وهران، وهي الجُرأة التي أهّلته بعد ذلك ليكون اسما بارزا في عالم القصّة، يُضاهي الكثير من الأسماء التي لا يُمكن لذاكرة المثقّف الجزائريّ أن تنساها من مثل مرزاق بقطاش والجيلالي خلاّص والسّايح حبيب وأمين الزّاوي ولعرج وسيني وعبد الحميد بورايو وجميلة زنير ومحمّد مفلاح الذي يقول عن مُنجزه الإبداعي «كانت قصصاً منحوتة بلُغة شعريّة بليغة، مادّتها من عُمق مسيردة المستقاة من الواقع الثّقافيّ الشّعبيّ».

ولأنّ الكتابة عند عمّار بلحسن، تمثّل تُرجمان الذّات والمجتمع، اعتمدها وسيلة لكشف أزمة الفرد الجزائريّ، وما يُجابهه في واقعه المرير من غبن بسبب التّهميش والفقر والجهل والحِرمان، يقول محمّد مفلاح: «فالكتابة عند عمّار بلحسن مُعاناة حقيقيّة ومُغامرة داخل العالم والإنسان واللّغة».
إنّ المطّلع على كتابات عمّار بلحسن، يقف لا جَرَمَ على التّوجّه الذي ارتضاه لنفسه وصرّح به قائلا: «اهتماماتي الفنّيّة، تتعلّق أساسًا بالكتابة حول أزمة الإنسان في مجتمعنا».
4) الحبيب السّايح: يَجزم القاصّ والرّوائيّ الحبيب السّايح أنّ الحياة لو أمهلت عمّار بلحسن أكثر، لكان اليوم من الرّوائيين الكبار في الجزائر نظراً لثقافته المتشعّبة وجماليّة بلاغته السّاحرة، فيقول: «أقدّر أنّه لو طال العُمر بعمّار بلحسن … إلى هذا الزّمن لكان ليس فَحَسب أكبر كاتب قصّة قصيرة، ولكن ربّما من أكبر الرّوائيين في جِيلنا».
واضح جدّا أنّ تفرّد عمّار بلحسن في مجموعاته القصصيّة التي لقيت الرّواج محلّيا وعربيّا، هو الذي حمل الحبيب السّايح على التّنبّؤ له باعتلاء عرش الكتابة الرّوائيّة.
5) عزّ الدّين ميهوبي: يُصرّح الأديب عزّ الدّين ميهوبي بمعرفته لعمّار بلحسن معرفة دقيقة وعن قرب يوم التقى به في العراق على هامش مِهرجان المربد السّنوي سنة 1988، حيث تبيّن له بشكل جليّ عمّار الكاتب والأديب والإنسان، كما لَفَت انتباهه بمحاوراته ونقاشه الذي يؤكّد عُمق ثقافته فيقول: «كان عميقا في ثقافته، واضحاً في أفكاره، عنيداً إزاء مَن يكرهه على ما لا يقبل، مَرِحاً في المجالس الحميميّة».
والأكثر من ذلك وقف عزّ الدّين ميهوبي على قيمته الأدبيّة، حين سمعه يُحَدِّث يوسف إدريس عن أعماله الإبداعيّة، حَديث القارئ المتمعّن والنّاقد المُقتدر، ممّا جعل يوسف إدريس نفسه يقول عنه: «يبدو أنّك قرأتني أكثر ممّا أعرفُ عن نَفسي».
هكذا أعطى عمّار بلحسن صورة المثقّف المتمكّن الذي يكتبُ كثيرا، ويقرأ كثيرا، ولا يتحدّث إلاّ قليلا؛ لأنّ كلّ وقته للإبداع والإمتاع.
6) وسيني الأعرج: يتواصل اعتراف العُظماء من الأدباء بمكانة بلحسن الأدبيّة على غِرار صنيع وسيني الأعرج الذي يكشف لنا جانبا من مَسيرة المَرحوم الإبداعيّة في مرحلة قَسوة النّشر داخل الجزائر، فيأتيه الأمَل مُشعًّا من بلاد الرّافدين، حيث تبنّت وزارة الثّقافة العراقيّة نشر إحدى مجموعاته القصصيّة «حرائق البحر» فيقول مُبدع ليالي إزيس كُوبيا «استلم عمّار رسالته، فجأة ارتسمت على وجهه ابتسامة طفل، قلّبها على كلّ الأوجه، هذه من عند الرّوائي الكبير عبد الرّحمن الرّبيعي، عندما فتحها وجد بها رواية الأنهار ومجموعته القصصيّة التي طُبِعت في وزارة الثّقافة العِراقيّة، كان سعيدا وهو يقلّب مجموعته «حرائق البحر» بين يديه، الأرض لم تكن لتسعه، شمّ ورقها، تنفسها، لم يكن ذلك إلاّ تجسيدا لتفوّقه القصصي».
7) أمين الزّاوي: كشف الرّوائيّ أمين الزّاوي استياءه جرّاء التّهميش الذي لحق إبداع المَرحوم عمّار بلحسن، رغم كونه من الأقلام الرّاقيّة في الجزائر التي أثرت الأدب الجزائريّ المُعاصر بنفائس الأعمال في عالم القصّة القصيرة، والتي كان من المُمكن أن يلج بها العالميّة من أوسع أبوابها. يقول: «لو كان عمّار بلحسن كاتبا من غير الجزائر لكان كاتبا عالميًا».
ويشيد بإبداعه المتميّز الذي حَمَل كبار المُبدعين العَرَب على الاعتراف له بالجَوْدَة الأدبيّة فيقول: «كيف لا وهو الذي شَهِدت له الأقلام العربيّة منها محمّد خضر من العِراق، حَيدر حَيدر وزكريا ثامر من سوريا، كما أقرّ بإبداعه كبار المُثقّفين العَرب على غرار دياب حافظ».

وبشأن خصائص الكتابة القصصيّة لدى عمّار بلحسن يرى أمين الزّاوي أنّ ميزة الكتابة لديه تتلخّص في امتزاج الشّعر بذات القاصّ المثقّفة فيقول: «أعتقدُ أنّ بلحسن من أكثر القصاصين
ثقافة؛ لأنّه الوحيد الذي جاء من اختصاص عِلمِ الاجتماع».
ويختم أمين الزّاوي شهادته في حقّ الرّاحل ببيان تنوّع ثقافته التي جمع فيها بين الثّقافتين: العربيّة والغربيّة، كما أقرّ بتكوينه فكريّا على يد كبار فلاسفة الغَرب أمثال جورج لوكاتش ولُوسيان غُولدمان.
8) ربيعة جلطي: وتأتي الشّهادة النّسائيّة، ممثَّلة في المُبدِعة ربيعة جلطي التي رأت خَيالَه واسعا بقدر عنان السّماء،ساعدَه على إبداع قصص جَميلة، وصاحِبَ عقل عانق العلم فأنتج أفكارا بعد تحليلاته السّوسيولوجيّة الذّكيّة للظّواهر الاجتماعيّة والثّقافيّة المنتشرة في المجتمع الجزائريّ، فجاء إنتاجه الفكريّ والإبداعيّ ناضجا من البداية محقّقا بذلك مشروعه الثّقافيّ الذي رامه تقول: «عمّار بلحسن سجّل الهدف بجمال، وكتب قصصاً قصيرة خالدة وعميقة، بلُغته العربيّة الجميلة».
ورغم أنّ الحياة أجحفته بحبوحة الوقت، فلم تمنحه سِوى أربعة عُقود، ومع ذلك كانت كافية ليُضاهي بها عمالقة القصّ العربيّ والغربي، تقول: «فاحتلّ بجدارة صفّ القصّاصين الكِبار من أمثال السّوري زكريا ثامر والمصري مَجيد طوبيا والعراقي محمّد خضر والرّوسي تشِيخوف والفرنسي غي دوماباسان».
وتعدّد الشّاعرة ربيعة جلطي جَليل خدماته للجامعة الجزائريّة ممثّلة في جامعة وهران التي تطعّمت على يده ببعض المشاريع وفضاءات البحث الأكاديميّ فتقول: «هو أوّل من استحدث مقياس سُوسيُولوجيا الأدب لدراسة الخِطابات الاجتماعيّة في علاقاتها بعمليّة القصّ والسّرد الرّوائيّ في إطار التّناص والتّمثّل اللّغوي والإيديولوجي والدّلالي بين الحركات الاجتماعيّة الوطنيّة والإنتاج الأدبيّ … استحدث عمّار بلحسن مخبرا لسُوسيولوجيا الأدب في وحدة البحث في الأنتروبولوجيا الثّقافيّة الاجتماعيّة».
إنّ مُكنة الأديب عمّار بلحسن أوصلته إلى طرقِ باب العالميّة، فقد تُرجِمت بعضُ مجموعاته القصصيّة إلى لغات أجنبيّة، وافتكّ بجدارة حيّزا في قاموس Larousse تقول: «”الأصوات” من أجمل النّصوص التي كُتبت في تاريخ القصّة القصيرة المَغاربيّة والعربيّة وتُرجمت إلى الإنجليزيّة والرّوسيّة ولغات أخرى، وليس غريباً أن يُصبح اسمه مَحفورا في قاموس Larousse وإنّه أوّل الدّاخلين إليه من جيل التّسعينيات».
إنّها إذن جملة الإضاءات التي تقدّم بها أعلام الأدب الجزائري، إشادة منهم بقلم مُبدعٍ وجريء، اسمه عمّار بلحسن الذي حوّل الألم إبداعا، والوجع لغة شعريّة ساحرة، يَطرَب لها السّمع، وتنتشي لها النّفس وترتقي بها الرّوح إلى عتبات الجَمال القابع في محراب الكَون.
وكانت قبلها اعترافاتُ رجال الإعلام ممّن تخصّصوا في الكتابة الثّقافيّة التي كان عمّار بلحسن واحدًا من الذين أثروها، واستقطبت كتاباته النّقّاد فأولوها العِناية النّقديّة درسًا وتحليلاً وتفسيرًا.
الهوامش والإحالات :

15

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق