ثقافة السرد

أم عربي

صلاح معاطي

خرجت السيدة العجوز من عشتها الصفيح المسقوفة بألواح الخشب القديمة وجريد النخيل ألقت بالماء الآسن في عرض الطريق. دخلت مسرعة لتحضير الفطور. نظرت إلى زوجها المكوم على الفراش، وراحت توقظه:
– نسيم. قم. لقد طلعت الشمس.
لم يتحرك نسيم ولم تهتم هي، بل وضعت المكواة فوق موقد الكيروسين. مدت يدها داخل دولابها العجوز الذي أطاح الزمن بضفتيه وزجاجه ومقابضه، فأصبح أشبه بصندوق يقف على أحد جوانبه، ثم أخرجت كومة من الملابس وعادت توقظ نسيم:
– نسيم. دع الكسل واستيقظ. الفطور جاهز والعربي ينتظرك أمام المائدة.
انتفض في فراشه وهو ينظر حوله:
– هه. العربي. أين؟
لم ترد. فراح يفرك عينيه بإبهاميه، ثم مصمص شفتيه في ضيق وعاد إلى النوم وهو يغطي وجهه بالملاءة التي تمزقت في أكثر من موضع.
انتهت من كي بذلة ابنها التي اشترتها من محل الملابس القديمة. علقتها في المشجب. رفعتها أمام عينيها. راحت تتأملها وهي تبتسم في ود:
– أنظر يا نسيم إلى بذلة العربي. جميلة. سوف يسر بها كثيرا عندما يعود من المعسكر ويراها. كم أنا شغوفة لأراه وهو يختال بها أمام أصحابه.
راحت تضبط وضع المنديل داخل الجيب العلوي، ثم أدخلت البذلة في الدولاب وهي تقول:


– ما هذا الوخم يا رجل؟ أنسيت أن اليوم الخميس وسوف أذهب لزيارة العربي في المعسكر. ويجب أن أعد له الطعام.
انتفض في فراشه ثانية وهو يصيح:
– دعك من هذه الثرثرة أيتها العجوز الحمقاء ودعيني أنام.
غطى وجهه، ثم أزاح الغطاء من عليه بسرعة وهو يقول:
– اليوم سيوزعون دفعة من طلبات المساكن، سوف أمر على المحافظة لأسأل عن الطلب الذي قدمناه منذ ذلك الحين لعل وعسى.
اقتربت منه وهي تقول:
– لا تنس أن تسأل على طلب العربي يا أبو العربي.
نظر لها في ضيق ثم صاح بضجر:
– حاضر يا ستي حاضر. المهم. سوف أشتري اليوم شبارا لنتغدى به. سأعطيه لطارق صبي الفرن كي يشويه. عليك إحضاره من هناك، فقد أتأخر في المحافظة بعض الوقت. وليكن في معلومك هذه آخر نقود معي. أ فاهمة؟
عاد يغطي وجهه بالملاءة، وسمع صرير باب العشة وهي توصده خلفها وخطواتها تبتعد عن المكان. طار النوم من عينيه بعد أن أيقظته زوجته المزعجة وراح يهمس:
– جزاك الله يا فاطمة.
قام من فراشه، اتجه إلى صنبور المياه، غسل وجهه، تناول قطعة جبن بكسرة خبز، دفعها في فمه، ثم أسرع الخطى في طريقه إلى المحافظة، ومر بحلقة السمك فابتاع كيلو من سمك “الشبار” بعد أن نجح في الحصول على تخفيض في السعر، ثم عرج على فرن السمك الذي يقع خلف السوق ومد يده من نافذة الفرن إلى صبي بالداخل:
– ولد يا طارق.. اشو هذا السمك وستأتي فاطمة زوجتي لاستلامه، فقد أتأخر في مبنى المحافظة. لعل الحظ يكون حليفي هذه المرة. لا تنس الملح والليمون..
تناول طارق منه قرطاس السمك دون أن ينظر إليه:
– حاضر يا عم نسيم. حاضر.
أسرع نسيم الخطى متخذا طريقه إلى مبنى المحافظة. كله أمل في أن يفوز بالشقة التي قدم عليها منذ سنوات. مرت أعوام طوال وهو يحلم بأن تضمه وزوجته أربعة جدران وسقف، بدلا من العشة الصفيح التي يقطناها منذ عادا من التهجير. تتسرب من بين شقوقها أمطار الشتاء وبرده. وفي نفس الوقت أصبحت هذه الشقوق مأوى للفئران.
كان الزحام شديدا أمام مبنى المحافظة. اندفع نسيم ليتخذ مكانه بين الزحام الذي يمتد إلى الشارع الرئيسي. امتدت يد جذبته خارج الصف، ووجد أمامه شابا يصيح:
– عم نسيم. الحمد لله أني وجدتك. أسرع إلى فاطمة زوجتك. لقد صعدت إلى مكتب سعادة المحافظ ومسكت في خناق موظفي المكتب.
صعد نسيم درجات المبنى بسرعة وهو يلعن ويتوعد هذه المرأة المجنونة التي تجر عليه المزيد من المشاكل هو في غنى عنها.
كانت فاطمة تمسك موظفا من ياقة قميصه وهي تصرخ:
– قلت لي تعالي غدا فأتيت. أيسرك تعذيبي وأنا في هذه السن؟
أخذ الموظف الشاب يحاول أن يخلص قميصه من يدها وهو يقول:
– يا ست فاطمة اتركي قميصي. ليس لدي غيره. تعالي غدا وسوف أمنحك الشقة.
قالت ويدها مازالت تطبق على رقبة الرجل:
– سمعت منك هذا الكلام مرارا.
– هذه المرة أقول الحقيقة. غدا صباحا ستجدين شقة ابنك العربي محجوزة باسمه كما تريدين.
علت وجهها ابتسامة عريضة وقد تركت ياقة القميص:
– صحيح يا جمال؟ ليتني أصدقك.
– صدقي يا خالتي فاطمة. أوراق ابنك العربي مكتملة تماما. لم تبق سوى تأشيرة السيد المحافظ عليها وينتهي كل شيء.
اتكأت على عصاها التي انتزعتها من غصن شجرة وقالت:
– أتعرف يا جمال. لو كان كلامك صحيحا هذه المرة ستكون لك الحلاوة.
من الداخل سمعت صوتا يقول:
– يا جمال وزع الطلبات التي معك على زملائك أمين وحسن وإيمان. فكما تعلم غدا الجمعة إجازة، وسيادة المحافظ يريد أن ينتهي من هذا الموضوع اليوم.
عندئذ صرخت فاطمة واندفعت نحو جمال والعصا في يدها تريد أن تنال منه:
– أيها الكاذب المخادع. سوف ألقنك درسا لن تنساه أبدا في كيفية احترام الكبار، صحيح أنك ناقص تربية. ابني العربي ظفره برقبتك.
أسرعت نحوها سكرتيرة مكتب المحافظ في محاولة لتهدئتها:
– يا ست فاطمة اذهبي الآن إلى بيتك وبعد يومين فقط أكون قد دبرت سكنا لابنك.
انهمرت الدموع من عينيها:
– ارحميني يا ست فوزية وارحمي ابني. العربي أصبح حاله يصعب على الكافر، لم يعد يأكل ولا يشرب. نحف جسده كثيرا حتى صار جلدا على عظم. فكما تعلمين يا ست فوزية العربي خاطب منذ خمس سنوات، وهدى خطيبته أهلها متعجلون على زواج ابنتهم. البنت أيضا تحلم باليوم الذي ستعيش فيه مع العربي في بيت واحد. معها حق، فالعربي يثير إعجاب أي فتاة. طوله الفارع. وجهه الأسمر. عيناه الكحيلتان. روحه الشفافة. خفة ظله. أدبه. أخلاقه.
ثم أخرجت من ملابسها صورة راحت تطلع عليها موظفي المكتب والناس الذين التفوا حولها:
– انظروا يا ناس إلى صورته. انظري يا ست فوزية إلى العربي. كم هو جميل. عندما زرته آخر مرة في المعسكر قال لي. يا أمي أريد أن أحصل على الشقة بسرعة لكي أتزوج فيها. ليتك تأتيني بالخبر السعيد.
أطرقت فوزية قليلا، ثم قالت:
– انصرفي الآن يا ست فاطمة، وكما قلت لك سوف أنهي كل شيء بعد يومين.
اندفعت فاطمة نحوها وهي تصيح في هياج وثورة:
– أنت تكذبين. تخدعينني مثل جمال. ماذا فعلت معكم حتى تفعلون معي هذا؟ وماذا فعل العربي حتى يكون هذا نصيبه؟
تجمع الناس حولها يهدئونها. شق نسيم الزحام ومد يديه الغليظتين وحمل زوجته كالدمية من داخل المكتب. راحت تتملص منه وهي تصرخ:
– دعني يا نسيم. أعلم أنك تكرهه. ليس لديك رغبة في زواجه من هدى.
دفعها نسيم وهو يصيح:
– عودي إلى العشة يا فاطمة. كفانا فضائح.
– لن أعود يا نسيم حتى أحصل على شقة العربي.
– يا فاطمة اذهبي الآن. دعك من هذه الأوهام وإلا أودعتك مصحة الأمراض العقلية.
– لن أذهب يا نسيم وافعل ما بدا لك. لن أعود إلا بشقة العربي.
صرخ في وجهها بعصبية:
– العربي مات يا ولية. مات وشبع موتا.
انتابتها حالة هياج هستيري:
– أنت كاذب يا نسيم. مخادع مثلهم. العربي لم يمت. إنه ينتظرني في المعسكر مع زملائه الجنود.
اندفع نسيم نحوها والناس تحول بينهما:
– اعقلي يا فاطمة. العربي مات وهذا أمر الله. قولوا لها يا ناس إن ابنها العربي مات في الحرب. مات شهيدا مع الذين عبروا في أكتوبر. حزنت عليه. بكيت كثيرا من أجله. لكنني فخور به لأنه دفع حياته فداء لمصر. لم تصدق فاطمة الخبر. عقلها لا يريد أن يقتنع بأن ابنها قد مات، ومن يومها وهي تتوهم أن ابنها الشهيد حي يرزق. ينتظر شقته في مساكن العرائس. إنه ليس بحاجة إلى شقتك أيتها المجذوبة. إنه ينعم الآن في قصره بالجنة.
انطلقت فاطمة وهي تصيح بلا وعي:
– كاذب. مخادع. العربي مازال حيا. لم يمت. إنه. إنه ينتظرني مع زملائه الجنود في المعسكر. إنني ذاهبة إليه الآن لكي أعطيه الطعام. فالعربي لا يأكل إلا من يدي.
يجري خلفها:
– امسكوها يا ناس. امنعوها. إن القروش القليلة التي أتحصل عليها من بيع أم الخلول تنفقها هذه المرأة المجنونة في شراء طعام لابنها الشهيد ظانة أن الطعام يذهب إليه.
كانت فاطمة قد تحركت بسرعة، راحت تهبط الدرجات وهي تهذي بكلمات غير مفهومة، في أثرها نسيم يتلفت يمنة ويسرة باحثا عنها.
عندما وصلت فاطمة إلى المعسكر كانت تحمل في يدها ربطة كبيرة. رآها الجنود الجالسون على بوابة المعسكر فراحوا يهللون:
– أهلا يا ست فاطمة. ما هذا الغياب؟ مرت فترة طويلة منذ كنت هنا آخر مرة. ماذا أحضرت معك اليوم؟ دجاجا أم سمكا؟ يبدو أنه سمك مشوي، فرائحته اللذيذة تفوح. هاتي. هاتي.
ناولتهم الربطة وهي تسألهم:
– كيف حاله؟
أسرع أحدهم يجيب بينما انشغل آخر بفض الربطة:
– تمام. إنه بخير.
– ألن تجعلوني أراه؟
بدأوا يتناولون الطعام، وصاح جندي من بين الطعام الذي يملأ فمه:
– في المرة القادمة سوف نسمح لك بزيارته.
أخذت ترمقهم وهم يتناولون الطعام، وقد اعتلت وجهها ابتسامة واسعة:
– مادمت رأيتكم كأني رأيت العربي. هل أعجبكم الطعام يا أولاد؟
ردوا جميعا:
– طعامك لذيذ يا ست فاطمة. سلمت يداك.
ضحكت في سعادة وهي تتأهب للقيام:
– سلموا لي عليه.
راحت تتكئ على عصاها مبتعدة عن المكان، وكل حين وآخر تلتفت خلفها وتلوح للجنود بمنديلها. فجأة. وجدت أمامها نسيم زوجها بقامته الطويلة مادا يديه الغليظتين. أشاحت بوجهها عنه، فبادرها:
– أعطيته الطعام؟
أومأت برأسها، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مرحة وهي تقول:
– ويسلم عليك..
هز نسيم رأسه، ثم أحاطها بذراعه وسارا معا في طريقهما إلى العشة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق