ثقافة السرد

وراء التيه امرأة

سعدي صباح*

ذات مساء ماطر و الجرس قد رن للخروج، كنت أمشي تحت زخات المطر برأس يعج بأصوات الصغار،الثعابين الملتوية جاثمة بالفضاء الرحب، الرعد بجلجلته يسبح الرحمان، البرق يزين السماء بأشكال لا تلبث أن تتوارى في لمح البصر، حبات المطر تعزف لحنها الجميل تطهر الثرى و أوراق الشجر المزاريب تمن على الأرصفة بما جادت في السماء، الناس تلوي إلى البيوت
على قدم و ساق إنها اللوحة التي أبدعها خالق الورى، قطرات باردة تسللت إلى جسدي عبر بردتي البالية و خلسة عبرت بي

في صمت تتحدى الشلال بمطربة بالغة السواد، كانت دقات قلبي تسبق خطواتي إليها تمنيت لو أركض كطفل علها تشاطرني خيمتها المبللة، دنوت منها فآذنت لي بالدخول تناسل الفرح بداخلي وحط الحمام حولنا، آه كم هي جميلة و ممتعة لحظات تحت المطر بمطرية تغازلها الريح و يعزف لها وقع المطر ! لقاء عابر لكننا تكلمنا فيه عن أساطير كان لها أثر، جميلة بثينة عن ليلى

و عبلة تطرقنا إلى قصيدة حيزية التي تحولت إلى مسرحيات و أفلام فد يشاهدها ملايين البشر ! إلى أن حبس المطر و أعلنت

السحب الراكضة رحيلها لنترك الزرقة للسماء، افترقنا على الأوبة لكن حيث اللارجعة، تركت همساتها الحانية تتردد على مسمعي كموسيقى خالدة ! أعترف للعالم أن هذا اللقاء غير مجرى حياتي، واجبات مقدسة تنتظرني، أشتغل خمس ساعات نهارا و أحرر صفحات متتالية ليلا تحرق دمي إزاء بقايا شمعة تشبهني في الاحتراق، لا أدري لماذا أصبحت أكره المهنة، أراها سجنا يقيدني على الدوام، كنت قبل ذلك أقرأ كتبا كاملة كل ليلة و مجلات لا تحصى عصاميا من المدمنين على الكتاب أعشق المداد و الورق حد الثمالة، لقد صرت ميلا للكسل و للانطواء الذي قد يغضب الأتراب عذرهم معهم لأنهم يجهلون من حركاتي ثرى حياتي و غيرت اتجاه الريح في دربي و غرزت مساميرها الدامية في الوريد، يوم مشيت وإياها تحت بوابل المطر بذلك المشهد الذي كنت بطله بلا مشاهد من أجلها صرت مقصرا في العمل أرى الحياة تافهة لا معنى لها، ها هو عفريت متغطرس يلهث وراء صداقتي دائما يحدثني

بحسرة عن الغجرية التي أحبها الحب السرمدي و كانت تتخطر على القمر و غادرته ذات شتاء تحت سبائخ الثلج، كم كان يثني و يمدح المفعول السحري الذي كان يأتيه بها جنح الظلام ! كان يأتين كل مساء و يضع يده على كتفي مربتا، كم كنت أشتاق لقصة خليلته التي كان قد أحكم حبكتها بدهاء ! و بليلة باردة أصر اللعين أن يلوى بي إلى قصوره البابلية المعجة بشقائق النعمان و التي كانت شبه محضورة على أمثالي و انعطف بي كالشاة التائهة إلى الحشد الأحمر، فلم أسمع سوى هذيان مع المرج بساحة كبيرة،

ناس جالسة و أخرى تترنح، أنغام لناي غجري لم أسمعه من قبل، نساء شبه عارية تتحرك بلا كلل عطور تسكب و تعطر الأرجاء،

أطفال يتجولون بين المحافل يعرضون نواة مكللة بذرات من الملح، رحت أتأمل و في شبه الذهول لوحات تجلب عقول البشر، أمواج عارمة تغرق في التيه و العربدة، كوكبة من وراء المكان يرسمون حلقة عربدية يضعون على طاولتهم الجوز و بعض الحلازين الطازجة، يدخنون سجائر آتية عن طريق وجدة ! و كنت بينهم أشعر بالغربة أقاسمهم الهرج و بخار العنب العتيق، بالقاعة المترامية الأطراف غجرية مغرية الحركات تبحث عمن يسقيها جعة خاصة تطفيء لهيبها و أخرى توزع ابتساماتها المزيفة

عرابدة يقهقهون تسامر كبيرهم و قحة في عمر الزهور تخون معهم و توزع لذة الخيانة بينهم، اللحظة فقط تأكدت من صحة المكان، اخترت مقعدا تئن تحته هرة يقابلني صديقي العفريت بهيئة ملك يضع تاجا مرصعا باللؤلؤ و المرجان على هامته المعبأة بالزندقة يطلب مني إشعال سجارة أفعل آخذا نفسا قويا، أطل من النافذة أرى الحقول تعج بالعرائس، أتذكر عرائس النبي جبران

يعود بصري فأرى عيونا منهكة صارخة من غريب عندهم ! هذه الليلة أقرأ كل أخطاء البشر، فتيات لا ذنب لهن برعمن على المجون، أصبحن مومسات بفعل فاعل أرامل احترفن الجنس من أجل خبز العار و أخرى بجمالها الساحر تعرض مفاتنها بعد أن

تركها الزوج الحلال في أحلك الليالي، و أخرى تبيح لنفسها كل شيء تتعاطى كل المحرمات عنوة في المجتمع، زجاجات متراصفة تحوي رغوات قد تهيمن على العقل و تفعل بالجثة ما تريد ! لا ريب أنني بعالم كنت ألعنه بالأمس و ألعن عشرة الذين ألعنهم خير الورى، غريمي هذا يلح علي أن يناولني شرابا عاديا حتى أتمكن من قراءة خواطري و أشعاري، راح اللعين ثم عاد على التو يتأبط جعات مكتوبة يتركها على الطاولة و يتوارى بين الموج العارم من الحرائر، عد إلي بصوت فيه حشرجة فلويت يدي على عنقها،

عانقتها بلهفة الولهان ! فإذا بفتاة المطر تجلس بجانبي تشاطرني المقعد تطلق العنان لشعرها الأسود يتناثر على الطاولة كالليل الضحوك ترسم من حولي وداعة القمر، ما كنت قيسا لحظتها لكن كنت عاشقا ينوي إطفاء نار الغرام المتأججة في الضلوع ، آه أيتها العريشة الخضراء كم أحبك و كم جلست بظلك الساعات الطوال و كيف لك الآن السماح لابنك المتمرد أن يتمكن من ملامسة الشفاه اليابسة، لقد هدأـ أعصابي و تمزقت صفائح الجوى الجاثمة على صدري، لقد انتعش الفؤاد و تحقق اللقاء معها بلا مشقة !

فراشة شقراء ناولتني عسلا تجهله الخلايا ! جعلت ليلي على رياض العاشقين و رددت عدة أغنيات و كانت معي تتردد همسها الشجي ، أيتها الشاردة عدت حبا لك إلى جعات متتالية ! عودة الضمآن .. ارتمت في صمت و طوقتني، أخذت المجنونة تعبث بربطة العنق و أزرار معطفي و كانت تتميز عن أخريات السهر في المرحاب تسكن البرج و لا تنزل إلى الحضيض ، رحلت و إياها إلى إقطار و شاهدنا جزر الواقواق الأسطورية حيث النساء المتعلقة من شعورهن ! مضينا في دربنا و نورها يتدفق على كتفها كالفضة الرقراقة، يفيض على خصرها، لقد اقتلعت أعشاب الحزن من جذورها، لقد تركنا الحشد تائها بمسابح تحيطها سنابل الشعير حتى انبلاج الفجر حيث نهاية الرحلة، فأعود و بمفردي إلى مغناي بحي المعمورة لا أدري كيف دخلت و ارتميت كالطائر المريض بجوارح مفككة كالدمى على السرير بحذائي و بملابسي المعفرة بالتراب، لقد غبت و لا أدري إلى أين؟ جدران الغرفة تتمايل تنذر بالزلزال، إنه الشيء زاد عن حده ! أحمد الله لقد أخذني الوسن و ما عدت حتى أشرق صباح جديد و خنجر الندم يمزق أوصالي أهرع بعد الغسيل إلى مقهى الأمل أطلب قهوة فرارة تنعشني و أشهر سلاحي في وجه الغريم الذي تآمرا و عابرة المساء على رجل كان بالأمس بريئا ، و أقسمت أن أشن حربا عليه أقاتله حتى النصر، لكنه في المساء عاد إلي داعيا برجاء جمت مخاوفي فاضت غبراتي لكنني لبيت النداء و سألبي الليلة و ليالي أخرى، أكيد كان وراء رحلة الندم و الضياع، لا محالة أنه قد

تمكن مني، و صرت أسير خبثه، رجوته و لا ينفع الرجاء، لقد نصب شباكه من يوم اللقاء، و قد تكون هي التي مهدت له الطريق بلا عناء.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق