ثقافة المقال

واقع الرواية في فرنسا اليوم

رضا الأبيض . تونس

مثل الأدب الفرنسي في القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين جزءا من ثقافة قامت على مبادئ وقيم حداثية وتأثرت بحربين عالميتين وبتحولات عميقة وطنية وعالمية كحركات التحرير والاستقلال والتطور التكنولوجي وبالهجرات والأزمات الأخلاقية والسياسية واتساع دائرة تأثير الثقافة الأمريكية.
لذلك فإنّ تطور المشهد الأدبي الفرنسي لم يكن بمعزل عن هذه التحولات الداخلية، وعمّا يجري في العالم، الأمر الذي أكسبَ فرنسا استحقاق أنْ تكون وجهة لكثير من الكتاب والنقاد والمثقفين من أرجاء العالم، عاشوا فيها وكتبوا بلغتها ( همنغوايE. Hemingway ، بيكيت S. Beckett، تودوروف T. Todorov، آسيا جبار ..)
لقد شهد القرن العشرون في فرنسا ظهور وتطور تجارب واتجهات أدبيّة ونقديّة هامة ساهمت في إحداث تحوّلات عميقة في المشهدين الوطني والعالمي.
وإذا كان المقام لا يتسع لعرض كلّ تلك الاتجهات التي شكلت جزءا من الثقافة الفرنسية والعالمية، فإنه يمكن الإشارة، وإنْ في إيجاز، إلى السرياليّة Surréalisme التي طورت لغة جديدة ، مستفيدة من اكتشافات التحليل النفسي، تقوم على المجاز واللعب والغموض للتوفيق بين العناصر المتباعدة وبلوغ الحقيقة الداخلية والجوهريّة. ( برتون Breton ت 1966 ،، أراغون Aragon ت 1982 ..)
والوجودية Existentialisme التي مثلت اتجاها فلسفيا عن الذات أعطى الوجود أسبقية على الماهية وأعطى قيمة للعواطف وللجسد اللذين طالما وقع تغييبهما في الفكر الغربي.
ولقد حاول ألبير كامو A Camus ت 1960، وسارتر J.P.Sartre، ت 1980 أن يجسّا أطروحات الوجودية في أعمال روائية مثل الغريب L’Étranger، السقطة La Chute، الطاعون La Peste ، الغثيان La Nausée..
وعرفت الساحة الثقافية والنقدية أيضا ظهور حركة “الرواية الجديدة” Nouveau roman (ناتالي ساروت Sarraute ت 1990، ألان روب غرييه Alain Robbe-Grillet ت 2008 ، ميشال بوتور Butor ت 2010 ..) التي رفضت التشخيص الروائي على طريقة بلزاك وبروست وسارتر..
وعرفت تنوّعا في الاتجاهات النقدية والأدبيّة استفادت من علوم كثيرة كعلم النفس والاجتماع والتاريخ والأنثربولوجيا..

ولكن رغم العدد الهائل من الروايات التي يكتبها اليوم الفرنسيون والروائيون، من غير الفرنسيين، المقيمون في فرنسا، فإنّ الرواية الفرنسية المعاصرة تعاني، في رأي كثير من النقاد، أزمة حادة هي إحدى مظاهر أزمة الثقافة التي هيمنت عليها قيمُ التسويق، وقبلت الاستسهالَ كما يذهب إلى ذلك الناقد الروائي الفرنسي بيير جورد Pierre Jourde في مؤلفه ” إنهم يغتالون الثقافة” C’est la culture qu’on assassine ( 2014).
تتجلى أزمة الرواية الفرنسية اليوم في عدم قدرة أغلب الكتاب على أن ينحتوا أصواتا خاصة بهم ، وفي التجائهم إلى ” تقليد الكبار” والاحتماء بالماضي كما ذهب إلى ذلك جون فيليب دوميك J- Ph Domecq في كتابه Qui a peur de la littérature ? (2002) ، وهو ما ينذر بموت الرواية الفرنسية التي صارت في أغلبها قصصَ سيرٍ ذاتية ووثائقَ حميميّة وشهادات نرجسيّة..
على الرغم من هذه الملاحظات القاتمة، فإنّ للفرنسيين في مجال الكتابة الروائية اليوم أعمالاً ممتعة وخصبة وعالميّة ، كتبها فرنسيون أصليون أو من أصول غير فرنسية بلغة موليير.
ولا شكّ في أنّ حصول روائيين فرنسيين أمثال أندريه جيد André Gide وفرنسوا مورياك François Mauriac وألبار كامو A Camus وجون بول سارتر J.P.Sartre وكلود سيمون وجان ماري كليزيو Jean-Marie Gustave Le Clézio وباتريك موديانو Patrick Modiano على جائزة نوبل للآداب تتويجا لتجربتهم الإبداعية في كتابة الأدب روايةً وقصةً، إضافة إلى حصول كثير من الأدباء الروائيين الفرنسيين على جوائز عالمية أخرى.. يؤشّر بوضوح وقوّة إلى أنّ الأدب الفرنسي ما يزال حيويا وخصبا رغم مظاهر الأزمة، وكثرة الصعوبات خاصة تلك المتعلقة بمسألة النشر، ومنافسة اللغة الإنجليزية وانحسار الإقبال على الكتاب الورقي..
إنّ الحصولَ على جائزة نوبل، والذي لا شكّ يذلل صعوبات كثيرة، لا يغيّر من الأمر شيئا حين نجلس من جديد أمام بياض الورقة كما قال باتريك موديانو P. Modiano، فالجلوس أمام هذا البياض مواجهة لا تنتهي مع الذات ومع العالم.
إنّ وضع الرواية الفرنسية ، كما هو الشأن بالنسبة إلى الرواية عامّة، هو وضعُ مواجهة النسيان أو استكشاف الوجود المنسي ، على حدّ عبارة كونديرا Milan Kundera في مغامرة مفتوحة بدأت مع سيرفانس Miguel de Cervantes في القرن السادس عشر، يبدو أنّ موتها ليس قريبا.
ولا شكّ في أنّ مساهمات روائيين يكتبون بالفرنسية من أصول متنوعة شرقية وغربية يمثّل أحد مظاهر خصب الرواية الفرنسية وحيويتها خطابا وقضايا ورؤى للعالم.
إنّ التنوعَ الذي تقوم عليه الحياة الفرنسية يمثّل خزّانا لا ينضبُ، يقدّم للرواية ما به تتجاوز أزماتها، مقارنة بروايات أخرى، كالرواية العربية، التي تكتبُ في سياقات ثقافية واجتماعية منغلقة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق