ثقافة المقال

مآسي الشعوب المريضة

معمر طاهر الشريف

الهيمنة الساحقة :
بذكاء خارق مكتسب من واقع الحياة الحية المعاشة ،يتوصل القوي إلى وسيلة مُثلى مدروسة بدقة وإحكام و بخبث عظيم يستعبد بها روح الضعيف وجسده ، و يجثم على أيامه حملا ثقيلا ، يصعب إسقاطه والتخلص منه ، وفي الوقت الذي يحاول فيه الضعيف أن يجد حلا لمعضلته التي أوقعه فيها ضعفه ، وأميته وجهله ، يستغل القوي هذا الوقت الثمين لإيجاد وسيلة أكثر تطورا لا تخطر على بال ،يُحيّن فيها خططه ، ويُسقط ما اكتُشِف منها ، ويستنبط خططه الآنية من خلال دراسته لنفسيات هذه الأنفس المريضة . وكلما خرج هذا الضعيف المسكين من معضلة وجد معضلة أخرى اشد وأدهى تنتظر .. وهكذا يبقى الراكب راكبا ..والمركوب يمشي حيث يوجهه سيده …
المفعول به :
ولا يدري العرب ماذا بعد الاستعمار الذي جثم على صدور دوله قرونا ، والتبعية الاقتصادية التي رافقت استقلالها التي غلّت تفكير أبنائها عن الإنتاج والابتكار ، والغزو الثقافي الذي غيب ثوابت المجتمع ، ودك حصونه ، و جعل أبناءه مسخا لا يعرف الواحد فيهم من هو؟من أين يبدأ ؟ أو إلى أين يتجه ؟
وأصبح همّ المواطن العربي أن يحافظ على جسده من الأذى ، إذا تحقق له قوت يومه يعتبر هذا إنجازا عظيما لا يضاهيه إنجاز ، وإذا توفر له مسكنا ، اعتبر أن مباهج الدنيا شرّعت له على مصراعيها ، وفُتح له باب من أبواب الفردوس ، وغايته فقط أن يكوّن أسرة ، كما لكل الناس أسر ، ويفرخ أولادا وأحفادا وذرية كما كل الناس يفرخون ، ويعتبر أن النضال في الحياة يتوقف هنا لا يتعداه إلى مبتغى آخر .
الخبث الرائد :
وعندما رأت هذه الدول المهيمنة المسيطرة أن الشعوب العربية المريضة قد حازت شطرا من العلوم وأصبحت تفرق بين بعض أساسيات الحياة ، واستطاعت استعادة جزء من نبرة صوتها الذي محاه الاستعمار الخبيث ، وعادت إلى دينها القويم بعد أن غيبته عن واقعها لعقود من الزمن عقيدة الشيوعية التي اعتنقها الكثير من حكام العرب ، بعد حروب استقلالها ، ووعت بعض واقعها ، وحاولت فهمه ونقده وتعديله وتوظيفه لصالح شعوبها .
انتقلت هذه الدول المهيمنة إلى خطة أخبث وأدهى وأقذر وهي اللعب على الحبلين ، تشجيع الديكتاتورية والاستبداد والفردية في هذه الدول ، وتأليب الشعوب على حكامها ودعوتهم إلى الثورة عليهم باعتبارهم ديكتاتوريين يغمطون حق شعوبهم في الحرية والديمقراطية والحياة الكريمة ..فأصبحت المجموعات الحاكمة ، وشعوبها في يد هذه القوى الخبيثة أسرى ، الحكام يستنجدون بهذه القوى سرا ، وشعوبها ستنجد بها جهرا علنها ، لتخليصها من الطغيان والجبروت و الحكم الفردي ، ويتلذذ كلا الطرفين بهذه المناوشات لإلهاء الطرف الآخر . وإضعافه …. واشتد الصراع بين الطرفين …
وجاءت العولمة فأصبحت الأرض مدينة صغيرة ، تتلاعب بها قوى المصالح كما تشاء وتدوس على مكامن الحياة فيها دون خوف أو حياء ، وتتحكم في اقتصاديات المجتمعات المريضة كما تهوى أيضا ، فبالإضافة إلى الهيمنة الاقتصادية التي تفرضها الدول المتقدمة على العالم ، أصبح التدخل في شؤون الدول المريضة واضحا ، ودون غطاء ، في كل مجالات حياتها ، قد يصل حتى المجال الروحي والديني الذي تختلف فيها الشعوب حد التناقض ، وفي طريقة حياتها ، ومناهج تعليمها التي تؤطره هذه العولمة الخبيثة من منطلق أنا أعرف مصلحتك أكثر منك ” ” افعل كذا ولا تفعل كذا ” ولسان حالها يقول : ” تحرياتي أنا القوي تكشف وتؤكد أنك أيها الضعيف ، إن فعلت كذا سيكون مصيرك هكذا ، وانطلاقا من اشتشرافاتي المستقبلية حاول أن تفعل ما أمليه عليك لكي لا تقع الكارثة ، فأصبحت هذه القوى المهيمنة المسيطرة توهم ضحاياها أنها تفهم في أمور حياتها أكثر مما تفهمه هي في حياتها الخاصة ، حتى من ناحية الدين والعقيدة والتعليم وطريقة الحياة ، وتوهمها بالويل والدمار إن لم تسمع لنصائحها وتطبقها حرفيا .
مظهر التدين في واقع الشعوب المريضة :
بعد أن استنزف الاستعمار مقدرات الشعوب العربية المريضة ، وجهل شعوبها ، وهيمن بثقافته عليها ، وزرع الفتن ما ظهر منها وما بطن بين أفراد هذه الشعوب ، وجاهد من أجل إحداث قاصمة الظهر وتحقيقها في يوميات هذه الأمم وهي تفكيك أواصر الأخوة والوحدة التي يحققها الدين ، فساعد على انتشار الفرق الدينية وحماها وناضل من أجل فرض نصرتها وتقديم يد العون لها تحت ما يسمى باحترام حقوق الأقليات سواء أكانت عرقية أو دينية مذهبية .فتفرقت نظرة المسلم إلى هذا الدين وتمزقت جهوده حد التضاد والتعاكس بعد أن كانت لحمة واحدة يؤطرها الدين الصحيح ويشد الربط بين أوصالها ، ويحميها .
وفرّخ هذا الوضع الموبوء واقعا مرا قوّض أركان الدول والمجتمعات العربية وعجل بتهديد وحدتها وتماسكها ، وأصبحت شعوبها شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ، وتشرذمت إلى فئات مختلفة متناحرة متناطحة ، كل فرقة وفئة تقنع مريديها أنها على النهج الصحيح وأن منهجها هو الأحق بأن يُتبع ..وكل ما دونها بهتان وضلال وزيغ عن الفهم الصحيح للدين والحياة
• الفئة الأولى :
تنظر إلى الدين نظرة تعصب ، وتعتقد أنها نظرة أصالة ، تريد إرجاع المسلم إلى حياة الماضي ليعيشه بكل حيثياته ، ولا تقبل هذه الحضارة الوافدة جملة وتفصيلا ، وتعتقد أن كل المآسي التي طالت الأمة العربية الإسلامية نتجت عن التأثر بغيرها من الأمم الكافرة في لباسها وطريقة حياتها وتفكيرها وتوصل بها الأمر إلى حصر العلوم فقط في علوم الدين ، وعدم تعلم العلوم الأخرى …
والمشكلة أن أفراد هذه الفئة يستعملون كل مخترعات الحضارة الغربية من وسائل النقل والاتصال ، وما يتصل بضروريات الحياة المعاصرة من كهرباء وغاز وماء متدفق عبر حنفيات منازلهم وحماماتهم ومطابخهم ويرفلون بمباهجها ، ثم يسبون أصحابها ويحرمون العلوم المدنية كالرياضيات والفيزياء والعلوم والفلسفة التي أنتجت كل هذه المظاهر الحضارية التي ينعمون بها على أقوامهم وعلى صغار بني جلدتهم ويهزأون بها حتى على منابر الجوامع التي يُسمعون بها أصواتهم لمن يحدثونهم بفضل الكهرباء ومكبرات الصوت والميكروفونات وما أنتجته هذه الحضارة المعاصرة ..
والخطيئة التي وقعت فيها هذه الفئة هي أنها أقنعت نفسها بمبدأ ..” أخذ الكل أو ترك الكل ” فأخذت كل موروث عن الماضي حتى ولو كان وهما …وحرمت كل معاصر حتى ولو كانت تتنعم بمباهجه ويعينها في أمرر دينها ودنياها .
• الفئة الثانية :
حاولت أن تطور الإسلام وتتطلع به إلى الانفتاح على ثقافة الآخر ، وما حققه في مجال العلوم والفنون والتفكير الحر المبدع ، لكنها اتخذته كغطاء سياسي لنيل السلطة ، والحكم ، وسمحت لنفسها حتى استعمال القوة والقتل والتشريد ، وإباحة دماء المسلمين ، وأمواله وأعراضهم من أجل تحقيق مآربها السلطوية .. وأعطت الحق لنفسها وللمنتسبين إليها لاتخاذ الدين كذريعة للتحكم في الآخر ..واستأثرت بمبادئه واحتوتها وجعلتها حكرا عليها دون سواها بها تتحكم وتصدر أحكامها وفقا لأفكارها وتوجهاتها وتفرضها على الآخر حتى ولو كانت خاطئة وتوصل بها الأمر إلى أنها اعتبرت زهق الأرواح وإراقة الدماء تقربا إلى الله سبحانه وتعالى..وقتل الأبرياء وتشريدهم وسيلة لبسط دين الله في الأرض وإقامة حكمه العادل وتطبيق شريعته الصحيحة فخربت الأوطان وهجرت الشعوب ويتمت ورمّلت وثكلت وبددت مقدرات أوطانها وضعفت قدراتها فتداعت عليها الأمم جهارا نهارا تنهب خيراتها وتستعبد شعوبها وتذل فيها كل ذرة كبرياء كانت تربطهم بماضيهم المجيد .
• الفئة الثالثة :
هي التي تنظر إلى الدين نظرة ازدراء واحتقار ، وتعتقد جازمة أنه سبب تخلف المسلمين ، وعاملا من عوامل الجهل والأمية ، وتدعو إلى تجاوزه ،والخروج عن تعاليمه وتوجيهاته في كل الميادين ، وتنعته تارة بالتعصب وتارة بالظلم ، وتارة بالخرافة والأسطورة ، وتدعوا إلى الارتماء الكلي في أحضان الحضارة الوافدة .
نسبت هذه الفئة التي تسمي نفسها متنورة إلى الدين الحنيف كل الخطايا بدءً بالقصور عن مواكبة العصر ، وعجزه عن مسايرة الواقع المتسارع ، وجعلته السبب الرئيس لتأخر الدول التي تدين به ، واتهمته بالظلامية والتعصب والوقوف في وجه التفكير الحر ، ومعاداته للتطور والرقي في مجال العلم والفن وسائر مجالات الحياة ، ونجحت إلى حد بعيد إلى نشر ثقافة التحرر من كل الالتزامات سواء أكانت دينية أو أخلاقية وساعدت على نشر ثقافة غربية وافدة ، و ابتعدت بإنسان هذه المجتمعات عن دينه حتى توهّم أن الأصل في هذا الوافد ..وشكك في الكثير من المبادئ والأصول الاجتماعية والدينية ودفعه هذا الشك في الكثير من الأحيان إلى الردة واعتناق ديانات أخرى أو الدخول في متاهات الكفر والإلحاد ..
• الفئة الرابعة :
• تسير في فلك سلطاتها أينما توجهها تجدّ في المشي ، وتعلي آيات الطاعة والولاء ، ولا تغيرها مهما اختلف الوافدون عن السلطة ، وتغير في مناهجها عندما تتغير السلطة ، ولا تثبت على موقف واحد ، هي على دين الملك مهما كان ، وذراعه الديني والعقدي المتين يوظفها في كل حين وآن ، عندما تعجز أدرعه الأخرى على تحقيق بعض سياساته في الشعب والأمة .
• الفئة الغائبة :
الفئة الغائبة عن مجتمعاتنا العربية المعاصرة هي تلك الفئة التي تتخذ من الوسطية أسلوبا لها في كل تعاملاتها مع الدين والواقع والناس في تطلعاتهم لأصالتهم ، والمعاصرة التي تفرض عليهم نمط حياة معين يجب التعامل معه بحكمة بالغة …
تحتاج الأمة العربية إلى فرقة مرتوية حد التشبع من ينابيع أصالتها الحقيقية التي لم تثقلها تراكمات السنين بالخرافات والأباطيل ، والنظرة الساذجة إلى الدين كدين ، وإلى الإنسان كمخلوق مفضل يريد تحقيق إنسانيته التي أمر الله بها و يطلب من هذا الدين حريته وسعادته في الدارين …و يصبح هذا الدين نقطة انطلاق للإبداع والتميز وتعمير الأرض ومنافسة الأمم من أجل امتلاك وسائل التمكين التي تلح عقيدتهم على حيازتها ….
وعندما تعي دينها جيدا وتحرره مما علق به من تراكمات السنين السلبية ..تتطلع إلى المعاصرة التي فرضت نفسها على الواقع فرضا لا يمكنها التخلص منها ولو حاولت ، وتعيها وتميز بين ما يتعارض و ما لا يتعارض مع أصالتها وتطلبه وتبالغ في طلبه ـ وتحاول التمكن منه فهما وتطبيقا …لإخراج مجتمعاتها من دوائر التخلف التي وقعت فيها عندما تأخرت عن الركب الحديث للحضارة …وتحاول التخلص من الأسباب التي أوجدها الاستعمار الحديث الذي أدخلها إلى أقبية المغلق وأنتج منها مشروع المتخلف المتعصب ، الذي لا يصلح للحياة .
ما أحوج الأمة إلى هذه الفرقة التي تجادل بالتي هي أحسن ، وتعتبر أن الدين لله وأن الخلق عباده ..هدفها هو محاولة تخليص الأمة من الآفات لتسعد بحياتها الدنيا …وتعين الناس على الفوز بالآخرة ..وتقنع الناس أن المحطة الأساسية للفوز بالآخرة هي الدنيا …في تعميرهم لها ..وحسن أخلاقهم فيها ..وتحقيق مبادئ الإنسانية التي أمر الله بها ….
تحاول قدر المستطاع أن تبشر الناس بالجنة ..لا أن تتبجح في فرحها عندما تؤكد لهم أنهم سيكونون في النار …
ما أحوجنا إلى فرقة تتعامل مع الدين والخلق لوجه الله لا غير ..وليس نصرة لفكرة ما أمذهب ما أو سلطان ما ..أو لغرض التمكين لها في الأرض دون سواها …تعين دولتها وحاكمها في الأمور التي يوفق فيها وتشد على عضده …وتقف في وجه تصرفاته التي يحيد فيها عن روح الدين القويم وعن خدمة الناس والوطن وتبصره بأخطائه وزلاته وتعينه على تجاوزها بالحسنى .
ما أحوجنا إلى فرقة تجاهد وتكابد الكد والتعب والنصب من أجل تثقيف الأمة وتوعيتها بأمور دينها الصحيح وأمور دنياها التي بدونها لا يصلح أمر هذا الدين …وتمرر المشروع القويم للدين أن العمل عبادة والعلم عبادة …وكل عادة دنيوية ستصير عبادة إذا نواها لله من أجل خدمة مجتمعه وأهله والناس الذي يعيش معهم ..
ما أحوج المسلم المعاصر إلى فئة تحمل على عاتقها طلب العلم الصحيح النافع والدعوة إلى استثمار نظرياته في الواقع ..وتساير به ركب الأمم وتقارعهم به في المحافل والمناسبات …وتجد الخطى لامتلاك أسبابه ووسائله …
وتستثمر في الإنسان ليفجر طاقاته التي حباه الله بها في كل مجالات الحياة ليكون خليفة الله في الأرض ولا يبقي الخلافة في الأرض وخدمتها وتعميرها على غيره من الأجناس الأخرى ليصحح المقولة القديمة التي أنتجتها خطايا السنين وأوهامها والتي تقنع الناس ” بأن لهم الدنيا ولنا الآخرة ” لتصبح ” لنا الدنيا والآخرة ”
وتحاول أن تعطي بصيص أمل يستنشق به أفراد مجتمعاتها أوكسيجين الحياة الصحيح ليعيد لها أملها الذي حققته ذات زمان لتعيده مرة أخرى وتكون ” خير أمة أخرجت للناس “

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق