ثقافة السرد

– وَخَرَجَتْ دُونَ اسْتِئْذَانٍ..!!

بقلم : محمد الصغير داسه

تبْتلِعُ أشْوَاكَ الْكلمَاتِ الرَّعْنَاءَ، المَذبُوحَةُ بِخَنْجَرِ العَادَاتِ وَالْتقَاليدِ الْبَاليَّةِ، الْحَيَاةُ الزَّوْجِيّة تَتَلألأ كالأضْوَاءِ، لَكِنَّهَا تَتآكلُ أحْيَانًا فِي الْمُجْتَمَعَات الْمُتَخَلِّفَة وَتَصْدَأُ، تُفسدُهَا الأنَانِيَّة، تعُضُّ عَلَى أنَامِلِهَا مِنَ الْغيْظِ؛ وبنبْرَةٍ عِتَابٍ حَادَّةٍ تقُولُ مُتَألِّمَةً: خرَجَتُ رُفْقَةَ ألأبْنَاءَ مُسْتَأنِسَة بهِم مَحْرُوسَة، ألاَ يُعْجِبُكَ هَذَا ؟! أمْ أنَّ مَرَضَ الوَهْم والشَكِّ يُلاَزمَانِك كَالْظِلِّ، أعْرِفُ أنّ الْخِيَّانَة هِيَّ الرَّائِجَةِ فِي أدَبِيَاتِ بعْض الرَّجَال

01-جَاءَ بَيْتَهُ عشَاءً، يَجُرُّ سَاقيْهِ المُثقلتَيْنِ، مُصْفَّرٌ الوَجْهِ، أشْعَثَ أغْبَرَ، مُتْعَبًا مِنْ وغْثاءِ السَّفَر، يُفَاجَأُ ” الْحَاجُ الطيِّب ” – وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ- بِأَنَّ بَيْتهٌ مُطفَّأ الأضْوَاءَ، يَغِطُّ فِي ظَلاَمٍ دَامِسٍ، يَضْغَطُ بِعُنْفٍ عَلَى مَلْمَسِ جَرَسِ الْبَاب،.! يَا إلَهِي..مَاذَا يَحْدُث فِي البَيْتِ ؟ يُنَادِى أهْلَهُ نِدَاءً خَفِيًا، لْمْ يَظْفْرْ بِجَوَابٍ، وَلَمْ يَجِبْهُ أحَدًا، يتسَاءَلَ بِمَرَارَةٍ، غَابَ الْعِيَّالُ.! يهَتِفُ إلَى زَوْجَتِهِ، وبَعْدَ مُحَاوَلاَتٍ تُجيبُهُ باقْتِضَابٍ وَتلَكُأ، مَاذَا تُرِيدُ؟ هِيَّ فِي عُرْسِ صَدِيقَتِهَا، يَرْفعُ صَوْتَهُ مُدَنْدِنًا هَائِجًا، مَنْ أذِنَ لَكِ بِالْخُرُوجِ يَا أنْتِ؟! تقُولُ زَوْجَتُه “.أمُّ ألهَانِ” أنَا مَدْعُوَّةٌ، وقدْ وجَدْ تُها فُرْصَةً سَانِحَةً لأروِّحَ عَنْ نَفْسِي وَمَعِي بَنَاتِي! ثَارَتْ ثَائِرَتُهُ، وَتَوَعَّدَهَا بِألْفَاظٍ بَذِيئَةٍ وَعِقَابٍ شَدِيدٍ، كَانَ مِن قَيلُ يَتَحَيَّنُ لَهَا الْفُرَصَ، وَيَرْمِيهَا بِسِهَامِ الشًّبُهَاتِ الَرَّخِيصَةِ، ثَقَافَةُ سُوءِ الظنَّ بِالنِّسَاءِ، عِنْدَ بَعْضِ الرِّجَالِ تُلازِمُهُم كَالمَرَضِ الْخَبِيثِ{ هُوَ ذَا الْوَقْتُ الأَنْسَبُ لأَكلِ الْكبِدِ} كَمَا يُقاَلُ. يَرْكَبُ سَيَّارَتهُ مُتوَتِّرًا، يَتوجَّهُ مْسْرعًا إلَى بَيْتِ الْعَرِيسِ، يَطلبُ من القيِّمِ عَلى الْبَيْتِ أنْ يُنَادِي زَوْجَتهُ، فيُجيبُهُ: لا أعْرِفُهَا، فمَنْ تكُون زوْجَتَك؟! يقَولَ بِصَوتٍ مُرْتَفعٍ جَهُورٍ: اسْألْ عَن الْمَرَأة التي خَرَجَت من بيْتِ زَوْجِهَا دُونَ اسْتِئْذَانٍ! فينَادِي الرّجُل : -وكَانَ أبْلهًا- الرَّجَاءُ مِن المَرْأة الَتِي خَرجَتْ مِنْ بَيْتها دُونَ اسْتئذانِ أنْ تخْرُجَ ! فتَخْرُجُ جَمْهَرَةٌ مِن النِّسْوَةِ حَوَاسِرَ الرُّؤُوسِ، حَافِيَّاتُ الأَقدَامِ، يَترَاكَضْن مَذْعُورَات ، يَتلطفْنَ ..يَنْتَعِلْنَ الْبُؤْسَ، مُعْتذِرَاتِ، يَطلبْنَ الْحِمَايَة والأمْن، الْغَرِيبُ أنَّهُنّ خَرَجْنَ جَمِيعًا مِنْ بُيُوتِهِنَّ دُونَ اسْتِئْذَانٍ! فِي غَبْشَةِ الليْل يَتمَلْمَلُ الرَّجُلُ مَفْزُوعًا، وَلاَ يَكَادُ يُصَدَّقُ، وَعَلى رَأسِهِ طاقيَّة بيْضَاءَ يَتَلَهَى بِهَا، يَتحَرَّك فَوْضَوِيَّا، يَنْظُرُ إليْهُنَّ بعيْنن زَائِقتيْن، وَقدْ اخْتَلَطَ عَليْهِ الأمْرُ، تهْتزُّ شَفَتَاهُ وتخْتلِجُ، يَقولُ:النَّاسُ عَلَى دِين مُلوكِهِمْ، فاللوَاتِي خَرْجْنَ ليْلاً ذَاتَ صَائِفَةٍ إلَى الْمَلْعَبِ لِمَشَاهَدَةِ مُغَنِّي سَفيهٍ وبدُون اسْتِئذانِ، يَتشَابَهْن جَمِيعًا فِي الْهَدَفِ، ولزوْجَتهِ نَصِيبٌ مِنْ هَذَا الشَّبَهِ، هُنَّ لا يَخْتلفْنَ، يرْغَبْن في التحَرُّر والتَحَضُّر والمَسَاوَات، يُسَافِرْنَ..يَخْرجْن لَيْلاً ونَهارًا دُون إذْنٍ ولاَ اعْتِذَارٍ، تقولُ أحْدَاهُنَّ: ومَا الْغَرَابَةُ فِي ذَلِكَ يَارَجُل ؟ فَجْأةً أقٌبَلَتْ زَوْجَتهُ مُتجَرْجِرَةً، مُتوَتِرَةً الأعْصَابِ، مُشَمِّرَةً عَلَى سَاقَيْهَا، تنَظَرُ إليْهِ هَلِعَةً فِي ظلمَةِ الْمَكَانِ، وَإذَا بِعَيْنَيْهِ تَقْدَحَانِ شَرَرًا، تنْتَفَضُ فِي وَجْهِهِ، تسَألُهُ بِغَرَفٍ مَابِكَ هَائِجًا؟ هَدْئْ مِنْ رَوْعِكَ, تُخْفِي وجْهَهَا فِي صَدْرِهَا، تَرْتعْشُ، تُحَاوِل إيجَادَ الأعْذَار، تُوَاجِهُ أسْئِلة احْتَشَدَتْ أمَامَهَا، وقَدْ اشْتَدَّتْ أحْزُانَهَا وحَسْرَتُهَا، إنَّهَا تسْمَعُ جَعْجَعَة وَلاَ ترَى طَحِينًا، مُمَاحَكَة لَفْظيَّة هَزِيلَة مُمِلَةٌ وكَلاَمٌ غَامِض، تقُول: خِلتُك تَثِقُ فِي زَوْجَتِكَ وَفِي الْعِيَّالِ، لكنِّي ألفيْتُكَ كالعَادَةِ تحْمِلُ أفكارًا هَجِينَةً مُنحَطّةً، لا تليقُ بأسْرَةٍ مُحْترَمَة، الرَّجُل الذِي لا يُرَاعِي مَشَاعِرَ أسْرَتهِ، لَنْ يَضِيرَهُ أنْ يقُولَ ما يَشَاءُ، يَلْتفِتُ نَحْوَهَا مُتضَمِّرًا، يَسْألهَا بِصَلَفٍ واسْتِعْلاَءِ:كَيْفَ تَخْرُجِينَ وحْدَكَ دُونَ إذْنٍ، تُشِيحُ بوَجْهِهَا نَحْوَهُ كأنَّهَا تطرُدُ أشْباحًا تُهَاجِمُهَا كالذُّبَابِ.

02- تبْتلِعُ أشْوَاكَ الْكلمَاتِ الرَّعْنَاءَ، المَذبُوحَةُ بِخَنْجَرِ العَادَاتِ وَالْتقَاليدِ الْبَاليَّةِ، الْحَيَاةُ الزَّوْجِيّة تَتَلألأ كالأضْوَاءِ، لَكِنَّهَا تَتآكلُ أحْيَانًا فِي الْمُجْتَمَعَات الْمُتَخَلِّفَة وَتَصْدَأُ، تُفسدُهَا الأنَانِيَّة، تعُضُّ عَلَى أنَامِلِهَا مِنَ الْغيْظِ؛ وبنبْرَةٍ عِتَابٍ حَادَّةٍ تقُولُ مُتَألِّمَةً: خرَجَتُ رُفْقَةَ ألأبْنَاءَ مُسْتَأنِسَة بهِم مَحْرُوسَة، ألاَ يُعْجِبُكَ هَذَا ؟! أمْ أنَّ مَرَضَ الوَهْم والشَكِّ يُلاَزمَانِك كَالْظِلِّ، أعْرِفُ أنّ الْخِيَّانَة هِيَّ الرَّائِجَةِ فِي أدَبِيَاتِ بعْض الرَّجَال، والْمَثلُ يَقُولُ:”..الْخَائِنُ شَكَّاكُ، وَالأَجْرَبُ حَكَّاكُ..” مَا أَصْعَبَ أنْ تقِفَ الْمَرَأَةُ المَحْتَرَمَة فِي مَجْلسِ ذُكُورِي لا يرْحَمُ سِلاحَهُ التخْوينُ، تَقِفُ فِي الْعَرَاءِ، فِي لَيْلٍ بَهِيمٍ، وَاجِمَةً حَائِرَة تُمَارِسُ حَيَاةَ الْبُؤْسِ وَالْخَوْفِ، تَحْمِلُ أوْزَارَ غَيْرِهَا عَلَى أكْتَافِهَا، دُونَ أنْ يَكُونَ لهَا حُضُور فِي الْحَياة الْفاضِلةِ، فَهَل المَرأةُ الْعَرَبِيَّةُ بالفِعْل كائِنٌ شَقِيٌّ؟! أَمْ هِيَّ مُجَرَّدَ رَقْمٍ لاَ مَعْنَى لَهُ، مَنْ قَالَ هَذَا فَليخْسَأ؟! لِمَاذَا لاَ تُعَامَلُ النَّسَاءُ بِلُطفٍ وَاحْتِرَامٍ، دُون قهْر أوْ إذْلاَلٍ، كثِيرَاتٌ هِيَّ النِّسْاءِ اللَّوَاتِي يَكتفِينَ بِالذُهُول، ولاَ يُحَرِّكْنَ فِي الْمَوِاقِفِ سَاكِنًا، كأنَّهُن يُبرِّرْنَ الْعُنْفَ ضِدَّهَنَّ، الكثيرَاتُ مِنْهُنَّ لاَ يَشعُرنَ بالأمَان، لُغَّةُ الْكَلاَم تَتعَطَّلُ فِي مِثلِ هَذِه الْمَواقِف الْحَارِقَةِ، ترْفَعُ رأسَهَا، تُدِيرُ نظرَهَا، دَامِعَةَ الْعَيْنَيْنِ، إنَّهَا لاَ تَسْتَطِيعُ التحَرُّكَ مِن مَكانِهَا قيدَ أنْمُلَةٍ، تَنْصَاعُ لصَوْتٍ ضَارِع صَارِخ فِي دَاخِلهَا، وهِيَّ في ذَرْوَة الْغَضَب، لا يَهُم مَن يَكُونُ زَوْجُها، إنَّهَا لَحَظاتٌ حَزينَة تُلاَزِمُهَا، يَكتَظُ بهَا وِعَاءُ أفْكَارِهَا الْمَشْرُوخ، تتزَاحَمُ الأسْئلَة وَلا تَجِدُ لهَا جَوابًا، تنْتظرُ الصَّفعَاتِ والرَّكَلاَتِ والطَّعَنَاتِ والشَتَائِم الْبَذِيئَة، وَقدْ ألِفَتْ ذَلِكَ، إنَّهَا تتهَيأ لِمُوَاجَهَة الأسْوَأ فِي حَيَاتِهَا، ولَعَلَّهَا وَاثِقَةٌ مِنْ أنّهَا قادِرَةٌ عَلَى إلحَاقِ الأذَى بِزَوْجِهَا الثائِر إنْ شَاءَتْ لكنَّهَا لاَ تَفْعَلْ، فَجْأة أخَذَ سي الطيِّب يَلِينُ، يُدَحْرِجُ أحْلاَمَهُ الْهَارِبَة نَادِمًا، لِيُكّفِر عَن ذَنْوبِهِ، يَلتَمِسُ الأعْذَارَ، يَقَولُ : مَاجَدْوَى هَذَا الصَّرَاخ ؟! لقد وَجَدَ بَعْضَ الدِّفْءِ في تَجمْهُر الرِّجَالِ الْمُفَاجِئ، فينْتَبَهَ مِنْ غَفْوتِهِ، ويَسْتَرْجِعُ وَعَيَهُ، يتسَاءَلً ما جَدَوْى هَذِهِ الإثَارَةِ، هَلْ يَبْقَى يُغَرِّدُ خَارِجَ السِّرْبِ وَحِيدًا؟ الرِّجَالُ يَقفْون بِوَعْيِ إلَى جَانِبِ نِسَائِهِنّ، شِعَارُهُمْ النِّسَاءُ شَقَائق الرِّجَالِ، يُزِيحُ وَجْهَهُ وَيَنْظُرُ نَحْوَهَا بِعَفْويَّةٍ، يَدْنًو مِنْهَا و تدْنُو مِنْهُ، تَرْجُمُهُ بَالتَوَاضُعِ، وَالتَوَاضُعُ مِنْ شِيّمِ الْكِرَامِ، فيَرْشُقُهَا بِابْتِسَامَاتٍ وَاعِدَةٍ وَتَحِيَّةٍ، يَرْفَعُ صَوْتَهُ متوَدِّداً يَقُول:هِيَّ ذِي اسْعَدَ لَحَظَاتُ الْعُمْر، مَا رَأيْتُ فَضِيلَة مَكرُوهَة كفَضِيلة إهَانة النسَاء، باسْمِك يَا زَوْجَتِي الطَائعةِ، يَارَفِيقَةَ دَرْبِي، سَيَّدَةٌ الِبَيْتِ بِدٌونِ مَنَازِعٍ، أخَاطِبُ العَلاَقات الزَّوْجِيَّة الضَّائِعَة بَيْنَ أشْبَاهِ الرِّجَالِ، وعَلى ِ الكرَام أنْ يتجَاوزُوا الوَاقِع المَقِيت، أنْ يمْسَحُوا الْجَهْل مِن عُقُولِ الْجَاهِلِين، التائِهِينَ فِي دَيَاجِير الظَّلاَمِ الدَّامِس.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق