ثقافة السرد

المزغل

د.عطيات أبو العينين

تحت ستار الظلام الدامس، وبداية فصل الخريف، حيث القسمة عادلة بين الليل والنهار، كأنهما تعبا من التفرقة بينهما طوال العام، هنا دون بقاع الأرض، راح يخلع الكون ثوبه القديم ويغير قطعه البالية، فتساقطت وتناثرت على الأرض، تطلب مدها بثوب جدبد مزركش. بل تزين جيدها بأحجار الفيروز.

جلس العقيد “خالد توفيق” قائد الكتيبة مع رفاقه على شاطيء القناة، تتلالأ المياه كدنانير الفضة، لم يكن يفصلهم عن العدو سوى شريط مائي عرضه بضعة أمتار قليلة، يفكرون كيف يمكن إستعادة عروس خطفت في غفلة، أجل.. كانت سيناء عروسا تتبختر بلونها الذهبي، وابتسامتها الوضاءة.

اصطفت أشجار النخيل في اتساق عجيب، كأنها عمالقة تتأهب للهجوم، بينما تسلل أول ضوء للنهار كفدائي يستطلع ما يدور على الجبهة الأخرى، راحت دبابات العدو تطلق نيرانها تجاه ضباط الكتيبة الرابعة، واللواء الخامس مشاة.
انبرى الرقيب “عبد الله مهران” معلنا بصوته الجهوري:
– من الرقيب عبدالله مهران إلى ضباط وجنود الكتيبة الرابعة واللواء الخامس مشاة سرعة التواجد في المزغل الخاص بالمدفع على شط القناة.
ألسنة من النيران الكثيفة تتصاعد في المنطقة، على الفور نظموا أنفسهم.. انطلقوا كالسهم فأصابوا دبابة إسرائيلية توقفت في الحال وهم يهتفون الله أكبر.
راح الرقيب “عبد الله مهران” يسألهم عن نوع الإصابة:
يقول “عبد ربه حمادة” بحماس:
– من الفصيلة الخامسة للسرية الثانية مشاة: توقفت الدبابة في الحال بعد إصابتها في بوص الجنزير.


اشتعلت النيران.. فر طاقم الدبابة كالأرانب المذعورة، من خلال جهاز اللاسلكي، وصلت برقية تهنئة من قائد الكتيبة الرابعة واللواء الخامس مشاة، بينما أطاحت قذيفة إسرائيلية “155” هاون بالرقيب “عبد ربه”..
تقدم الرائد “خالد توفيق” في الحال، المسافة بين خندق “خالد” ورجاله وبين النقطة الحصينة لا تتعدى مئة متر، لكنها منطقة مكشوفة.. شديدة الخطورة. بنى “خالد” خطته على التقدم بمفرده إلى منتصف المسافة زاحفا.. نهض.. ركض بأقصى سرعة إلى دشمة العدو.
بالفعل بدأ “خالد” في الزحف لأعلى بأقصى مايملك من قوة وهو لا يملك إلاعددا قليلا من القنابل اليدوية وسلاحه الشخصى مسدس عيار9 مم. عند منتصف المسافة تقريبا نهض “خالد” يحمل بيديه قنبلتين نزع فتيلهما.. جرى في اتجاه دشمة العدو.. ألقى قنبلته الأولى في المزغل الأول.
اتجه بسرعة إلى المزغل الثاني ليلقى فيه بقنبلته الثانية، ليسكت هذا الرشاش اللعين ويهوي البطل بجسده على فتحة المزغل، وهو يضغط بكف يده على أحشائه، ليعيدها إلى مكانها بعد أن أصابت دفعة رشاش كاملة بطنه وأحدثت بها فجوة، وبعد أن صمت الرشاش الإسرائيلى يلتفت البطل إلى جنوده بصعوبة بالغة ينادى عليهم:
– اعبروا فوقى اصعدوا لأعلى.. اكملوا عملكم طهروا أرض الفيروز.. ويلفظ آخر أنفاسه.
***

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق