ثقافة المقال

أوهام الرومانسية في الزمن الخائن

بقلم طه بونيني*

ما يفهمه الكثيرون على أنّه رومانسية إنّما هو كلمة تتوارى وراء الإحساس، تتمثل به، وتلبسه قناعا، لأنها ليست إحساسا وإنما إشاعة.
ما عَرف الأولون هذه الرومانسية، يوم لم تكن الأفلام والمسلسلات والروايات الوردية لكنّهم أحبّوا بحقّ. كان الحب أداءً وحياة وسلوكا وتفاعلا ومودّة وأناة ورفقا وحزما وغيرة وعطفا وجدّية. وأحيانا لا تكاد تلمح فيه أمارات الحب بل تراه بالأثر، فهو حبّ مستتر. نعم لقد كان الحب وقتذاك، ضميرا مستترا يعود على المحبوب دون إحداث جلبة أو إصدار صوت أو رفع شعارات…لقد كان صامتا متحفّظا لكنه دائم. دوامه أطول من كل حب الأفلام والمسلسلات.
ألا تعجب لرومانسية تدوم شهورا، وحبا مستترا يدوم للأبد؟ أتعلم لماذا؟ لأنه حقيقي، لم تنتجه الأفلام، بل المحن والإحن. عصرته وقطّرته الظروف الحالكات حتى صار في صفاوة زيت الزيتون.
ينظر إليّ الحب الاصطناعي ويقول لي: “ما تسميه حبا كلاسيكيا صامتا ومستترا ليس حبا. كان الآباء يعيشون بلا إحساس، لا ينادون زوجاتهم بأسمائهن، ولا يفعلون شيئا مما يسمّى حبا؟!”
وأردّ عليه: “انظر إليهم بعين تُبصرُ بصدق. ألا ترى الإخلاص والتفاهم؟ ألا ترى كِلا الزوجين يتفاهمان دون أن ينبس أحدهما ببنت شفة. أحالنا كحالهم؟ أترى كيف اضطلع كلّ منهما بمهامّه باقتدار دون تداخل او خلل؟ أرأيت الرجولة في عرينه والأنوثة في سويدائها؟ وهل رأيتَ قومنا كيف انطمسوا؟ انظر كيف يحس الرجل العتيد بالغربة بعيدا عن الزوجة، وكأنّه فقدَ نصفه أو كلّه، ونفس الحالة تعيشها هي بل أمرّ، ولو كانت الفرقة ليلة واحدة!
إنه الحب بلا تكلّف أو تزلّف. إنّها الحقيقة لمَّا تكونُ إحساسا. أما الرومانسية التي تنادون بها، في الشوارع والطرقات والحدائق ودور السينما بل في كل مكان لوّثتموه إنّما هي الحيوانية قد تزّينت وتشبّهت بالإحساس.
أتذكُر صبّ الماء في قوارير الفخار المعبّق بالقطران، إنّه أعذب وأبقى ولو بدا لك مذاق القطران مُرّا سمجا فهو كالحياة تسلب الأزواج بريق الأيام وعنفوان المشاعر في بعض الأوقات، لكنّها تمنحهم القوة للمضي بثقة، ولو كان الغد موسوما باللظى لساروا إليه.
انظر إليّ يا أيّها الزمن الخائن، ويا أيتها المدنية المزيفة، وأنصتا إليّ: قد تعقدُ الرومانسية أيادي المتحابين لدقائق أو ساعات، لكنّ الحبّ المستتر المتحفّظ الذي أحدّثكما عنه، فهو يعقد الأرواح للأبد، بل إلى ما وراءه…

*الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق