قراءات ودراسات

أهم ملامح ” بنات6 أبريل”!

أ.د / على مطاوع
 
كتب أحمد عبده روايته “بنات 6 أبريل” برؤية الكاتب المبدع الذي تمرّس على السّرد طويلاً، وأعطى في بابه إبداعاً متنوعاً ليس بالقليل؛ جاءت رؤيته رؤيةً فكريةً متميّزة، عميقةً في طرحها، متفاعلةً مع بؤرة نصّه؛ رؤى شباب حركة 6 أبريل التي فجّرت الشعور الوطني لدى المصريين، لتصبح أيقونة لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م، وإن تحوّلت فيما بعد, وفي الوقت ذاته مُعبّرة عن ثقافته، حيث تفاعل كثيراً مع نصوص أخرى متنوعة, في حوارية أكسبت نصّه الروائي انفتاحاً على خارجه من ثقافات متعددة الأصوات، خلقت تفاعلاً اجتماعياً وسياسياً متمايزاً، مِمّا يُعرف في النقد الحديث بــ “التناصية”, التي قالت بها الناقدة الفرنسية ــ البلغارية الأصل ــ ” جوليا كريستيفا”, في ثورتها النقدية على انغلاق النصّ الذي قال به البنيويون، مؤكدة حقيقة التفاعل والتداخل بين الثقافات العديدة في النصّ الواحد، مُعلنة بذلك تنظيرها للتناص الذي حصرته في “التفاعل النّصيّ داخل النصّ الواحد، وهو ــ أي التفاعل – دليل على الكيفية التي يقوم بها النصّ بقراءة التاريخ والاندماج فيه”، ويقدّم الصفة الكبرى للبنية النّصيّة”، والتي أراها في انفتاحه وتداخله والتّكيّف مع غيره من الأنساق الثقافية التي احتفى بها, وأعاد قراءتها ضمن لُحمة نصه وذاته الحاضرة، لا ذاته الراحلة كما توهّم التفكيكيون الذين حكموا بموت الذات/ المؤلف، من أمثال: الأب المؤسس للتفكيكية “جاك دريدا”, لتأتي “جوليا كرستيفا” متمردة على ذلك منادية بمفهوم التناص الذي هو ” كلّ نصّ يقع عند التقاء عدّة نصوص يكون في نفس الوقت إعادة لقراءتها، وتكثيفاً وتحريكاً وانزياحاً وتعميقاً لها”
ويبقى الرمز الذي وظّفه كاتبنا بوعي وفنية عبر الشخصيات التاريخية والتراثية؛ متناصاً مع خطابه السردي في موضوعه, ليشكّل نسقاً جديداً وتشكيلاً فنياً, يفتح شهية الذائقة العربية التي تقرأه اليوم على رؤى جديدة، بل يبعث حياةً جمالية تُبرز هوية النص المبدع، ووعي الكاتب بهويته ورسالته الجمعية في مجتمعه.


ذلك أنّ الرمز حينما يُوظّف بشكل فنيّ غير مُفْتَعَل، فإنّه يُشيّد عالماً من التّخيلي والجمالي، بعد استدعائه من الماضي، ليبني مستقبلاً متخيلاً في ذاكرة الجماعة الإنسانية، عن طريق استحضار ملامح هذا الرمز، وتجسّده في شخصيات بعينها، أو الإشارة إليها بإسقاط فنيّ، إحالةً إلي فضاءات سياسية واجتماعية معاصرة، يُشكّل بها المبدع خطابه السرديّ المنطلق من واقعه المعيش، الذي يئنُّ ويتألم ويُذلّ ويُهان، أمام طواغيت مجتمعه، متجاوزاً تاريخية الرمز, على الرغم من استفادته منه لينفلت بخطابه السردي صوب الحرية والتحرر من طغيان جبابرة عصره، من أشباه “كاليجولا”, وكاتبنا في تناصه هنا باستدعائه الجليّ لهذه الشخصيات التاريخية، وتلك الرموز التراثية؛ إنما يُطلّ على واقعه من عالم اغترب عنّا كثيراً، وبعدت الشُقّةُ بيننا وبينه، لكنه يحمل خطاباً سياسياً اجتماعياً مأساوياً لحاضر زعامات أمته المُخزي، حيث يستدعي شخصية الطاغية الروماني ” كاليجولا”, كأنموذج للحاكم المطلق” كاليجولا رأى أنّ الملوك آلهة، وأنّ الشعوب حيوانات، وكلّ إله يحلب لبن حيواناته”, وفي موضع آخر ” فماذا لو عرف الهبّاش – النائب في البرلمان – أنّ كاليجولا هذا عيَّنَ حصانه عضواً في مجلس النواب في روما القديمة؟”.
وتتنوع رؤى الكاتب لتتسع آفاق التناص الذي يلعب دوراً بارزاً في
تطور أساليب سرده الروائي وتقنياته، حتى يصل إلي منحى يُقرّب إلي معايشة القهر، واستعذاب العجز والانكسار الذي يتجرعه مجتمعه مع طواغيته، وذلك عبر أصوات ثلاثة جاءت مجتمعة لِتُسْفِرَ في النهاية عن تماهي هذا الكاتب المقهور مع التراث الإنساني على اختلاف أنساقه ؛ شجراً / حيواناً / إنساناً, يأتي الصوت الأول ” للسلحفاة ” هدية للملك من صديق له في عيد ميلاده المائة ، يُجسّده حكيُ ” أبلة فضيلة ” تلك الشخصية المحورية التي أراها معادلاً لرؤى وأفكار وعواطف كاتبنا الذي يقول على لسانها ” حبايبي الحلوين” كان يا ما كان، في سابق العصر والأوان، ملك له في حكم بلاده سبعون عاماً، وفي عيد ميلاده المائة، أهدى له صديقه سلحفاة ليس لها شبيه في العالم، الصدفة التي تعيش بداخلها، والمكونة من أشكال هندسية، منها المربّع، والمستطيل، والمعيَّن، وشبه
المنحرف، كل شكلٍ منها يشعُّ لوناً فسفورياً يختلف عن الآخر، منه الأحمر والأصفر والأخضر والبنفسجي، حتى إنها حينما تتحرك في ظلام الردهات والصالات والغرف، تبدو كأنها جوهرة من ألوان طيف متحركة. قال الرجل للملك: هذه السلحفاة من النوع الذي يعيش ثلاثمائة سنة, فقال له الملك: وإن لم يكن ذلك, فقال صديقه: لك أن تقتلني يا جلالة الملك, فقال الملك: على كلّ حال أشكرك، ضعها أمامي وسوف أرى”!
عالم الإبداع السردي هنا في “بنات 6أبريل” ليس بالعالم المثال، ولا بالعالم الذي يضجّ بالتفاعل والصراع مع التاريخ أو الأسطورة الرمز، أو الواقع المحتدم بألوان القهر والأسرار الملكية، والثورة التي تأكل أبناءها، وحكايات أمنا الغولة، ونطاط الحيط، ونواب الكيف، والعِمالة، ومأساة التحوّل الوطني في فكر الواقع الثوري، وفي الميدان، وخيام الرومانسيين الثوريين، ونكاح الجهاد، وغير ذلك من تحول الخطاب الجمعي في مصر؛ وإنّما يأتي هذا الإبداع السردي شاهداً على عصر التحوّلات العربية، على حقبة زمنية فارقة من تاريخ مصر المعاصرة، الأمر الذي فرض المباشراتية على الكاتب في أكثر من موضع من حكايات الرواية, التي ساق أكثرها على لسان الراوية “أبلة فضيلة” بدلالاتها الفنية المتّزنة على امتداد تدفق السرد من بدء الحكي وحتى نهايته.
لا ضير في ذلك التصريح، ذلك أنني لا أتصور كاتباً بعيداً عن واقعه ومتغيّراته وتحولاته التاريخية أو الاجتماعية أو النفسية، أو القومية المتباينة بأنساقها المتعددة، إذْ لم يكتف كاتبنا بالحديث عن نسق بعينه وإهمال الآخر، حتى أطفال الأمة كان حريصاً على أن يُسلّمهم راية المستقبل، مؤكداً ذلك التزامه بالحاكي السارد ” أبلة فضيلة “حبايبي الحلوين: رفع الملك عصاه في وجه أولاده وأخواته وزوجاته، وإذ بخمس سلاحف صغيرة ؛ تقسيمات صدفاتها الرقيقة، تشع منها ألواناً فسفورية مُتلألئة، فوجئ بها الملك تدخل عليه، يرتبك فتسقط عصاه، راحت الزهرات الخمس تبحث عن الحفيد الوحيد، الذي لم يمت حتى الآن ”
لتطرح الرواية السؤال عن بنات 6 أبريل, هل هن من فجرن الثورة, أم هن الزهرات الصغيرات الخمس “ميار، كاميليا، منى، ليليان، نهى” اللائي ولدن يوم اندلاع الشرارة في 6 أبريل 2008م ؟

*جامعة الأزهر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق