ثقافة السرد

الرقصة الأخيرة

فائزة مصطفى

دوىَّ انفجار رهيب في آخر الشارع… دخان كثيف… حركات الراكضون في اتجاهات متناقضة… صراخ و عويل… حيث المحل الذي دخلته آمنة، حدث انفجار…

– “كلا لا يمكن أن يحدث لها شيء!…”.

هكذا همست لنفسي.. جريت.. ركضت و الدموع تمسح دهشتي..

أوى ما أفضع ذلك المنظر….، شظايا الزجاج، … ركام الأحجار المخضبة بالدم.. أشلاء الأجساد متناثرة، متفحمة، ..

وكانت العزيزة هناك…. تتخبط، تصرخ من الألم، و كانوا حولها كثيرون، …

تلك الصور و شمت في ذاكرتي إلى الأبد، و لعلًّ صورة سيارة الإسعاف و هي تحتضنها مخضبة بالدم و الدموع، أفقتني من الغفوة قليلا ، و شجعتني لأدفع بقدماي نحوها، .. اخترقت حاجز الشرطة، كنت أناديها، أحاول شدّها، لمسها، جذبها، .. فأبعدونا، و شاركتني سيارة الإسعاف عويلي… و لم تخمد مياه رجال الإطفاء نار لوعتي..

في الغد حين عرفت أنّها بخير، أفرغت ما بجعبتي من وريقات نقدية، سأشتري لها ذاك الحذاء الفضّي الذي كنا نتفرج عليه كلما مررنا من واجهة ذاك المحل، “أحذية سندرلا”، و نحن آتيتان من المدرسة أو ذاهبتان إليها..

كم كنا شقيَّتين، ملأنا هذا الطريق مرحاً و ضحكاً… و خصاماً أيضا… هكذا كنت أفكر، و أنا أمتطي نفس الطريق اليوم، و ذاك المشهد المروع لا يفارق نظري، أما ذاك الصوت المدوّي، طناته علقت في سمعي إلى الأبد..

بدت لي حركة المارة عادية، كأن لا شيء حدث… بل أظن كأنّهم مستعدون لأن يحدث شيء اليوم أيضا…

ياه.. لقد غذا الموعد مع الموت منتظر أيضا.. بل الموت صارت أمرا طبيعيا..

حيث الكشك الصغير، يتصدر الخبر الصفحات الأولى من الجرائد المصطفة على رفوف واجهته، و كأنَّ كل شيء أمامي يوقظ حرقة الفاجعة في داخلي، … خاطبتني نفسي قائلة:

– “هل كنت سأجوب هذا الشارع اللحظة إذا رافقتها إلى ذاك المحل؟” ….

دخلت محل الأحذية فسارعت الفتاة لخدمتي،…أشرت لها بالحذاء الذي في الواجهة، .. ابتسمت… فظننته قد بيع، رجوتها و تأهبت بحكاية القصة لتعذرني و تبعني إياه، لكن كان الأمر مختلفا!!!…

– “كلا آنستي.. إنه إكسسوار لزينة الواجهة، و ثمنه غال جدا..”.

لم يكن الأمر هنا صعبا بالنسبة لي، و هممتُ برجائها عسى أن أقنعها، فلم تكف عن هزّ رأسها نافية إرادتها..

– “ليس بيدي الأمر إلا لرب العمل” : قالت و أشارت له كان في المؤخرة.. في غرفة منزوية، “أتراه انعزالي، لن يتفهم أمري”.

… لم أكد أحييه حتى سألني عن حال صديقتي الآن، فاغرورقت عيناي بالدموع و قطعت الغصّة الأليمة كلماتي التي استجمعتها بصعوبة..

– “تلك، سيدي… من أريد شراء لها ذاك الحذاء… الذي في الواجهة سأدفع لك كل ما معي و أزيدك سواري.. إنّي أرجوك أن تبيعني إياه”…

لم أترك لملامح الاستغراب فرصة لتعتري وجهه و لو أن الفضول بدا يتآكله، و متلهفا لتفسير إصراري.. و دموعي تفضحني… استسلمت إرادتي للكآبة و خفت أن أفشل في إقناعه، فاستجمعت كل ما بقي لي من قوى لملمت بها كلماتي:

– “سأشرح لك.. إن… أقصد..”.

لم أكد أستيقظ من دهشتي التي خلفها الفرح، إلاَّ على وقع يده و هو يهز كتفي مبتسماً.. و قال:

– “خذيه.. هو هدية منّي إليها”.

طرت أسابق الطير إليها، وطيلة طريقي نحو المستشفى أتفحص العلبة التي بدت تتثاقل في يدي.

دخلت غرفتها.. عيناها تحسستا مجيئي كانتا الأول من استقبلاني، حمراوين حزينتين… و لو أن الخدشات و الخربشات الملونة بآثار الدم، لم تكد تخفي ملامح وجهها الجميل..

لم تفرح لرؤيتي، فتمنيت حينها أن أهديها جسدي تقطعه في سبيل أن تنسى لحظة واحدة ما حدث.. عانقتني بشّدة، و أحسست بقطرات ساخنة على عنقي.. كان الأمر مؤلماً جداً..

و كممثلة سينمائية، انتفضت… بدلت كل جهدي لأصطنع الجرأة و الابتسامة، تلك التي عودتها عليها.. عسى أن تنسى لحظة واحدة تلك المأساة.. و لو رائحة الدواء التي تملكت أنفاسنا توقظها في ذاكرتنا لحظة بلحظة… خطبتها و كأنّي ألعب الدور..

– “إحذري ماذا أحضرت لك..؟”.

كنت واثقة ألاّ رغبة لها في الكشف عن هديتي، و لو أنها تظاهرت بذلك لتسعدني، لحظات كانت كافية لتزمجر المسكينة على ملامحها، جاهشة بالبكاء، ..فشلت حينها في تفسير شعورها، فأولت دموعها إلى دموع فرح، و إن بدت لي غير ذلك… هكذا أحسست و أنا أغرق في حبات العرق الباردة… و لأبتر جذور الاضطراب و أضع حداً للجوّ المكهرب الذي غطى الفضاء…

و لأقطع خيوط الحيرة حتى لا توصلني إلى ما أخشاه.. “ترى لم تعجبها الهدية…؟” : فقلت لها و أنا ألوك كلامي…

– “عزيزتي.. لكنه الحذاء الذي كنّ نتلهف لرؤيته من واجهة المحل.. فتذب فينا الحياة عندما نراه لم يباع بعد..”.

أخرست صوتي بأنّاتها المنبعثة من وجهها المستتر بيديها، .. لم أتحمل العذاب المرير، طاردت الأفكار الموحشة، و داريت الألوان الرمادية التي لبّدت الفضاء، و لأنّي أردته وردياً، إستليت صديقتي إلى عالمها الرائع و رحت أقلّدها كأنّها هي من تلبسه و تؤدي “الرقصة الأخيرة “، عنوان رقصة فرقة الباليه المقبلة، …

كنت أحلق، و أنا أدور و أتمايل.. و صديقتي ساكنة لا تتحرك، .. كان السكون الذي يسبق العاصفة.. تلك التي هبت جارفة كياني خاطفة قريرتي…

حدقت إليّ بنظرات حادة، عنيفة… رفعت الستار الأبيض عن أسفل جسدها.. لم أجرأ على رفع ناظريا عن وجهها لكن المنظر تسرب إلى بصري… هزتني قشعريرة عنيفة، كأنّ الروح انسلخت من مسام جسدي .. نبرات صوتها و شمت في ذاكرتي إلى الأبد…

– “بترت ساقي.. هل أدركت السبب الآن..”.

… هربت من هول ما رأيت، ما اقترفته.. و لو أنّي لم أهرب من حقيقة ما حدث بعدها بأيام.. فارقت صديقتي الحياة بسبب نزيف حاد… هكذا أجمع الأطباء.. لكنّي الوحيدة التي تدرك السبب الحقيقي، صديقتي أبت الرقص على أنغام الموت و ألحان الرصاص والدمار، فتعالت محلقة في الأفق اللامتناهي، ترقص على ألحان لا أذن سمعتها و لا خطرت على قلب بشر..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق