حوارات المجلة

الشاعر الفلسطيني لطفي زغلول للمجلة الثقافية الجزائرية: الشعر موهبة تحتاج إلى صقل.

شاعر جميل، له طريقته في رسم القصيدة التي تصل دون عناء. يحرص على النص الشعري الذي يقدمه، بحيث تبدو لنا الكتابة عند الدكتور لطفي زغلول مسؤولية يجب ان تقوم على أساس لغوي وابداعي وجمالي وأخلاقي أيضا، إنه لا يقبل بأنصاف النصوص. بحيث تبدو اللغة مهمة عنده ، لا يمكن التلاعب بأهميتها، أو اسقاط دورها المهم في إيصال النص إلى القارئ وفق دلالات أدبية تعتمد أولا على اللغة نفسها، بكل ما تعنيه من جمال ومن نحو واملاء، لهذا يشعر القارئ بحميمية نحو نصوصه الأدبية.

في هذا الحوار، حاولنا الاقتراب من شاعرنا الدكتور لطفي زغلول، لمعرفة رأيه في جملة من المواضيع والقضايا المرتبطة بالشعر والكتابة.. وهذا نص الحوار كاملا:

المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت من الدكتور لطفي زغلول أن يعرف نفسه، ماذا سيقول عن نفسه؟

د. لطفي زغلول: ولدت في مدينة نابلس “جبل النار” في العام 1938. أنا النجل الأكبر للشاعر واللغوي الأديب الراحل عبد اللطيف زغلول. * محاضر جامعي متقاعد، درّست خلال عملي في الجامعة مادة اللغة العبرية. *رئيس منتدى شعراء اللغة العربية الفصحى في موسوعة الشعر العربي، ومقره القاهرة. * أطلق عليّ الكثيرون لقب “شاعر الحب والوطن”. * أنا عضو لجنة إحياء تراث الجامعة وتطويره. * عضو الهيئة الاستشارية لاتحاد كتّاب فلسطين. *عضو اتحاد كتاب العرب، واتحاد كتاب الإنترنت العرب. هذه نبذة مختصرة من سيرتي الذاتية: أنا النجل الأكبر للوالد الشاعر الراحل المرحوم عبد اللطيف زغلول صاحب ديوان ” نفح الذكرى” 2004. في كنفه، وتحت رعايته، بدأت كتابة الشعر في سن مبكرة، وتلقيت الدروس التأسيسية في محبة اللغة العربية، والإهتمام بقواعدها نحوا وصرفا وتراكيب لغوية وبلاغية. شاعر لي حضور بين شعراء كل من: الموسوعة العربية الكبرى للشعر العربي- دار ناشري للنشر الإلكتروني- الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب- الإتحاد العربي للإعلام الإلكتروني- الموسوعة العالمية للشعراء العرب- بوابة الشعراء- مؤسسة معجم البابطين- شبكة الأدب العربي- مدونات مكتوب. إلى جانب كوني شاعرا، أنا كاتب لي زاوية أسبوعية في جريدة القدس المقدسية تحت عنوان عريض “همسة”، أتناول فيها موضوعات سياسية، وأدبية، وثقافية، واجتماعية، وغيرها. حتى الآن لي ما ينوف عن 700 مقالة منشورة في جريدة القدس المقدسية، والعديد من المنتديات والمجلات الإلكترونية العربية والمحلية. أصدرت منها إلكترونياً عددا من الكتب – فلسطين.. حق وراءه مطالب – قراءات في المشهد الثقافي العربي – انتماء. هذه الكتب مدرجة على موقع دار ناشري للنشر الإلكتروني:www.nashiri.net أصدرت حتى الآن 24 ديوانا شعريا مطبوعا ومنشورا. في خزانتي ما ينوف عن 70 درعا وشهادة تقديرية فلسطينية وعربية ودولية، كُرِّمت بها: هذه بعض منها: درع محافظة نابلس، درع المجلس البلدي، درع جامعة النجاح الوطنية، درع جامعة القدس المفتوحة، درع منارات نابلس، حيث تم اختياري واحدا من منارات الوطن. درع وزارة الثقافة الأردنية، درع وزارة الثقافة الفلسطينية، درع مهرجان القدس للشعر والأدب، درع جمعية عيبال في الأردن. درع الإبتسامة الجميلة العالمية. دروع العديد من المدارس والجمعيات والمؤسسات الأهلية، وغيرها الكثير.

 المجلة الثقافية الجزائرية: أنت شاعر من ضلع شاعر كما يقولون. هل القصيدة وراثية إلى هذا الحد؟

القصيدة ليست وراثية. صحيح أن المرحوم والدي كان شاعرا. لقد تأثرت بعالمه الشعري، فكنت شاعرا لأنني كانت لدي الموهبة الشعرية، إلا أن أحدا من أبنائي لم يكن شاعرا، وهذا يؤكد عدم كونها وراثية. الشعر موهبة، إلا أن هذه الموهبة تحتاج إلى صقل كيما تنضج وتؤتي أكلها. من عوامل نضوجها الإلمام باللغة قواعدها صرفا ونحوا، جمالياتها البلاغية، القراءة المستدامة، الأسفار، التجارب الحياتية، التقدم بالسن، إلخ. “إن القصيدة إيحاء يتنزل على الشاعر الحقيقي الذي يكاد يقتله جمر الشغف والجنون إليها، ويغرق مشحوناً بهواجسه، وهواجسها حتى يصل مرحلة انهمار جمر شهدها عليه، فتأتيه… طائعة… شغوفة به وإليه، رهيفة كرذاذ الندى، فإذا ما طوّقته بلذة جمرها وشهدها انسكبت ملء جوانحه وجوارحه حتى تستقر بين راحتيه، وأصابعه تتجلى في رسمها عذراء تكتب نفسها بنفسها كما تشاء، وكيفما تشاء بسحر فيضها وروعة تدفقها الموجع الشجي القاتل”.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل تشعر أنك تكتب قصيدتك الخاصة دون التأثر بالآخرين؟

ليس هناك من شاعر لم يتأثر بالآخرين من أقرانه. إلا أن هذا التأثر لا ينبغي له أن يكون حالة مستدامة، وإلا كان شعره اجترارا لما يقوله الآخرون. في قصيدتي “هل تحب المتنبي”، من ديواني “عشتار.. والمطر الأخضر” 2007 تطرقت إلى هذه القضية، وأنا أتحدث عن الشاعر الكبير المتنبي:

إيه يا سائلتي..

كَيفَ لا أُسكِنُهُ أَوجَ فَضَائِي

كَيفَ لا أَزهُو بِهَذَا الكِبرِيَاءِ

أَنَا فِي بَحرِ قَوَافِيهِ.. رَكِبتُ الشِّعرَ..

حَتَّى صَارَ لِي بَحرِي وَمَائِي

أجل لقد أصبح لي بحري ومائي منذ زمن بعيد. قصيدتي تنبع من أحاسيسي ومشاعري. أقول كثيرا منها استجابة للظروف التي تفرض نفسها عليّ، ولكني لا أقولها إلا إذا أحسست بها تتدفق في عروقي. إنك تستطيع القول إن لي قصيدتي الخاصة بي، لا تنتهج التقليد واتباع الآخرين.

المجلة الثقافية الجزائرية: لعل ما يميّز الشعر الفلسطيني أنه أكثر حراكا وتنوعا من غيره، إلى ماذا يعود ذلك؟

قدر الشعر الفلسطيني أنه ولد من رحم النكبة الفلسطينية، وهذا منحه مساحة من التميز والحراك والتنوع أكثر من غيره. يقولون إن الألم هو صنيعة النار التي في أتونها تنضج العواطف والأحاسيس. وهل هناك ألم أشد قساوة ومضاضة على المرء من فقدان الوطن، أو رؤيته وهو يغتصب ليلا نهارا؟. هل هناك ألم يفوق التحرق له والحنين إلى العودة إليه؟. إن ارتباط الفلسطيني بأرضه المغتصبة، وعدم نسيانه إياها، ولّد هذه الأعاصير من الشوق والحنين لها، إلى درجة التضحية في سبيلها، وبذل النفس والنفيس على مذبحها. ها هو العقد السابع قد دخل أجندة الزمن، وما زالت فلسطين في أيدي الغاصبين، والأنكى من هذا كله هذه الموجات التطبيعية العربية مع العدو المغتصب، والتي تصب زيتها على نار الإبداع الفلسطيني، وتمنحه أبعادا، وأشكالا أخرى تدور كلها في فلك المأساة الفلسطينية التي لا تنتهي، ولا تقف عند حدود. إن نيران الشعر الفلسطيني تشكل تحديات مستدامة لا تقف عند حدود.

المجلة الثقافية الجزائرية: ثمة من يرى أن ارتباط الإنسان بالأرض/ القضية هو الذي يصنع ديمومة القصيدة لديه، بحيث تصبح ملكا إنسانيا مطلقا. ولنا في تجربة الشاعر الراحل محمود درويش نموذجا؟

إن بناء القصيدة الفلسطينية في معظم أشكالها وألوانها قد سبقت بعقود الشاعر محمود درويش، ومن الظلم أن نتناسى شعراء فلسطين الكبار، مثالا لا حصرا “إبراهيم طوقان، أبو سلمى، عبد الرحيم محمود، عبد اللطيف زغلول، وغيرهم قوافل من الشعراء، لقد سبقوه في موضوع القضية، والهوية، والأرض، وكل ما يمت إلى فلسطين بصلة. كل ما في الأمر أن قصيدة درويش قد تزيت بأزياء، يمكن القول إنها حديثة، إلا أن فلسطين ظلت هي الأرض والوطن، والشعب الذي فقدهما وما زال.

المجلة الثقافية الجزائرية: هذا يقودني إلى سؤالك عن القصيدة التي تكتبها، فهي تبدو محكمة، فصيحة، يخيل إلى القارئ أنك ترسمها بطريقة ما. فكيف تتجسد القصيدة لديك؟ وهل لديك طقوس ما قبل الكتابة أو بعدها؟

أنا لغوي قبل أن أكون شاعرا، أو كاتبا. هكذا أراد مني المرحوم والدي. إن اللغة السليمة الجميلة بستان، يرتاده المتمكن منها يقطف منه ما يشاء بيسر وسلاسة. إن اللغة هي البنية الأساسية لأي إبداع أدبي، واللغة السليمة هي الزي البهي الشهي الذي يفتح الشهية لهذا الإبداع، إنها المرتكزات الأساسية لأي إبداع لغوي، إلى جانب الخيال، والإزاحات اللغوية. من هنا وعلى هذا الصراط كتبت قصيدتي التي وصفتها أنت بالمحكمة الفصيحة. إنني لا أتخيل نفسي أرص الكلمات رصا عشوائيا، أو أنني أنحت في الصخر الصلد، أو أغترف من مياه ضحلة آسنة. لا بد لي أن يجتاحني شعور إعصاري لكتابة القصيدة التي أنفخ فيها من روحي، وأدثرها بما يليق بها من أزياء، وأزينها بالحليِّ التي تناسبها. في العادة أفضل ساعات الغروب، وساعات السحر للكتابة. هذه الساعات مفعمة بالهدوء والسكينة اللذين يشكلان أساسا لطقوس الكتابة عندي. كما أنني كنت أستهلك كمية كبيرة جدا من الورق لكتابة قصيدة واحدة، أما اليوم فأنا أستخدم الكومبيوتر. من الطقوس الأخرى أنني أعرض ما أكتبه على السيدة زوجتي لإبداء رأيها، إنها مثقفة وقارئة جيدة وتتمتع بذائقة “نقدية”، ولكن ليس بالضرورة أن أنقاد على الدوام لرأيها.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما يبدو ملفتا أن بعض الشعراء توجهوا إلى الرواية.. هل ثمة نقص في القصيدة كي يعوّضها الشاعر بالرواية مثلا؟

قديما قيل “الشعر ديوان العرب”، ولست هنا بصدد أن أشرح هذه المقولة وما تتضمنه من رؤية وتصوير حكيمين للواقع العربي على مدار التاريخ. في اعتقادي أن الإقلال من قيمة الشعر خطيئة أكثر من كونها خطأ. إنها استهداف لهذا الموروث الجليل في التاريخ العربي. يدعي بعض النقاد أن زمن الشعر قد ولّى، وأن الزمن الحالي هو زمن الرواية، وسوق الرواية هي الرائجة. كلا وكلا وألف كلا. الشعر لا ينتهي. إنني لا أتصور زمنا بلا شعر. إن الشعر هو الحب، هو الوطن، هو الأرض بأطيارها وأزهارها، هو الليل بأقماره ونجومه، هو البحر بأمواجه، هو علاقة التجلي بين الإنسان وخالقه، إنه أجمل الخيالات والرؤى، فكيف يدعون أن الشعر قد انتهى زمنه. هل يريدون إنسانا بلا مشاعر وأحاسيس ووجدان؟. هل يريدون عالما متحجرا لا روح في كيانه؟. أما إذا كان الشاعر يملك مقومات كتابة الرواية وآلياتها فلا بأس. إن التحول عن الشعر إلى الرواية ليس لعبة تمارس، وليتذكر كل الحاقدين على الشعر أن الشعر لا يموت، طالما أن هناك شعورا، وطالما أن هناك وحيا يتنزل على من اختارته الأقدار ليكون شاعرا. خلاصة قولي أشعر أن الشعر العربي مستهدف. إن العرب لم يبدعوا في فن الرواية الحديث على دنياهم كما أبدعوا في فن الشعر الذي عاش معهم قرونا، ولا يزال.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف يقرأ الدكتور لطفي زغلول زملاؤه الشعراء في فلسطين والوطن العربي؟

إنني أرفع لواء التضامن مع كل شاعر حقيقي عربي كان أو فلسطيني. في ذات الشأن أدعو كل الدوائر المختصة إلى الأخذ بيد هؤلاء الشعراء في كل المجالات.

هناك موجات مما يسمى الشعر المنثور”لا أقول كلها”، تتخبط في مسيرتها. تسيء للغة العربية، تسيء للشعر الذي هو أسمى بكثير مما يُكتب، ظانة أن الشعر مطية سهلة الركوب والإنقياد. أرجو ألاّ يُفهم من كلامي هذا أنني ضد الحداثة والتحديث.

المجلة الثقافية الجزائرية: وما مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟

للأسف الشديد إن ما يصلني هنا في المشرق العربي من الأدب الجزائري يكاد لا يذكر مقارنة مع الآداب العربية الأخرى “مصر،لبنان،سورية”، على سبيل المثال. لقد قرأت لأحلام مستغانمي، وسمعت بالطاهر وطار. إنني أتحرق إلى المزيد. إلا أن مجلتكم الزاهرة قد سدت بعض النقص.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ الآن؟

إنني الآن أقرأ كتاب “المفهوم المكون للثورات العربية.. الواقع والتحديات” لكاتب فلسطيني. وأقرأ كتابا باللغة العبرية عن “إسرائيل 50 عاما”. هناك بعض الدواوين الشعرية لشعراء آخرين هي الأخرى لها نصيب من اطلاعي عليها. إن كنت أنسى فلن أنسى مجلتكم الغراء، وما يكتب على صفحات المجلات والمنتديات الإلكترونية.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتب؟

هناك ديوان شعري تحت عنوان “الليلة شعر.. وغدا شعر” أجري عليه اللمسات الأخيرة قبل أن أرسله إلى المطبعة. هذا إضافة إلى مقالاتي الأسبوعية المتنوعة والتي يغلب عليها الطابع السياسي، ولكن هناك نصيب للثقافة والأدب والتربية.

المجلة الثقافية الجزائرية: كلمة أخيرة ترغب في قولها؟

لم يعد الشعر هذه الأيام كسابق عهده. لقد ولى زمن الشعر الجميل، ولم يبق من هذا الزمن إلا القليل القليل. إنه زمن الكومبيوترات والفضائيات والإنترنت، والأجهزة الخلوية. رغم كل ذلك سيظل هناك شعر وشعراء حقيقيون، ويوما ما سوف تشعر الإنسانية أنها قد فقدت، إذا اغتيل هذا الكائن الرائع عزيزا على الإنسان والإنسانية لا سمح الله ولا قدَّر. إنني لا أتصور عالما بلا شعر، ساعتئذ يصبح جسدا بلا روح. مما زاد الطين بلة هذا النمط من الكلام الذي يطلق عليه شعرا. إنه كلام فارغ غارق في الطلاسم والإبهام والغموض، ولا أدري لمن يكتب، ولا لأية شريحة من المتلقين، هذا إذا ما وجد له متلقون. إنني أعتبر إدراج قصائد وأناشيد لي في المنهاجين التعليميين الأردني والفلسطيني أعظم تكريم لي، إضافة إلى أن وزارة التعليم العالي الفلسطينية قد اعتمدت لي نشيد “الشباب” ليكون نشيدا لكليات فلسطين التقنية، كذلك اعتماد وزارة الرياضة والشباب الفلسطينية نشيدي”الطلائع”. لقد سبق وأن فاز نشيدي “أنا يا أمّاه فلسطيني” بالمركز الأول في مهرجان الطفل العربي الذي عقد في الأردن، والذي شاركت فيه سبع عشرة دولة عربية في العام 1996. كذلك نشيد “مغناة فلسطين” الشهير في مهرجان دبي للأغنية الوطنية العربية بالمركز الأول في العام 2007. الإنترنت منبر من ليس له منبر من المبدعين. إنه الوسيلة الأسرع والأوسع انتشارا في العالم.. أنا شخصيا أتعامل مع عشرات المنتديات والمجلات الإلكترونية، وقد أصبحت معروفا، ولي إسم في كثير من الأوساط الأدبية والشعرية العربية بفضل الإنترنت والفيسبوك، وتأتيني الكثير من الردود والتعليقات والتحليلات من جهات لم أكن أحلم بالوصول إليها. كتبت الشعر في ثلاثة: “الله- الوطن- الحب والمرأة”. لقد أنهيت مؤخرا العمل في كتابي الجديد “كنار.. في جبل النار”، وهو سيرة ذاتية لي شاملة، والكتاب قد طبع. نسخة منه مُدرجة على موقعي: www.lutfi-zaghlul.com

إلى جانب كتاب “شاعر الحب والوطن” الجزء الثاني الذي أسلفت الحديث عنه، وهو قيد الطباعة. لي نشاط واسع على شبكة التلفزة المحلية، وبعض الفضائيات العربية، قصائد مسجلة بالصوت والصورة، ولقاءات. كان المرحوم والدي الشاعر واللغوي الأديب عبد اللطيف زغلول يقول لي على الدوام: “إنك يا لطفي لن تكون شاعرا أو كاتبا، أو لك أية صلة بالأدب إن لم تكن متمكنا من لغتك العربية قواعدها صرفا ونحوا وبلاغة. أقول لهؤلاء” الشعراء” النازلين إلى الساحة الشعرية حديثا: “إنتبهوا إلى لغتكم قبل أن تكتبوا أية كلمة، هي في النهاية أمانة في أعناقكم”. لا يفوتني أن أتوجه إلى مجلتكم الغراء بشكري وامتناني العميقين على استضافتي. إن استضافتي هذه رمز لعلاقة عربية أخوية تصدر عنكم. إن الجزائر لها مكانتها في قلوبنا نحن في المشرق العربي. إنني من الجيل الذي عاصر الثورة الجزائرية. إنني كمدرس عاصرت طلبة جزائريين كانوا ضيوفا في نابلس قبل الإحتلال بسنوات، وقد رحّلهم الإحتلال الإسرائيلي في العام 1967. حيا الله الجزائر، وحيّا شعبها العربي الأبي. دمتم ودامت مجلتكم الغراء، ودام عطاؤكم. حياكم الله. 

قصيدتان:

 

هل تحب المتنبي ؟

 

سَأَلَتنِي.. هَل تُحِبُّ المُتَنَبِّي

إيهِ يَا سَائِلَتِي.. وَاحَرَّ قَلبَاه..

فَمَن إلاَّهُ.. ذِكرَاهُ..

تُضِيءُ الحُبَّ فِي ظَلمَاءِ قَلبِي

أَنَا لا أُنكِرُ حُبِّي.. أَيْ وَرَبِّي

أَنَا صَبٌّ فِي هَوَاهُ أَيُّ صَبِّ

 

سَوفَ أَتلُو لَكِ مِن ذِكرَاهُ ذِكرَا

فَارِسَاً كَانَ امتَطَى العَليَاءَ مُهرَا

كَانَ حُرَّاً يَعرُبِيَّا

كَانَ تَارِيخَاً وَعَصرَاً ذَهَبِيَّا

كَانَ مَا كَانَ.. فَظَنُّوهُ نَبِيَّا

 

مَن سِوَاهُ أَشعَلَ القِرطَاسَ فِكرَا

مَن سِوَاهُ كَلَّلَ الهَامَاتِ كِبرَا

مَن سِوَاهُ.. يَومَ غَنَّى الشِّعرَ..

صَارَ الشِّعرُ شِعرَا

مَن سِوَاهُ عَاشَ حُرَّاً.. مَاتَ حُرَّا

 

سَأَلَتنِي.. وَكَأَنَّ الأَمرَ..

رَهنٌ بِسِؤالٍ وَجَوَابْ

أَنَا مَهمَا قُلتُ عَنهُ..

لَم أَقُلْ إلاَّ حُرُوفَاً مِن كِتَابْ

 

إيهِ يَا سَائِلَتِي..

مَرَّت عُصُورٌ وَعُصُورُ

وَلَكَم هَلَّ مُلُوكٌ.. وَلَكَم وَلَّى مُلُوكٌ

وَلَكَم سَادَت قُصُورٌ..

وَلَكَم بَادَت قُصُورُ

وَأَبُو الطَّيِّبِ فِي عَليَائِهِ..

مَا هَجَرَ السَّاحَاتِ.. أَو يَومَاً..

عَنِ الخَيلِ أَوِ الَّلَيلِ أَوِ القِرطَاسِ غَابْ

هَرِمَ الشِّعرُ.. وَشِعرُ المُتَنَبِّي

لَم يَزَلْ يَرفُلُ فِي شَرخِ الشَّبَابْ

 

إيه يا سائلتي..

كَيفَ لا أُسكِنُهُ أَوجَ فَضَائِي

كَيفَ لا أَزهُو بِهَذَا الكِبرِيَاءِ

أَنَا فِي بَحرِ قَوَافِيهِ.. رَكِبتُ الشِّعرَ..

حَتَّى صَارَ لِي بَحرِي وَمَائِي

 

إغتراب

إلى فلسطينية .. من وطني المحتل عام 1948

إلتقيتها في مطار باريس

في رحلة شتات مستدامة

 

 

إلتقينا.. في بلادِ اللهِ

كانَ الزَّمنُ الأوَّلُ

يصطافُ على شُطآنِ عينَيها

وكانَ البَحرُ.. يرتاحُ الهُوينى.. فيهِما

والصَّيفُ شلاَّلُ ضياءٍ في محيَّاها

وفي ضِحكتِها شمسُ نهاراتٍ وأقمارُ ليالِ

 

مَن تكونُ الحلوةُ السَّمراءُ

إنّي لا أُبالي

أبداً.. إنّي أُبالي

نزلتْ أودِيتي صالتْ وجالتْ

صعدتْ أعلى جِبالي

إنَّها تجتاحُ تَفكيري

وقد أصبحَ بعدَ الآنِ.. رهنَ الإحتلالِ

 

قدرٌ جاءَ بِها..

ما أصغرَ الدُّنيا.. إذا شاءَ طَواها

فالتقى كُلُّ شتيتٍ بِشتيتٍ

بعدما ضاعا وتَاها

حلوةٌ من وطني السَّاكنِ عَينيها

بإطلالتِها تخضوضِرُ الذِّكرى

وتسترجعُ أيَّامُ الرُّؤى الخُضرِ صِباها

جلستْ تَحكي وتَحكي

أمطرتْ شعراً لَهُ عِطرُ الأزاهيرِ

على مِحرابِ صَمتي.. شفتَاها

ضحكتْ في وَجهِها شَمسُ نهاراتِ بِلادي

فتمنَّيتُ لَوَانّي طائرٌ مدَّ جناحيهِ

وأزرى بالمسافاتِ

فأمسَى ثم أضحَى في حِماها

 

لم تكنْ تَعرفُ أنّي مِثلُها كنتُ غَريباً

ساقتِ الرِّيحُ رِكابي

شرَّقتْ بي.. غَرَّبتْ

سيَّانَ عِندي يومَ أصبحتُ على غيرِ تُرابي

وطني مغتربٌ مِثلي

غَريبٌ جاءهُ من آخرِ الدُّنيا

فدقّتْ ساعةُ الأحزانِ..

في مُنتصفِ الَّليلِ..

صارَ الزَّمنُ الأوّلُ ذِكرى

والمَدى ما بينَ لَيلي

ونهاياتِ المَدى بَحرَ سَرابِ

والغَدُ الآتي إلى أن ينتَهي كُلُّ غَدٍ

عَصرَ اغتِرابي

 

أنا لا أعرفُ يا سيِّدتي الحُبَّ..

لأنَّي قد تَركتُ الحُبَّ..

أقفلتُ عليهِ بَابَ داري

ريثَما أرجعُ..

كانَ الظَّنُ أنّي راجعٌ

في ظرفِ يَومين..

وقد أرجعُ في تَالي النَّهارِ

يومَها طالَ نَهاري

صارَ ألفاً.. صارَ آلافاً

وآلافاً.. وما عدتُ لدَاري

آهِ ما أصعبَ.. ما أوحشَ ليلَ الإنتظارِ

 

إيهِ يا سيِّدتي

مرّتْ سُويعاتٌ سَرقناها

من اليَومِ الَّذي فيهِ تَلاقينا.. سِراعا

صارَ لا بُدَّ لنا.. أن نَبدأَ الآنَ الوَداعا

أُعذريني.. ربَّما ضيَّعتُ من عُمرِكِ..

في هذي المَتاهاتِ نَهارا

ربَّما أشعلتُ في قلبِكِ نَارا

ربَّما أحدثتُ في رأسِكِ..

وهجاً وصُداعا

 

أنا يا سيِّدتي لا أعرفُ المَكرَ..

ولا مارستُ في قَولي الخِداعا

إنَّهُ وجهي الحقيقيُّ الَّذي ألقاكِ فيهِ

لم أضعْ يوماً قِناعا

كُلُّ ما في الأمرِ أنّي

لمْ يَعدْ لي وطنٌ

قَضّيتُ عُمري بَعدَهُ ..

نَفياً / شتاتاً / وضَياعا

غيرَ أنّي حينَما أبحرتُ في عَينيكِ

أبصرتُ سَناً من وَطني

أرجعَ لي عُمري..

وأخشى حينَما ترتَحلينَ الآنَ..

أن يغدرَني البَحرُ

وأن تنقلبَ الأمواجُ ضدّي

بعدما أصحو..

وقد مزَّقتِ الرّيحُ الشِّراعا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق