ثقافة السرد

الرصيف العاري

صالح جبار*

مال برأسه الى الأمام في مقعد سيارته .. حدق بانتباه .. بدأ الغبار ينتشر .. شدّ قبضته على المقود .. استدارت الطريق الرئيسية نحو اليمين .. شاهد سيارة مصطدمة بعمود الإنارة .. خفض ضغط قدمه على دواسة البنزين .. أحس بغبطته تتلاشى .. تنفس بقوة .. انبعثت الأضواء الخلفية الحمراء لسيارة أخرى .. أسوأ شيء في وضعه الحالي .. دوافعه الطيبة .. فمنذ أسبوعين تلقى خبر موت شقيقته بانفجار عبوة ناسفة .. في إحدى الأسواق ..

أما زيارته اليوم فقد كانت بدافع التواصل مع أبنائها .. لم يجد احد منهم فقد غادروا إلى أعمامهم ..

تمنى لو انه يتعاطى مع ألمه الداخلي .. كما يتعامل مع الآخرين .. نظر عبر المرأة الأمامية .. واصل سيره ..

مضى أكثر من شهر .. على أخر زيارة قام بها .. خرج إلى الشرفة .. حيث ضوء الشمس .. بدت عيناه بلون بني ..

شمّ رائحة الورد .. تساءل :

–         لماذا غادروا بيتهم ؟

جلس وراء الطاولة .. تطلع في الفضاء .. بعد الظهر عاد إلى المطبخ .. شاهد قدر المرق يغلي .. قبل أن تمد زوجته يدها لتفتح الباب .. امسك ذراعها : انتظري لدي سؤال أقوله لك .. مال نحوها .. مدّ يده .. دفعته عنها .. ضربته على كتفه ..

–         كنت أظن انك لم تجدي مقبض الباب ؟

حاولت كبح جماح ميلها إلى العنف ..  ابتعدت عنه .. عيناها مركزتان أمامها .. ساقاها ترتجفان .. لماذا جعلها تحس بالارتياب ..

بالنسبة لها هو متعجرف .. يجب أن تقاومه .. شعرت وكأنها محاصرة .. محشورة في زاوية ضيقة .. تملكها الإرهاق ..

استحمت .. غيرت ملابسها .. تبادلت الحديث .. مع شقيقتها .. قبل أن تجلس لتناول الطعام قالت :

–         سأخرج لأتمشى .. اعتقد إني بحاجة لذلك ..

الرصيف العري مضاء .. الطريق تستدير لتعود إلى منزلها .. بدأـ تشعر بالتحسن .. عقد التوتر داخلها تتلاشى ..

أحست بدماغها يصفو .. كلما تنفست عميقا .. توقفت لتحدق بسيارة بيضاء .. لقد سئمت .. كان خطيبها الأول .. عادت أدراجها ..

استلقت في سريرها .. تتقلب ساهدة .. لم يتملكها النوم قبل الفجر .. سمعت صوت دقات قلبها في أذنيها ..قلبها يلتهب ..

لم تستطع التحرك .. أغمضت عينيها :

–         هل انا سجينة ؟

أصابعها تغوص في شعرها ..  أحلامها تبدو مجنونة .. تغير كامل في اللاوعي غمرها .. انطلقت في أعماقها شحنة .. مفعمة بصدمة عنيفة .. في اكتشاف صمت لم يجرؤ .. على إعادة رعشة الوصال ..

ما يحدث في مخيلتها .. ذرة من كيان مرتجف .. في لحظة .. انتقلت إلى زمن مختلف .. بعيد عن المكان .. بقيت ساكنة .. مستلقية ..

لم تكن قادرة على فهم مشاعرها المطحونة .. الخيبة .. الارتباك .. الم مخيف .. زجرت نفسها بقوة .. أغلقت باب غرفتها .. أحست بالارتباك والتشوش يفارقها ..

*كاتب من العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق