ثقافة السرد

حين سقطت قمر …”

سعدي صبّاح*
….

الصقيع شدّ رحيله  نحو التلاشي وودّعت الأرض المزهوّة  ليالي الزمهرير  ، … تعانقت العصافير أسرابا نشوانة بالرّبيع ! ،و شعثان جمت  أعشاب   استيا ئه  و تكدّست أفراحه إلى حين ، وهو يري شويهاته  الهائمة تلملم خضر البقاع … ولا من يرعاها أو يقيها شرّ ابن آوى الذي يتحرّش بسخالها الفتية بين الروابي.. ! كم يعذبه وهو يرى زوجته الضّريرة تتحدى غياهب الديجور ! ، يخلو بفنجانه الذي  آكل  عليه الدهر، يشعل سيجارة العرعر  يأخذ نفسا عميقا ..ويسافر مع حيرته في رحلة البحث عن راعٍ  للقطيع وللمراعي التي   أصبحت شبه محظورة  بعد أن بسط أيار  رداء ه  السندسي على التربة الحمراء بعد عشق وعناق  بين المزنة وبين حبّات الثرى ! ،تذكر ذلك الشيخ الذي جمعته به وفرة التلال حيث السنابل والشجر … يوم كان يرعى مواشي أحد الأعيان  الذي ابتلعه حي المعمورة إلى أجل غير مسمى … ، تذكر زوجته قمر فتراءت له  بجمالها ورشاقتها ورهافة حسها وخفة روحها  ..! قهوتها الساحرة التي تعدّها له وللضريرة ، حين يشتد  الرّمض  ويتقاطر السراب ويجعل من العرائش عرائس جزر الوقواق … واستمرت أسطوانة دماغه  تعيد له كل ما كانت تضحي به الرّيحانة قمر  قربانا لرضاه وميلها في النجوي  بمشاعرها وعواطفها اتجاه رجل لائق المزاج   و على قدر من الوسامة ..! وهي أسيرة  بحياة شيخ دميم   زري  أسير  الفقر منذ كان يحترف رعي الإبل مقابل خبز الشعير ولبن العنزات ..! ولعفّة البدوية بداخلها حالت بينهما باليقين .. هو يقدّر ويجلُّ خصاله الحميدة التي رضعها مع حليب النّوق … لكن حياته مع  قمر  حزت في نفسه شيئا من الغرابة .. وانتهت الأسطوانة  بالعثور على الراعي الذي يقتل حيرته .. وليكن ذلك الشيخ البائس ، وامتطى ابنة الريح فهبت  به  ترمّض عشب البراري  بحوافرها …! عبرت به فجاجا وأودية  معجّة بشجيرات نبق تقي الحجل شرّ الرصاص ، .. وعلى حين غرّة لاح له نجع الرحّالة يلملم أطراف القنادل والقطفة المالحة و   شرّابة الرّاعي  … وعلى جانب الوادي بيوت بلون الشفق ، فعرّجت به السّابحة أين مبارك الإبل ومعاقلها ، تعضّ لجامها وتصب جام كدِّها عليه … أنزلته في وقت قصير ضيفا على عشير  يتَّمتْهُ السنون السمراء  … يطل الشيخ فيعرف الفارس من فرسه وتعرف قمر   من كوتها رجلا كانت تشعر نحوه بالبهجة  والأمل ..! وتسلل الشيخ يمشي الهوينة  ، يماشيه كلبه الأبيض..  وأحضرت قمر قهوة الشّيح  وتضوع إبريق زمان يفوح غرفة عطّرتْ المكان .. وسيجارة العرعر التي مسّدتْها  أنامله الملوثة بتبغ سوف ..! وفاتحه على الفور في شأن الرعي …تقبَّلَ الشيخ المرام  دون تردد، شكره شعثان ممنّاً عليه بقطعة الألف  دينار قائلا برقّة : ” هذه لقمر  … وبكرة سأزف الكاليش  للرحيل ..واستطرد مازحا والثريد سيكون من بيت الضريرة ..” و رهتْ به السّحماء  مغادراً يشيِّد  القلاع على ظهر فرس تجلب له نسمات الصِّبا من الذرى والأعالي..! ،إلي أن استوقفته جنب الضريرة وشياهه  التي ترعي بقايا الخبيز وخضرة  الدِّمنْ بمناكب الديار ، لوى إلى  الضريرة أنبأها بالراعي الجديد فولولت في صمتها ..! وراحت تنجّد البيت متحدية حواجز الدجى  ببصيرة الروح الأعظم ..! وفي ضحي الغد عاد الكاليش معبئا وعلى متنه قمر  أبدعتها وسوّتها أنامل العلى يتبعها ذلك الشيخ الذي بادر اللحظة يحوم حول القطيع ببردته الرثة مغتبطا ، والأسطورة ترتّب بيتها الجديد متبخترة تصنع عرس الربيع في حمى  شعثان  وذمته ..! وقد أعاد ت له حيويته التي هجرته مع السنين  ، رجع إلى عشقه لنسمات البكور ..يطمئن على الزريبة التي أصبحت مراحا للسّلوى..! ، فتنبت أجنحته حين يرى شحرورة بشرية تدخل سخاله الغضّة إلى الصيوان ..وتتخطر بملامحها على زهور البرية التي سبقت موكب الزهر  احتفاءً بعرس الربيع  ..وحين تبارح القطيع المراح ملبية نداء المراعي يجد في نفسه رغبة وشوقا عارما في الخلود  إلى خيمتها الغجرية التي هجرتها الملائكة منذ حطت الرحال فيرتمي بمحياه المنتشي متكئا  منبهرا .. مخمورا بأجفان فاترة جنب أسطورة ترويها العجائز للغلمان ..! تناوله أنامل مخضّبة بالحنّاء فنجانا بنكهة الحرمل ، فيطيب لقمر الحديث عن أسرار البوادي.. ، تروي له بتلقائية وعفوية عن حياة الرُّحَل وعن صباها ككل بنات البدو والقفر ..في رعي الماعز وإعداد المعالف عند المغيب وتحضير الشوفان.. ! وعن البدوية وجلبها للحطب وقربة الماء والجرار  من المناهل ..! وتقاليد أهل البوادي التي تبيح للجميلة القران بمن تريد إلا بمن تعشق وتحب..! إلى أن أضحت رهينة بجمالها الغجري الفتّان بحياة هذا الشيخ بالإكراه ..! وتطرّقت دون أن تدري بإ يحاء  لا يسقط ماء المحيا  لشبقيّة  الرجل البدوي والأسرار داخل الهودج وقنص العذارى  تحت رنات البارود وعن الخيالة والفتيات البدويات وإعجابهن بأبناء القبيلة الذين يرتدون ساعات النيلون  والنظارات المزيفة التي يبتاعونها من سوق الدشرة …! وكواليس الرّحيل ..تستمر في حكاية بني هلال  المعجّة  بحياة البداوة ..نكهة القنص والمسامرة تحت ضوء القمر وثرثرة  النساء ونقر حبَّات المطر من على الخيام …إلي أن قاطعها شعثان معجبا بحسنها وجمالها وصوتها الهارب من السنابل حين تشرب  الرذاذ … وانتوى انتشالها منعطفا بها  عن  لجة الضّباب .. ولفتاة العفة بداخلها زجرت شفنينه المتيم ورمت به  إلى الخلجان النائية ..! لكنه لا يلبث أن  يعود مثابرا يراوده الحنين ..فيهمس لشعثان ، فيترجاها وقد تلعثم  لسانه : ” قمر  سأمنحك قرطا من عسجد هل تقبلين .. ؟ لم تصدّق … ارتعدت فرائصها كجحمومة  أبصرت دودتها تدب على حبات الرمل … لم تقل لكنها وجدت نفسها تشاطره بلش الوبر. تتودّده  أن تحضر له شايا على نار الكانون وأضرمت النار وحطت الركوة بسرعة البرق..! ،أثملته  قمر  وهو ير ى شفتيها المخضّلتين على شفتي الكأس  والقرط الذهبي الذي زادها سلاسة وانصياعا … يكاد السقوط بالقمر من عليائه  إلى أحضان الرذيلة ..! ، وهو يرى رغبتها جلية على محيّاها  لكنه يخشى ظبية  برية مدجّنة  صعبة المنال وقال في همس : ” قمر  خلاف القرط سأهبك عروس القطيع ” … العروس التي كسرت بقايا الجدار وجعلت السقوط في الهاوية باليقين ، زهر القمر…. أطلت من الرواق .. الدنيا خرساء .. خالية إلا من كلبها الساغب  الذي لا يتقن النباح ! ، فأباحت للقمر العالي بداخلها  أن يحيد! ، راقت .. شردت إلى الجهة الأخرى ، أخرجت مكحلتها وعانقت أناملها مروداً  لم تعانقه منذ الأمد .. مرّرته بعينين دعجاوين  بابليتين ساحرتين. ، ونثرت على جذع القمر  المتخلّج شيئا من الكتى  والذريرة ،  وذكتْ حبيبات المسك وأتته بالزي الغجري يقودها البلاء …! وقد راعته رنة الخلخال وهيّجته في آنٍ ..! أطلقت العنان لمفاتنها لتنسج خيوط الرذيلة  من وراء الواشي … أسدلت خصلات الليل البهيم تغازلها نسمات الربيع الآتية من وراء الإكليل البري وشجيرات الشيح التي تحمل في ثناياها سرّ الحياة..! وهي تعيش لحظة  انعتاق   وعشق دفين لم تعشه قمر  بظل من خشب … مهرةٌ بريّةٌ لا سرج ولا لجام ، وقدر روضتها عروس القطيع فانقلبت  إلى هرة أليفة باتت على   الطّوى  واضطجعت تشاطره الضّلال ! ..  ومنَّ  النعمان  مما دخره  من بذوره على الأهداب الناعسة فتكللت بالسواد  ، ونثر حمرته على سمرتها فصارت الوجنتان بلون الكمأة .. جحظت عيناه المخضّلتان في ذهول  وراحت أنامل ملطخة بالعرعر تلامس أزرار العاج للبحث عن الجمان.. كم يسكره وهو يرى حبات البرد وقد أسفرت من وراء الجلنار ! .. تأملها مليا بعد أن أثملته  بجعّةِ خمرها ..! وعرفت اللحظة معنى الهيام ، وهي تصغوا   لقرقعة عظامها .فشعرت بالولادة من جديد ..! تلعن سراً سجنها وسجّان كانت له بالإكراه بأعراف القبيلة، ويلعن هو  ويلات الضجر وجحيمه  بأحضان ضريرة أرضعته مرارة الفراش حدّ الثمالة ..! وحين هدأت العاصفة أطلّ شعثان فرأى الراعي مشرفاً على الربوة  يهش على القطيع على ضفاف الترعة الخضيرة جانب  الضاية  يتأبط حملا أنجبته عروس القطيع ! ، فتسلل يجر البرنس المعفر  بالذريرة  بعدما  رضبَ   من دبس  القمر  بتوهج وقد عرّج   على الضريرة وهي تدس ملتها السمراء بنار التنور  ، غير عابئة بشاي الحرمل الذي أعدته قمر وشاطرتها في إعداده  الأرواح الخبيثة.. ! وراحت قمر  تلبس ثوب الخطيئة  وتخلع بردة  الواشي المبللة بالكتى تسمك بيتها   و   تتأهب لعروس القطيع في انتظار قرطها الذي كان وراء سقوط قمر .

*قاص جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق