قراءات ودراسات

المتخيّـل الذاتي في بعض نصوص الشاعر العراقي أمير الحلاج

كتابة: علاء حمد – العراق

موضوع المتخيل الذاتي، هو القدرة على إيجاد علاقات وتصورات جديدة من خلال لغة العقل العليا، ومنها تتدارس الصور الذهنية وكيفية الغوص بين مؤثراتها، وعالم الابتكار الذي نسعى إليه، هو عالم الذات الجديدة التي تخلت وهدمت كلّ مايعيقها لكي تدخل إلى عالمها الخاص في خصخصة الخيال والمتخيل، فغياب الأشياء من المتخيل يحضر المحسوس بشكل جزئي، وذلك من خلال آثاره التي يتركها في الذات، وفي نفس الوقت يسعى المتخيل إلى إيجاد الصور النموذجية بشكل حرّ، وحرية المتخيل الذاتي؛ منظوره في المأخذ الواقعي وأبعاده مابين الخيال وقياس المسافات من خلال التراسلات مابينه وبين الخارج.
تقف الذات المتخيلة في مشهد الصورة من خلال المساحة الواسعة التي يمنحها المتخيل واشتغالات الذات نحو الأثر الحسي، فالمحسوس يرافق الصورة بشكل جزئي، مما تتوالد لنا تصويرات شعرية متعددة بين طرفي المعنى والترميز، حيث الرمزية تشكل جزءا من المتخيل والذي يعمل على إدارة الصورة نحو جمالية الرمز، ومنحها الأسبقية في تعدد المعاني للصورة الشعرية المكثفة، والتي تقودنا إلى عنصر الدهشة وتلازم هذا الأثر مع أثر المعنى الفعّـال للصورة الشعرية..
بدرجات عالية من قيم المعاني، يفهمها المتخيل الذاتي هو ينطلق بمناطق قابلة للخيال المزدوج، وهنا نعني بأن الخيال الذاتي له الأولوية في إيجاد اللقاحات الرمزية بشكل غير مألوف، وخصوصا إذا فقد الشاعر حالته العقلانية وراح يدخل حالات الجنون الخلاق والذي له علاقة مع المتخيّل.. إنّ العلاقات التي نزورها من خلال علاقات المتخيل الذاتي، هي تلك العلاقات الدالة مابين الجمل المتواصلة، وهذا الكم التواصلي نلاحظه في نصوص الشاعر العراقي أمير الحلاج، بداية من العنونة وعلاقتها مع جسد النصّ الشعري، وليس نهاية مع النقطة أو النقاط الاسترسالية التي يرسمها الشعراء عادة، فالنصّ الحديث يُعد عادة من النصوص المفتوحة وهو يتقبل التواصل حسب شكله الهندسي الذي يتوصّل إليه الشاعر..
يجمع بينهما الخوفُ
في بيئة الغابة النائيةِ،
فمن الغزال الهارب
تتعالى قهقهات الصيّاد
ومن سماعه الزئير
يبحث عن مخرجٍ
من فراغ البندقية

قصيدة: عامل مشترك – ص 50 – الدائرة خارج الشرنقة
إنّ الواقع العيني اليومي، يختلف عن الواقع العيني التخييلي، وهذا يمدنا على وجوه الاختلافات مابين الواقعين، كواقعة تخييلية تتحكم الذات في سدادتها، وتنطلق كعنصر متحرر من الرقيب الداخلي، لذلك عندما قلت ( المتخيل الذاتي ) فهذا يعني له خاصية مستقلة عن الواقع الذي يقودنا إلى وقائع غير تفكرية.
يجمع بينهما الخوفُ + في بيئة الغابة النائيةِ، + فمن الغزال الهارب + تتعالى قهقهات الصيّاد + ومن سماعه الزئير + يبحث عن مخرجٍ + من فراغ البندقية
يسعى الشاعر العراقي أمير الحلاج إلى توظيف مصادره للتواصل الحكائي مع النصّ الشعري، فعندما اتخذ الغابة، فهذا يعني نحن في عالم منعزل، عالم قررته الذات المتخيلة عن تواجد مزايا الغابة المتعارف عليها( فالغزال والصياد والأسد والبندقية ) كلها أدوات صالحة بأن تكون في غابة، فكيف إذا كانت الغابة نائية.. لذلك مارسمه الشاعر ليس من الواقع العيني المعاش، بل ذهب بنا إلى تصورات وما هو في الذات وتخيلها الصاعد ومن ثمّ الهابط.. فالصاعد هو تصوير الغابة كمنظور خارجي ومايجري في دواخلها، والهابط، هو خصوصية التفاصيل التي رسمها الشاعر: البندقية = الصياد، وهنا حالة استدلالية مابين البندقية والصياد، فعندما نقول البندقية، فهذا يعني هناك صياد، وعندما نقول صيادا، فهناك بندقية أو أداة للصيد..
إنّ جوانب المحسوس عديدة، وخصوصا إذا كان عالقا بالذات التي تجمع معاني العالم حولها، لذلك فعندما تتركه الذات وتتجه نحو المتخيل، فهي قد رسمت عالما مخصخصا لها، وهو عالمها الجديد ضمن آلاف من العوالم الأخرى المتواجدة، فكل متخيل له ذاتيته الخاصة، وكلّ نص بذات معينة، تخترقها من خلال التغيرات التي تطرأ، ومن خلال التحولات التي تجانس الحالات الجديدة، هناك مشاعر بالتجدد، لذلك يشعر الشاعر بأنه ينتمي إلى الجديد، فكلّ تحولاته جديدة، ومنها الذات الجديدة والتي تميل إلى محتويات جديدة وعالم متجدد؛ هذه الحالات وخصوصا لدى الذات الشاعرة لن تكون ضمن الوعي المباشر، فحالة الجنون التي تتجه نحو الشعرية، تفقد المباشرة وتقودنا إلى اللامألوف..
للسنين التي لم تعد ترتدي عنفوان الحقيقة
مرثية الورد
أكتب فوق الرمال
ليخضوضر العمر
مرتديا بهجة الانتشاء العقيم
إذ الفم صرّح بالشفتين
سموّ ازدهار الخواء
فكيف أخادع نفسي
بأن السعادة تزحف دامعة
مثلما غيمة
كلّ آمالها تمطر الانشراح
وتغفو على لذّة الانتظار
بأنّ لنا الغد يأتي على بطنه زاحفا
كلّ آماله البحث عن بسمة
يخدع الشمس
إذ تحتفي تحت ظلّ
ويعلن
هذا أنا الأخضر المتفتّح بين الزغاريد،
فيروز حريّة البحر
تطفو بنشوتها
وتموت من الأوكسجين الرديء

من قصيدة: غبطة… ولكن – ص 59 – الدائرة خارج الشرنقة
جاذبية الذات نحو تأسيس النصّ، جاذبية سحرية مما تؤدي إلى حالة مغناطيسية، فتقف الأشياء والمعاني بالمقابل، وهذا مانلاحظه لدى الشاعر العراقي أمير الحلاج، وهو يقودنا من الداخل الذاتي وتخيلاتها، وإلى الخارج الذاتي حيث تواجد الأشياء والانجذاب نحوها.. تبعث الذات القوى الفعالة، كما يبعث المتخيل من قوى متجانسة تماما في الجنون الخلاق، وهنا يمنحنا الفرصة بأن نكون في إطار تشييد المعاني المتعددة وهذا مانبحث عنه في دراساتنا وتنقيبنا والبحث عن عناصر الجمال الخلاقة التي تحتل مناطقها معظم مساحات النصّ الشعري.. ومن خلال المتخيل الذاتي، يعتبر الشاعر وما يقدمه واقعا أمام العالم الجديد الذي دخلته الذات وصنعتة بصنعة جديدة تحتاج إلى هدم وبناء، لذلك يتم هدم البنية البسيطة وإعادة بناء بنية جديدة، وكذلك بالنسبة للأفكار وإعادة بناء كلّ فكر تخللتها الذات من خلال العمل القصائدي في الشعرية..
للسنين التي لم تعد ترتدي عنفوان الحقيقة + مرثية الورد + أكتب فوق الرمال + ليخضوضر العمر + مرتديا بهجة الانتشاء العقيم
بعض المفردات تشير إلى الحالات الثابتة والتي تصبح مفردات انتقالية في نفس الوقت ومنها على سبيل المثال الأفعال، أو الكلمات التي تكوّن علاقة مع الأفعال؛ فمثلا مفرة ( سنة ) فهي غير قابلة لتغيير المعنى المباشر لهذه المفردة، ولكن ومن خلال تركيبها يتابع الشاعر حركتها من خلال بعض الأفعال: ترتدي، ويعود الفعل إلى مفردة ( للسنين )، فهي التي تتلبس عنفوان الحقيقة، ومن هنا كانت العلاقة واضحة مابين مفردة تموضعية وفعل متحرك انتقالي .. فتمتد المعاني من خلال الأفعال من جملة مؤثرة إلى جملة مكيّـفة بالتأثير المباشر، وعمل الشاعر أمير الحلاج من خلال نصوصه التواصلية تخبرنا بهذا الاتجاه؛ من اتقاد ماضوي إلى توجهات بأسطر آنية..
إذ الفم صرّح بالشفتين + سموّ ازدهار الخواء + فكيف أخادع نفسي + بأن السعادة تزحف دامعة + مثلما غيمة + كلّ آمالها تمطر الانشراح + وتغفو على لذّة الانتظار
فكرة التشبيه الضمني، فكرة مسببة لنتاج معنى أكثر تعدديا، وهذا مايحث من خلال رصد الجمل ودفعها نحو التشبيه الواضح والتشبيه الضمني ( سموّ ازدهار الخواء ) + كازدهار الخواء، لو أردنا الرجوع إلى التشبيه الواضح وتوظيف حرف الكاف لمفردة ( ازدهار )، فسوف يتوضح التشبيه لنا بشكله المباشر؛ وكذلك جملة ( بأن السعادة تزحف دامعة ) = تزحف كالدمع .. إذا أردنا توظيف حرف الكاف طبعا.. وهذه الانشراحات الأريحية والتي تخالف اللغة المباشرة تنتج لنا أفكارا ومعاني إضافية من خلال اتصالات الجمل مع بعضها لتركيز معنى المعنى واعتبار أنّ السياق مفتوحا ليتقبل المعاني من خلال التأويلات الجديدة..
بأنّ لنا الغد يأتي على بطنه زاحفا + كلّ آماله البحث عن بسمة + يخدع الشمس + إذ تحتفي تحت ظلّ + ويعلن + هذا أنا الأخضر المتفتّح بين الزغاريد، + فيروز حريّة البحر + تطفو بنشوتها + وتموت من الأوكسجين الرديء
إنّ واقع الاختلاف بين المحسوس والمعقول، يساوي لنا واقع الاختلاف بين الجنون الخلاق والمألوف، لذلك لو اتخذنا اختلاف العلامات فسوف ندخل إلى واقع الاختلافات مابين المحسوس والمعقول، فتتغير مجريات النصّ الشعري.. من الدال المألولف إلى الدال اللامألوف، فتظهر لنا اختلافات الجمل النصية؛ فالشمس لاتُخدع، ولكن من خلال ادخالها ببناء جديد، أصبحت مخدوعة، وكذلك نحسب حساب المدلول كواجهة للعقلانية، فالمحسوس هنا ومن خلال النصّ الذي رسمه الشاعر الحلاج، انبأنا، بمخاتلاته الفنية وهو يقودنا إلى كمّ من الأحاسيس وتراسلاتها نحو تغييرات الحياة القاطنة في مهد بطيء الهزة.
إنّ الشبكة الدلالية التي اعتمدها الشاعر الحلاج من خلال نصّه ( غبطة.. ولكن )، وبداية من العنونة المنفصلة عن ذاتها، كوّنت لا مرجعية للنصّ الشعري من خلال تواصله مابين الجمل التي ارتبطت بالمعاني والتأويلات؛ فلو أخذنا بنية النصّ الشعري، فسوف يقودنا إلى مفاهيم دلالية، ومن خلال هذه المفاهيم نستنتج الوساطة اللغوية غير التقليدية، فعوامل الاختلاف واضحة من خلال اللغة وتواصلها الفني من جهة، ومن خلال اللغة وعنفها، فقد اخترقت الذات من خلال المتخيل المتحرك، فالمتخيل لايبقى ساكنا مع الذات، وحركتهما نحو ايجاد فعل التواصل، تصبح حركة ديناميكية لإيجاد النصّ النوعي الذي يقودنا نحو الشعرية..

……………..

إشارات:
علاء حمد .. عراقي مقيم في الدنمارك
جزء من بحث مطول تحت عوان:
المتخيّـل الذاتي / التماسك النصّي في التصوير الشعري
في نصوص الشاعر العراقي أمير الحلاج
كتابنا الثالث المعد للإنجاز : عربة الشعر .. الصورة التكوينية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق