قراءات ودراسات

رحل ساراماغو تاركا كنـزه لنا

د.ماجدة حمود

عايش ساراماغو الطفل مشهدا حفر في وجدانه، فقد رأى جده المحتضر يودع أشجاره التي زرعها بالعناق والقبل! وبذلك رأى لحظة فريدة تلخص معنى الحياة، وتجعله يدرك أن روعتها في التحام الإنسان بالطبيعة، وهكذا علّمه جدّه، بعيدا عن لغة الوصايا والنواهي، درسا لا ينسى، فهزّ وعي الطفل وإحساسه الغض وهو يبث أنفاسه الأخيرة بين أحضان أشجار ربّاها وكبر معها، فكانت مبعث آماله وأحلامه، وأراد لها أن تكون مستودع حياته، يستأمنها روحه! عندها لن يحس برودة الموت!
لهذا بدا لنا ساراماغو الروائي البرتغالي معنيا بالحياة الحقيقية التي تعلمها من جده! فأدرك أهمية أن تتعانق روح الإنسان بالطبيعة، خاصة تلك التي أسهمت يداه في صنع جمالها! من هنا ليس غريبا أن تلح على مخيلة الروائي ضرورة إنقاذ هذا الجمال، الذي هو قرين إنقاذ روح الإنسان من عمى المادة والأنانية!

هنا لابد أن أعترف أنني لم أقرأ أعمال ساراماغو كلها، ورغم أن الترجمة من البرتغالية إلى العربية، تمت، فيما أعتقد، عن لغة وسيطة، ومع ذلك أدهشنا إبداعه، إذ استطاع أن يحقق المعادلة الصعبة التي يطمح إليها المبدع دائما، وهي أن يمتّع المتلقي ويثير في داخله أسئلة الوجود الإنساني، فيبحث معه عن سقطاته، وعن إمكانات إنقاذه من البؤس الذي ينتهك وجوده، ويشوّه إنسانيته!

صاحب هذا المشهد لاوعي الروائي، ودفعه ليطرح أسئلة عميقة في رواياته، تتناول معنى الحياة والموت ومعنى الجمال والقبح ومعنى الشقاء والسعادة!

ليس هذا غريبا على (ساراماغو) الذي عاش الكفاح بكل صوره ومعانيه! حتى قيل إنه “مقاوم لا يخضع للتصنيف” إذ واجه مرارة الفقر منذ طفولته، وأدرك معنى أن يدافع الإنسان عن كرامته! فيزداد حساسية للكرامة البشرية، لهذا حرص على قيم عليا، باتت تفقد معناها في عصر استهلاكي أناني، يقهر المثل العليا! التي تمنح الحياة معنى! ليعلي شأن المادة، فيحيل قيمة الإنسان بما يستهلك، لا بما يعطي من دفء إنساني!

لقد خبر (ساراماغو) الحياة، وغاص في النفس البشرية، فقد عمل في مهن شتى (صنع الأقفال والحدادة والزراعة ومصححا للكتب…) ثم انتقل إلى الصحافة والترجمة! ولم يبدأ الكتابة الروائية إلا في سن النضج، في حوالي الخامسة والخمسين من عمره، فكانت روايته الأولى “دليل الرسم والخط” عام (1977) أشبه بسيرة ذاتية له، تلقي الضوء على كفاحه وأحلامه! وقد أثبت حضوره الأدبي مع اقترابه من الستين، حين تحرر من سيرته الذاتية، وبدأ يعيش للإبداع الروائي، ويخلص له بعيدا عن أضواء الحياة، التي تستهلك العمر، وتستلب العمق! فانعزل في إحدى جزر الكناري، متفرغا للرواية، متأملا في قضايا الإنسان المصيرية! بعد أن تشبّع بتجارب الحياة، لهذا استطاع أن يكتب رواية متجددة، تملك القدرة على الإدهاش بمبناها ومعناها! فبدا لنا مخلصا لفن صعب، لا يسلّم نفسه بسهولة، يتحدى المبدع في ابتكار عوالم مدهشة، مثلما يتحداه بتقديم أزمات إنسانية تهم المتلقي في أي زمان ومكان! لهذا يحتاج الإبداع الروائي إلى المخيلة مثلما يحتاج إلى العمق الفلسفي، الذي يتيح للمبدع طرح قضايا إنسانية بطريقة تخييلية مدهشة، فالحساسية الفنية لدى ساراماغو واكبها عمق فكري وإنساني! لهذا تمكث أعماله في ذاكرة المتلقي، فكلما ذكر (العمى) بمعناه الرمزي (العمى عن القيم الإنسانية وطغيان الجشع والأنانية) تتداعى إلى الذاكرة روايته “العمى” التي تترك بصمتها في الذاكرة، فينهض البناء الروائي شامخا، يجسد أزمة العمى التي تجتاح حياتنا في هذا العصر، وتقضي على أجمل ما فيها! لهذا يبدو البناء رمزيا، يتعمد فيه الكاتب ألا يذكر اسم المدينة التي يصاب جميع سكانها بالعمى، ما عدا زوجة الطبيب، فنكتشف أن كل أبناء المدينة قد وقعوا في فخ الاستهلاك والأنانية! فأضاعوا روحهم، بينما هي من القلة القليلة التي أنقذت نفسها من عالم المادة، الذي يعني الجشع والأنانية والكذب والكراهية، فهذا هو العمى الذي يفضي إلى الوحشية والدمار والحروب، لهذا منح الكاتب زوجة الطبيب القيادة والبصيرة، لأنها تفكر بالعطاء والحب وخدمة الآخرين!

مع رواية (ساراماغو) نعايش العمق الفكري والإنساني، وقد تجلى بأسلوب مبتكر، يجعل المتلقي متلهفا، وهو يتابع الرواية منذ الكلمة الأولى حتى الأخيرة، ويجعل النص الروائي تجربة فنية ممتعة،مثلما هي تجربة فكرية تأخذ بيد المتلقي إلى تأمل حالة التدهور الإنساني الذي وصل إليه!

لقد خاطب (ساراماغو) بفضل فنه المدهش أعماق ضمائرنا، وأطلعنا على بشاعة الحال الذي وصل إليه إنسان عصرنا، فزاد إحساسنا، مثلما حرّضنا على تجاوز بؤس حياتنا وانحطاطها! لهذا ليس غريبا أن يكون نصيرا للقضية الفلسطينية، وتمنع إسرائيل كتبه!

لقد رحل عنا الروائي (ساراماغو) تاركا بصمته على وجه الزمن! فأحسست مرارة الفقد، كم ينسج الأدب  علاقات قربى روحية، تتجاوز، بما لا يقاس، القرابة الدموية!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق