ثقافة السرد

التمثيـليــــة

سعيد سالم*

كانت تلك هى المرة الأولى التى أكتب فيها عملاً درامياً للإذاعة وباللغة العامية. سبق أن أصدرتُ العديد من الروايات والقصص القصيرة خلال ربع قرن، فلم يصل صوتى إلى الناس، ولو فى همس خافت. لا شك أنه أمر يستحق دراسة مستفيضة، ولكن ليس هذا هو موضوعنا الآن، بل وإلى أجل غير مسمى. كُتب النص على الآلة الكاتبة وتم تصويره نسخاً عديدة بحيث يتسلم كل ممثل ورقه كاملاً. جلستُ خلف المخرج فى الاستوديو. لاحظت على الفور أنه الملك المتوج للمكان بغير جدال، فالكل طائع لأمره بغير مناقشة، والكل ملتزم بتقديم فروض الولاء وإظهار مشاعر الود والامتنان له حتى لو كان الباطن غير ذلك.

حين سمعت اسمى يتردد بين جنبات الاستوديو بصوت عظيم مجسم، تملكنى زهو جميل، فلولاى لما جلس المخرج على مقعده هذا، ولما وجد هؤلاء الممثلون عملاً يُظهرون من خلاله مواهبهم الفذة ويتقاضون عنه أجورهم العالية التى تفوق أجرى كمبتدئ بالإذاعة.

أذهلنى أن المخرج يقبل الممثلات بلا حرج كما لو كان يمارس حقاً من حقوقه المشروعة، وأنهن يبادلنه القبلات عن نفاق ، ربما يستر النفور أو الكراهية عند البعض ، أو التسليم للأمر الواقع خضوعاً للقمة العيش عند البعض الآخر.

لم أنبهر بكثرة إطراء الممثلين والممثلات على عملى الدرامى لأننى أدركت منذ البداية أن المسألة كلها تمثيل فى تمثيل، وكيف لا يكون الأمر كذلك والحقيقة تقول إن الجميع هنا مشتركون فى تقديم تمثيلية؟! .. قالوا لى:

منذ عشرين سنة لم أمثل دوراً بهذه العظمة يا أستاذ.

يا أستاذ حوارك ناطق حى يكاد يستغنى عمن يقوم بتمثيله .. إنه نفسه يمثل!

بلا مجاملة يا أستاذ. رغم حداثة عهدك بالكتابة الإذاعية فإنك تفوقت بجدارة على كتاب الإذاعة المحترفين

وببساطة شديدة قالت لى إحداهن بعد أن جلست ملاصقة لى على مقعد من مقاعد الاستراحة:

تعال جانبى يا عسل. كلامك حلو. تستاهل عليه بوسه!

ذهلت لرفع الكلفة بيننا دون تمهيد مسبق فأنا لا أعرف حتى اسمها الحقيقى، وإنما أعرف أنها سلوى فى تمثيليتى والسلام، مثلما أعرف أسماء الممثلين الآخرين بأسماء الشخصيات التى يؤدونها فحسب، ذلك أنه لم يكن لدى مبرر كى أزحم ذاكرتى بإسمين لكل شخصية.

بدون مناسبة همس المخرج فى أذنى قائلاً بحنكة:

لا تصدق الممثلين، فهم يقولون الكلام نفسه لكل مؤلف.

لكن ملاحظته لم تهز ثقتى فيما أكتب واعتزازى به مثقال ذرة.

لفتت نظرى سيدة عجوز تجلس بجوار فتاة صغيرة فى ركن بعيد من أركان الاستراحة. كان عليها أن تنتظر عدة ساعات حتى يجئ دورها فى تسجيل الحلقات. ظننت أنها اصطحبت ابنتها أو حفيدتها معها لمجرد المؤانسة. نسيت أن هناك دوراً لطفة، وأننى مؤلف هذا الدور وحكايته.

يتجمع الممثلون الذى لا دور لهم فى إحدى الحلقات فى قاعة الاستراحة. يتحدثون عن خزانة الإذاعة الخاوية، وعن اضطرارهم إلى الحضور عدة مرات لاستلام أجورهم والعودة بخفى حنين. يلعنون ظاهرة المركزية القاهرية فى كل شئ. يتبادلون النكات السياسية والجنسية الفاضحة بغير خجل من وجود سيدة أو فتاة. معظمهم يدخن بشراهة غير عادية، يلقون بأعقاب السجائر على الأرض بلابمالاة.

انتابنى حزن شديد حين لا حظت أن الممثلين يلقون بأوراقى على أرض الاستوديو بمجرد الانتهاء من تمثيلها، فيكنسها الساعى بمقشته مع أعقاب السجائر والأتربة وسائر النفايات. كل شئ يحدث هنا ببساطة وتلقائية.. النص الأصلى يُرسل إلى إدارة العقود حتى يمكن اعتماد الأجر بناء عدد الساعات المذاعة، ليتحول فى النهاية إلى مستند رسمى بإدارة الميزانية أيا كان الفكر الذى يحويه هذا النص. النص المصور لا يعنى الممثل فى شئ بعد أدائه، فلماذا يحتفظ به وهو يستعد لأداء دور آخر فى نص آخر فى اليوم التالى أو ربما فى اليوم نفسه؟!.. الإذاعة تبث النص فى الهواء للمستمعين فيستمعون إليه ثم ينسونه بعد قليل. حتى إذا أراد أحدهم أن يعود بذاكرته إلى مسمع معين لم يستطع، ما لم يكن قد سجل النص بمعرفته. قال لى المخرج:

إذاعة النص عندنا تعادل نشر الكتاب عندك، فلا تبتئسْ!

إذن فهو نشر فى الهواء.

كل شئ فى هذه الدنيا فى الهواء.

لم يكن يقصد أن يكون حكيماً حين قال عبارته الأخيرة. ولكنى تعمدت أن أجد فيها حكمة فوجدت. حكايات معدودة وصلتنى من قراء متباعدين حول كتبى، ولكن مكالمات تليفونية لا حصر لها انهالت على بعد بدء إذاعة تمثيليتى المسلسلة. الناس تسمع إذن، وتهتم وتناقش أكثر مما تقرأ وتتأمل وتفكر. لا مفر من التسليم بالأمر الواقع هذا. ثم إن العائد المادى من الكتب بسيط للغاية، ولا يتكافأ أبداً مع الجهد المبذول فى كتابتها، ولا مع المراجع التى لا بد من الإطلاع عليها قبل الكتابة، ولا مع السجائر والدخان وانحناء الظهر وآلام الرقبة والتهاب أعصاب الأصابع والإرهاق الذهنى والتوتر العصبى والتذبذب الوجدانى وتقلب المزاج مائة مرة خلال فترة إنجاز رواية واحدة قد تدوم كتابتها عامين أو ثلاثة أعوام.

مازالت التمثيلية مستمرة. النص وأنا والمخرج والممثلون مشتركون فى التمثيلية، ومعنا مؤثرات موسيقية وصوتية متنوعة. وتقترب منى السيدة العجوز على استحياء.

يا أستاذ. منذ ساعات ثلاث أنتظر مع ابنتى.

معذرة، ماذا أستطيع أن أقدمه لك من عون؟

دورى ينحصر فى حلقتين، ودور ابنتى فى حلقة واحدة.

وماذا يعنى هذا؟

يعنى أن أجرنا سوف يكون هزيلاً.

وكيف تُحل هذه المشكلة؟

تطيل من دورى ودورها، أكرمك الله!

إننى فى احتياج شديد، لا أراك الله كرباً!

حاضر

لم أدر كيف وافقتها بسرعة على مطلبها، ولا كيف سأتصرف مع النص أو المخرج وفاءً لوعدى لها. انتحيتُ  بالمخرج جانباً، وقررت إتقان تمثيليةٍ أخرى أؤديها أمامه لأقنعه بما نويت عليه من تغييرات فى بعض الحلقات بالحذف والإضافة . ولم أدر أيضاً: هل أتقن المخرج التمثيل حين وافقنى، أم أنه صدقنى بالفعل معتقداً أن ما قلته حقيقة لا تمثيلية؟

*كاتب من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق