ثقافة السرد

الشتوة الأولى

ناجي ظاهر

الليل راعد ماطر. يوقظه المطر. يخبط على نافذة غرفته الصغيرة مسقسقًا وحيدًا طائرًا. شعور غريب يجتاحه، يأخذه الى ما قبل سبعين شتاء. الى هناك.. الى باب امه الخالدة. يومها قالت له وهي ترسل نظرة غامضة الى السماء المقطبة المكفهرة. ابق هنا الى جانبي. في السماء مطر قوي. اخاف عليك من التجمد، الا انه لم يستمع الى امه، جذبته المغامرة فغادر البيت تلاحقه دعواتها.
في الخارج كانت امامه السيول تتزايد لحظة اثر اختها. شيء من الخوف كان يجتاحه، غير ان قوة رهيبة كانت تدفعه للتقدم الى الامام. لا يدري من اين جاءته.. ولا يعرف مصدرها. السيول تتكاثف.. تدفق المياه يشتد. ينسى البيت والعالم. ينسى امه. هو طفل صغير. ابن لعائلة من اللاجئين الفلسطينيين، جاءت للتو من قريتها سيرين وحطت بها يد النكبة في الناصرة. التشرد جعل منه طفلا وحيدا.. كل همه ان يعيش وان يكون كما ارادت له حكايات امه عن الفداء و البطولية.
يندفع منطلقا في شوارع بلدته. هو يعرف هذه الشوارع شبرًا وشبرًا وربما فترًا فترًا… يعرفها بالضبط كما يعرف راحة يده وحضن امه. انه ينطلق انطلاقة ابن بلد. ها هي طفولته الاولى تدفعه للمضي الى الامام.
الامطار تزداد شراسة. الشوارع تزداد اجتذابا له. انه يود لو تمكن من معانقة هذه الشوارع. لو تاه في احضانها، لو ذهب معها الى اقصى ما يمكن ان تقوده احلامه الصغيرة. شعور جميل بالماء يجذبه اليه. بدون ان يفكر.. يقذف نفسه في اللجة. غير حاسب اي حساب لما قد يحصل. ينسى كلمات امه. امامه الان كلمات اخرى. تطن في اذنيه الصغيرتين. تقول له.. عش دون ان تفكر. امتزج بالماء، ففيها حياتك.
يجتاحه شعور غريب لم يخالجه مثله منذ ولد قبل سنوات معدودة، ومنذ عانق هذه الشوارع للمرة الاولى. انه شعورٌ بالخدر. شعور جميل بالاندماج بالماء. ما احلى هذا.. الموجة تسحبه رويدا رويدا.. الى اين سيأخذه الماء؟.
يبدأ جسده الصغير بالتجمد. ها هو يشعر بالخدر يسري في اطرافه، متجاوزا اياها الى اعمق اعماقه. اين امي اني اتجمد. اين امي؟
يأتيه صوت امه الحنون.. ها أنذي الى جانبك يا مهجة قلبي..
امه تنتزعه من فم الطوفان. تنتحي به جانبا قصيا. تندفع في كل الاتجاهات. انها تبحث عن احطاب تشعلها لتدفئة صغيرها المتجمد. لكنها عبثا تحاول اشعالها. ماذا أفعل يا صغيري. ماذا افعل وانا اراك تتجمد بين يدي؟.. اخيرا تفلح امه في اشعال عود الكبريت الا ان النار تأبى الاشتعال. تنظر في شتى الاتجاهات علّ احدا يساعدها.. شعور بالاختناق يداهمها.. ماذا بإمكاني ان افعل.. ماذا يا ربي.
يرى صغيرُها المتجمد قوة إلهية تطير في كل الاتجاهات وتدخل الى جسدها النحيل. لقد وجدت الحل. نعم وجدته. هجمت على صغيرها احتضنته.. سرت الدماء متدفقة مجددا في جسده المتجمد.. ابتدأ باستعادة القوة على التنفس، شرعت الحياة بالسريان في جسمه. “الحمد لله.. على سلامتك “، تقول وفرح كوني باهر يطل من عينيها.
انها الشتوة الاولى.. ادام الله نعيمها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق